التلوّث اللغوي

صورة الكاتب
بقلم: د . أنور ساطع أصفري
التاريخ: 14 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2711
التلوّث اللغوي

التلوّث اللغوي

تنعكس اللغة في كلّ تصرفاتنا ، وحواراتنا ، وفي كلّ اللقاءات التي نتمتع بها ، إن كان في المنزل أو المكتب أو في الشارع ، أو في وسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف أنواعها وأجناسها .و بمقدار احترامنا لهذه اللغة تكون فاعلين للسمو بأنفسنا و بمكانتنا ، وبغير ذلك نكون بمثابة من يستهزىء بنفسه وبلغته أمام نفسه وأمام الآخرين ، ويُعبّر عن ضحالته و حالته المتردّيةو لكي نصل إلى حالةِ الإبداع في اللغة علينا أن نمزج اللغة مع التفكير الذهني النشط ، ليتكوّن لدينا نسيج لغةٍ غنيّة و واسعة .ومع انتشار مواقع الأدباء المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي ، تمّ فسح المجال أمام الجميع كي يطفو كلّ فردٍ كيفما يشاء ويروم ، وأن يتواصل مع الآخرين في أي زمانٍ ومكان ، متغاضياً عن أمرٍ مهم يتلخّص في أن هذا التواصل يحتاج في المقام الأول إلى اللغة .و لعلّ إنتشار هذه المواقع ساهم بشكلٍ كبير في كشف عورات الآخرين اللغوية ، وطفت على السطح الفجوة العريضة والواضحة بين مكوّنات المجتمع في التعبير اللغوي والإملائي والنحوي والكتابي ، وتدنّى مستوى التعبير و توضّحت ضآلته .وبذلك تشكّلت في مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة واضحة المعالم من التلوّث اللغوي ، حيث اتّسمت بعض النصوص بلغةٍ غير واضحةٍ ، ولا تحكمها قواعد لغوية ، أو نحوية أو صرفية و إملائية . والأمثلة بين أيدينا كثيرةٌ جداً .و كثيرون لا يفقهون أو لا ينتبهون أو يتجاهلون الكلمات المنقوصة ، أو الأفعال المعتلّة ، أو التنوين ، أو الشدّة ، أو جمع المذكر السالم ، أو الأفعال الخمسة ، أو الأسماء الستة ، أو الفعل المعتلّ . أيضاً هناك نماذج كثيرة حول هذه الأخطاء بين أيدينا .كما إنتشرت في هذه المواقع الأدبية منها و في وسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ عام ، عمليات السطو الأدبي ، وتم فضح الأسماء التي تُمارس هكذا سطو ، بل تمّ إنشاء مواقع متخصصة بفضح الذين يُمارسون السطو الأدبي و بالأسماء .ولأن هذه المواقع انتشرت فيها الأخطاء اللغوية ، لذا أسهمت بشكلٍ عفوي من خلال تكرار هذه الأخطاء إلى ترسيخها لدى الكثيرين الذين يستخدمون هذه المواقع ، ممّا أدّى إلى إنتشار كتابات مشوّهة في حالاتٍ كثيرة ، ومع الأسف هذه الكتابات المشوّهة تُقابل من أُدباء آخرين بنفس الموقع بتعليقات :” رائع ، قمة الإبداع ، الله… روعة ، بوحٌ رائع ، يسلم اليراع ، قلمكم نقش حرير المعاني ” . و ما إلى ذلك من عباراتٍ لا نستطيع أن نقول عنها إلاّ أنها نموذج واضح للدجل وللنفاق الثقافي والأدبي والاجتماعي ، وخذلان لنقاء اللغة ، ومساهمة واضحة في نشر التلوّث اللغوي وتوسيع مساحته .كلّ هذه الأمور تختصر تاريخ طويل من الهزيمة الفعلية المُعاشة في المنطقة العربية بسبب ذاتي ، وبسببٍ آخر يتمثّل بالغزو الثقافي المشبوه والشرير .كما أن هناك كثير من الشباب الذين يتواصلون عبر مواقع التواصل الاجتماعي يستخدمون لغة ممزوجة بين العربية والاجنبية والأرقام يسمونها ” فرانكو ” ، وإذا استخدموا اللغة العربية بمفردها لا يستطيعون بسبب الجهل باللغة العربية وبسبب الأخطاء الجسيمة التي يقعون بها . تُرى هل هذا بسبب التخبّط التربوي المعمول به في الإقليم ، وترسيخ الإزدواجية اللغوية ؟.بكل تأكيد إن مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الأخرى ليست مسؤولة عن هذا التردي ، ولكن هذه المواقع بمجملها تعكس بشكلٍ واضحٍ ودقيق مدى التخلّف والجهل من خلال اللغة المستخدمة في هكذا مواقع .وبنفس الوقت هناك مواقع تحترم نفسها ، ولا تسمح بنشر أي مادة إذا لم تك سليمة لغوياً ونحوياً ، لذا نرى أن عدد المواد المرفوضة عندها هي كثيرة .وكلٌ منّا يُلا حظ في هذه الأيام أن معظم المدرسين لا يجيدون اللغة العربية ، حتّى ولا يجيدون نطق الأحرف ، ولا يهتمون بإخلاص في تدريس اللغة العربية لأجيال هذه الأمّة .و إذا أحببنا أن نُعالج هذا الواقع ، لا بُدّ من إعادة الإعتبار بشكلٍ جدّي للّغة العربية في كافة مراحل الدراسة بدءً من المرحلة الإبتدائية وصولاً إلى المرحلة الجامعية ، وبهذه الحالة يتخرّج الطالب وهو مُلمّ بشكلٍ كامل بلغته الأم ، حتّى ولو درس بعض العلوم باللغة الأجنبية ، سيبقى ملمّاً ومتفوقاً في لغته لأن ذخيرته اللغوية فيها واسعة ويستوعبها بشكلٍ كامل .أمّا الكتّاب الذين يطمحون نحو الإبداع ، عليهم أن يدمجوا إسلوب قلمهم مع البلاغة ، أي مع النحو والصرف ، و بإسلوب أعلى لغوياً ، حينها سنحصل على لغة واضحة وسليمة وبليغة ، وتلج بسلاسة قلب المتلقي ، الذي سيدرك تلقائياً قدرة الكاتب على تكوين كلام بليغ ، وقدرته على اختيار الحرف المناسب .نحن ندرك ونؤمن بدون أي شك ، بأن لغتنا العربية عريقة وباقية ، لكن مع الأسف إن سياسات مؤسساتنا الاعلامية والتربوية والثقافية قاصرة بكل معنى الكلمة لحماية لغتنا السامية على الدوام .

عن الکاتب / الکاتبة

د . أنور ساطع أصفري
د . أنور ساطع أصفري
کاتب . ناقد / سوریا

مقالات أخرى للكاتب

تلازم الحرية مع الوعي والنضج الثقافي 

تلازم الحرية مع الوعي والنضج الثقافي 

تلازم الحرية مع الوعي والنضج الثقافي  من يمنح الحرية لجاهلٍ ، كمن يمنح سلاحاً لمجنون…

صورة الكاتب د . أنور ساطع أصفري
26 يوليو 2026
اقرأ المزيد
السياج 

السياج 

السياج  الوقتُ يمرُّ ثقيلاً وكأنهُ غضبٌ يجثو على إحساسٍ ربيعيٍ مفعمٍ بالحياة ، صوتُ التلفازِ…

صورة الكاتب د . أنور ساطع أصفري
25 يوليو 2026
اقرأ المزيد
عزفٌ منفرد على ايقاع نقيق الضفادع

عزفٌ منفرد على ايقاع نقيق الضفادع

عزفٌ منفرد على ايقاع نقيق الضفادع سرتُ تائهاً في أزقّةٍ ولهى ، تحنّ لبسمةٍ ،…

صورة الكاتب د . أنور ساطع أصفري
20 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


التلوّث اللغوي

بقلم: د . أنور ساطع أصفري | التاريخ: 14 يوليو 2026

التصنيف: النقد الأدبي

التلوّث اللغوي

تنعكس اللغة في كلّ تصرفاتنا ، وحواراتنا ، وفي كلّ اللقاءات التي نتمتع بها ، إن كان في المنزل أو المكتب أو في الشارع ، أو في وسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف أنواعها وأجناسها .و بمقدار احترامنا لهذه اللغة تكون فاعلين للسمو بأنفسنا و بمكانتنا ، وبغير ذلك نكون بمثابة من يستهزىء بنفسه وبلغته أمام نفسه وأمام الآخرين ، ويُعبّر عن ضحالته و حالته المتردّيةو لكي نصل إلى حالةِ الإبداع في اللغة علينا أن نمزج اللغة مع التفكير الذهني النشط ، ليتكوّن لدينا نسيج لغةٍ غنيّة و واسعة .ومع انتشار مواقع الأدباء المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي ، تمّ فسح المجال أمام الجميع كي يطفو كلّ فردٍ كيفما يشاء ويروم ، وأن يتواصل مع الآخرين في أي زمانٍ ومكان ، متغاضياً عن أمرٍ مهم يتلخّص في أن هذا التواصل يحتاج في المقام الأول إلى اللغة .و لعلّ إنتشار هذه المواقع ساهم بشكلٍ كبير في كشف عورات الآخرين اللغوية ، وطفت على السطح الفجوة العريضة والواضحة بين مكوّنات المجتمع في التعبير اللغوي والإملائي والنحوي والكتابي ، وتدنّى مستوى التعبير و توضّحت ضآلته .وبذلك تشكّلت في مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة واضحة المعالم من التلوّث اللغوي ، حيث اتّسمت بعض النصوص بلغةٍ غير واضحةٍ ، ولا تحكمها قواعد لغوية ، أو نحوية أو صرفية و إملائية . والأمثلة بين أيدينا كثيرةٌ جداً .و كثيرون لا يفقهون أو لا ينتبهون أو يتجاهلون الكلمات المنقوصة ، أو الأفعال المعتلّة ، أو التنوين ، أو الشدّة ، أو جمع المذكر السالم ، أو الأفعال الخمسة ، أو الأسماء الستة ، أو الفعل المعتلّ . أيضاً هناك نماذج كثيرة حول هذه الأخطاء بين أيدينا .كما إنتشرت في هذه المواقع الأدبية منها و في وسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ عام ، عمليات السطو الأدبي ، وتم فضح الأسماء التي تُمارس هكذا سطو ، بل تمّ إنشاء مواقع متخصصة بفضح الذين يُمارسون السطو الأدبي و بالأسماء .ولأن هذه المواقع انتشرت فيها الأخطاء اللغوية ، لذا أسهمت بشكلٍ عفوي من خلال تكرار هذه الأخطاء إلى ترسيخها لدى الكثيرين الذين يستخدمون هذه المواقع ، ممّا أدّى إلى إنتشار كتابات مشوّهة في حالاتٍ كثيرة ، ومع الأسف هذه الكتابات المشوّهة تُقابل من أُدباء آخرين بنفس الموقع بتعليقات :” رائع ، قمة الإبداع ، الله… روعة ، بوحٌ رائع ، يسلم اليراع ، قلمكم نقش حرير المعاني ” . و ما إلى ذلك من عباراتٍ لا نستطيع أن نقول عنها إلاّ أنها نموذج واضح للدجل وللنفاق الثقافي والأدبي والاجتماعي ، وخذلان لنقاء اللغة ، ومساهمة واضحة في نشر التلوّث اللغوي وتوسيع مساحته .كلّ هذه الأمور تختصر تاريخ طويل من الهزيمة الفعلية المُعاشة في المنطقة العربية بسبب ذاتي ، وبسببٍ آخر يتمثّل بالغزو الثقافي المشبوه والشرير .كما أن هناك كثير من الشباب الذين يتواصلون عبر مواقع التواصل الاجتماعي يستخدمون لغة ممزوجة بين العربية والاجنبية والأرقام يسمونها ” فرانكو ” ، وإذا استخدموا اللغة العربية بمفردها لا يستطيعون بسبب الجهل باللغة العربية وبسبب الأخطاء الجسيمة التي يقعون بها . تُرى هل هذا بسبب التخبّط التربوي المعمول به في الإقليم ، وترسيخ الإزدواجية اللغوية ؟.بكل تأكيد إن مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الأخرى ليست مسؤولة عن هذا التردي ، ولكن هذه المواقع بمجملها تعكس بشكلٍ واضحٍ ودقيق مدى التخلّف والجهل من خلال اللغة المستخدمة في هكذا مواقع .وبنفس الوقت هناك مواقع تحترم نفسها ، ولا تسمح بنشر أي مادة إذا لم تك سليمة لغوياً ونحوياً ، لذا نرى أن عدد المواد المرفوضة عندها هي كثيرة .وكلٌ منّا يُلا حظ في هذه الأيام أن معظم المدرسين لا يجيدون اللغة العربية ، حتّى ولا يجيدون نطق الأحرف ، ولا يهتمون بإخلاص في تدريس اللغة العربية لأجيال هذه الأمّة .و إذا أحببنا أن نُعالج هذا الواقع ، لا بُدّ من إعادة الإعتبار بشكلٍ جدّي للّغة العربية في كافة مراحل الدراسة بدءً من المرحلة الإبتدائية وصولاً إلى المرحلة الجامعية ، وبهذه الحالة يتخرّج الطالب وهو مُلمّ بشكلٍ كامل بلغته الأم ، حتّى ولو درس بعض العلوم باللغة الأجنبية ، سيبقى ملمّاً ومتفوقاً في لغته لأن ذخيرته اللغوية فيها واسعة ويستوعبها بشكلٍ كامل .أمّا الكتّاب الذين يطمحون نحو الإبداع ، عليهم أن يدمجوا إسلوب قلمهم مع البلاغة ، أي مع النحو والصرف ، و بإسلوب أعلى لغوياً ، حينها سنحصل على لغة واضحة وسليمة وبليغة ، وتلج بسلاسة قلب المتلقي ، الذي سيدرك تلقائياً قدرة الكاتب على تكوين كلام بليغ ، وقدرته على اختيار الحرف المناسب .نحن ندرك ونؤمن بدون أي شك ، بأن لغتنا العربية عريقة وباقية ، لكن مع الأسف إن سياسات مؤسساتنا الاعلامية والتربوية والثقافية قاصرة بكل معنى الكلمة لحماية لغتنا السامية على الدوام .