قراءة وتأويل لقصيدة ( كلب يتربص بالغبار ) للشاعر عادل قاسم

صورة الكاتب
بقلم: ریاض عبدالواحد
التاريخ: 10 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 2933
قراءة وتأويل لقصيدة ( كلب يتربص بالغبار ) للشاعر عادل قاسم

حين يصبح الغبار أفقا للوجود

المقدمة:

لا تنفتح قصيدة (كلبٌ يتربّص بالغبار) على عالمٍ مستقرّ تتوزع فيه الأشياء وفق علاقات مألوفة بين الإنسان والطريق والغاية، بل تبدأ من لحظة اختلال عميق أصاب علاقة الذات بالعالم؛ فالمسافرون لم يعودوا يمتلكون جهة واضحة، والمنارات انطفأت، والفنارات تهاوت، والنجمة التي يُفترض أن تهديهم ليست سوى (نجمة ميتة). ومن ثمّ فإن النص لا يروي رحلةً في مكان خارجي بقدر ما يستحضر تجربة وجودية تتشكل داخل الوعي، إذ يصبح العالم نفسه موضع شك، ويغدو الوصول إلى الخلاص احتمالًا مؤجلًا بل ربما مستحيلًا. من هذا المنظور، تبدو القصيدة قابلة للقراءة الظاهراتيًة لأن الظاهراتية لا تسأل عن الأشياء بوصفها موجوداتٍ مكتملة خارج الذات فحسب، وإنما تنظر في كيفية ظهور العالم للوعي، وكيف تُدرك الذات الأشياء، وكيف يتشكل المعنى بواسطة التجربة المعاشة. والطريق في النص ليس مجرد طريق، والوادي ليس مجرد منخفض جغرافي، والنجمة ليست جرمًا سماويًا، والغبار ليس مادةً عابرة إنما تتحول جميعها إلى حالاتٍ شعورية ووجودية تنكشف من خلالها أزمة الذات. وفي الوقت نفسه، فإن نصيص القصيدة «كلبٌ يتربّص بالغبار» يضع المتلقي منذ البداية أمام تركيب سيميائي شديد الكثافة، إذ يجمع بين كائن حسيّ مألوف هو (الكلب)، وفعل (التربص) المشحون بالانتظار والمراقبة والعدوان الكامن، وبين (الغبار) الذي يمثل حالةً من التلاشي والعماء وعدم الثبات. ومن هنا لا يعود النصيص تسميةً للنص بل يصبح شفرةً أولى لقراءة عالمه.

ويمكن القول إن القصيدة تتحرك بين قطبين متناقضين: الرغبة في العثور على جهة، واستحالة الاطمئنان إلى الجهة؛ وبينهما تتشكل ذاتٌ خائفة، مترددة لكنها في لحظة ما تنخرط في الجنون الذي كانت تراقبه من الخارج. وهنا تحديدًا تكمن إحدى أكثر مفارقات النص أهمية: إن الذات لا تظل مراقبًا للجنون بل تتحول في النهاية إلى جزء من حركته.

النصيص بوصفه بنية سيميائية:

«كلبٌ يتربّص بالغبار»

يؤسس النصيص منذ اللحظة الأولى لعلاقة غير مألوفة بين ثلاثة عناصر:

كلب ← يتربص ← الغبار

وهذه العلاقة هي التي تمنح العنوان قوته الدلالية. فالكلب كائن يرتبط، في الذاكرة الثقافية، بالحراسة والحاسة والشم والوفاء، لكنه قد يرتبط أيضًا بالخطر والنباح والمطاردة والافتراس. غير أن النص لا يقول إن الكلب يتربص بإنسان أو بفريسة، بل يجعله يتربص بـ الغبار. وهنا تحدث المفارقة السيميائية. فالكلب ينتظر شيئًا، لكن الشيء الذي ينتظره ليس ثابتًا. والغبار بطبيعته لا يمتلك استقرارًا؛ إنه بقايا الأشياء بعد تفككها، وأثر الحركة بعد زوال المتحرك، وعلامة على ما كان موجودًا ثم انمحى.

لذلك يمكن قراءة «الغبار» بوصفه علامةً على الغياب. أما (التربص) فيحيل إلى انتظار شيء قادم، بينما الغبار يحيل إلى شيء مضى أو يتلاشى. وبذلك ينشأ في النصيص توتر بين:

انتظار المستقبل ← الغبار بوصفه أثرًا للماضي.

وهذه المفارقة ستتكرر داخل النص كله.

فالذات تنتظر الخلاص، لكن المنارات انطفأت.

وتبحث عن الهداية، لكنها تتبع نجمةً ميتة.

وتسلك الصراط، لكنها تنظر إلى الوادي السحيق.

والعجوز يقلب الأيام والمساءات لكنها لا تعيده إلى الشباب، بل تزيده انحناءً.

إذن النصيص يختصر البنية العميقة للقصيدة: انتظار شيء لم يعد موجودًا إلا في أثره.

الكلب: حارس العدم

يمكن أن يكون (الكلب) في القراءة السيميائية تمثيلًا للوعي الذي لا يستطيع مغادرة حالة الترقب. إنه كائن يقف خلف (جدران الحروف السميكة)، أي أنه موجود في منطقة تقع بين اللغة والصمت، بين الظهور والاختفاء. وليس من المصادفة أن يرد في مطلع النص:

(يَتَوَارَى خَلْفَ جُدْرَانِ الحُرُوفِ السَّمِيكَةِ كَلْبٌ…)

فالكلب هنا ليس في فضاء طبيعي وإنما خلف الحروف. وهذا يحوّل النصيص إلى جزء من فعل الكتابة نفسه.

كأن النص يقول إن ثمة كائنًا مختبئًا داخل اللغة، يراقب ما يتساقط منها، ويتربص بما يبقى بعد احتراق المعنى.

ومن ثم يمكن النظر إلى الكلب بوصفه وعيًا حارسًا للخراب.

الغبار: العلامة الأكثر كثافة

يتكرر الغبار في نهاية النص:

(يُبْحِرُ فِي شَوَاطِئَ مِنَ الغُبَارِ.)

وهنا تحدث نقلة سيميائية مهمة؛ فالغبار الذي كان في العنوان موضوعًا للتربص يصبح في الخاتمة مكانًا للإبحار.

وهذا التحول بالغ الدلالة:

في البداية:

الغبار شيء يُنتظر.

وفي النهاية:

الغبار عالمٌ يُبحر فيه.

أي أن الغبار لم يعد حدثًا عابرًا، بل أصبح فضاءً وجوديًا. وهنا يتكامل النصيص مع الخاتمة، فالكلب الذي يتربص بالغبار في البداية يجد الإنسان نفسه في النهاية يبحر في الغبار.

ثانيًا: الظاهراتية والذات التي فقدت العالم

تقوم التجربة الظاهراتية في النص على أن العالم لا يُعطى للذات بنحو مباشر ومستقر إنما يظهر لها بوصفه عالمًا مضطربًا ومهددًا بالانطفاء.

فالقصيدة تبدأ من الاختفاء:

(يَتَوَارَى خَلْفَ جُدْرَانِ الحُرُوفِ السَّمِيكَةِ…)

والاختفاء هنا ليس وصفًا خارجيًا، بل هو طريقة ظهور العالم.

ثم تأتي سلسلة الأفعال:

تتوارى ـ انطفأت ـ تهاوت ـ نتبع ـ ميتة ـ متوقفًا ـ أراقب ـ مرتعبًا.

وهي أفعال تكشف انتقال التجربة من الإدراك إلى القلق.

العالم لا يُرى بوصفه مكانًا للطمأنينة، بل بوصفه عالمًا تتساقط علاماته.

فالمنارات، التي يفترض أن تمنح الاتجاه، تنطفئ.

والفنارات، التي يفترض أن تحذر السفن وتهديها، تتهدم.

والنجمة التي يتبعها المسافرون ميتة.

إنها إذن ظاهراتية العالم المنطفئ.

ثالثًا: من المكان إلى الفضاء الوجودي

من أهم ما يلفت في النص أن الأماكن لا تحتفظ بوظيفتها الواقعية.

فـ(الصراط) ليس مجرد طريق؛إنما يتحول إلى اختبار وجودي.

و(الوادي) ليس مكانًا طبيعيًا وإنما يصبح صورةً للرعب:

«أَنْظُرُ إِلَى أَسْفَلِ الوَادِي السَّحِيقِ، وَزَفِيرِهِ الَّذِي يَفُورُ مِنَ الغَيْظِ»

إن الذات لا ترى الوادي فحسب بل تمنحه زفيرًا وغضبًا.

وهنا يحدث ما يمكن تسميته ظاهراتيًا تشيؤ الشعور في العالم؛ فالخوف الداخلي لا يبقى في النفس انما يُسقط على المكان، فيصبح الوادي غاضبًا، ويتنفس، ويزفر. المكان إذن ليس خلفيةً للأحداث بل امتداد للوعي.

رابعًا: الصراط ومفارقة العبور

تقول الذات:

«كُنْتُ مُتَوَقِّفًا عَلَى حَافَّةِ الصِّرَاطِ»

إن كلمة (حافة) شديدة الأهمية؛ لأن الذات ليست في الطريق تمامًا، وليست خارجه تمامًا.

إنها في حالة تعليق وجودي.

وهذا التعليق يتجسد في الفعل (متوقفًا).

لكن اللافت أن الذات تراقب الآخرين:

(أُرَاقِبُ بِدَهْشَةٍ كَيْفَ يَمُرُّ عَلَيْهِ المَجَانِينُ بِثِقَةٍ.)

هنا يظهر التقابل:

أنا: التردد والخوف.

المجانين: الثقة والعبور.

لكن المفارقة أن الثقة التي تبدو في البداية علامة على الجنون ستتحول لاحقًا إلى وسيلة للنجاة أو للاستمرار.

فالذات تقول:

(لِأَجْرِيَ أَخِيرًا بِرَشَاقَةِ المَجَانِينِ وَخِفَّتِهِمْ…!)

إنها اللحظة المفصلية في النص.

لقد انتقلت الذات من:

مراقبة المجانين

إلى:

تقليد المجانين

ومن ثم إلى:

الاندماج في حركتهم.

وهذه النقلة تكشف تحولًا في بنية الوعي نفسه.

الجنون بوصفه معرفة بديلة:

لا يقدم النص الجنون باعتباره مجرد فقدان للعقل، بل يمنحه قدرةً على العبور.

فالمجانين يعبرون الصراط «بثقة»، بينما الذات العاقلة تقف على الحافة مرتعبة.

وهنا تنقلب العلاقة التقليدية بين العقل والجنون.

العقل:

تردد ـ مراقبة ـ خوف ـ حساب.

الجنون:

ثقة ـ رشاقة ـ خفة ـ عبور.

وبذلك يصبح الجنون في النص أشبه بـ معرفة جسدية بالعالم لا يمتلكها العقل المتردد.

إن الذات لا تتغلب على خوفها عبر التفكير، وإنما عبر الحركة:

وضعت قدمي → أجري → أخف. وهذه الأفعال الجسدية مهمة جدًا في القراءة الظاهراتية، لأن الجسد هنا ليس أداةً تنفذ قرار العقل، بل يصبح وسيلة الوعي إلى العالم.

الجسد بين الخوف والحركة:

تبدأ التجربة بحضور الجسد:

(وَضَعْتُ قَدَمِي اليُمْنَى مُرْتَعِبًا)

إنها قدم واحدة فقط.

وهذا التفصيل الجسدي يجعل الخوف محسوسًا.

فالذات لا تقول: «كنت خائفًا» وحسب وإنما تجعل الخوف يظهر في طريقة وضع القدم.

ثم يحدث التحول:

(لِأَجْرِيَ أَخِيرًا بِرَشَاقَةِ المَجَانِينِ وَخِفَّتِهِمْ)

من:

قدم مرتعبة

إلى:

جسد راكض خفيف.

وهذا أحد المحاور العميقة في النص: تحول الجسد من عائق أمام العبور إلى وسيلة للعبور.

الزمن بوصفه قوةً للتآكل:

ينتقل النص بعد ذلك إلى شخصية العجوز:

(يَقِفُ دُونَمَا حَرَاكٍ ذَلِكَ العَجُوزُ، يُقَلِّبُ الأَيَّامَ، وَالمَسَاءَاتِ الَّتِي تَنْطَفِئُ، لِيَزْدَادَ انْحِنَاءً.)

هنا يصبح الزمن مرئيًا في الجسد.

العجوز لا (يعيش) الأيام فقط، وإنما يقلبها.

لكن هذا التقليب لا يؤدي إلى اكتساب خبرة أو خلاص بل إلى:

(لِيَزْدَادَ انْحِنَاءً.)

وهكذا يتحول الزمن من حركة إلى قوة تقويض.

الأيام تنطفئ، والمساءات تنطفئ، والجسد ينحني.

والانطفاء هنا ليس فعلًا بصريًا فقط إنما هو صورة للزمن حين يتحول إلى استنزاف للوجود.

ثامنًا: المفارقة الكبرى: الجسد الطري الذي يتخشب

يقول النص:

(ذَاتَ مَسَاءٍ، تَخَشَّبَ جَسَدُهُ الطَّرِيُّ)

هذه من أكثر صور النص كثافة.

فـ(الطري) يدل على الليونة والحياة، بينما (تخشب) يدل على الجمود والموت.

إن الجمع بينهما يصنع مفارقة وجودية:

الحياة ← الموت

الليونة ← الجمود

الحركة ← السكون

لكن المفارقة لا تتوقف هنا.

فبعد أن يتخشب الجسد، يتحول إلى:

(زَوْرَقًا صَغِيرًا)

وهذا التحول يفتح النص على دلالة أخرى.

الجسد الذي فقد قدرته على الحركة يتحول إلى وسيلة للإبحار.

وهنا يستعيد النص فكرة الحركة ولكن بصورة مختلفة.

الزورق والغبار: قلب الاستعارة: الوجودية

الزورق عادةً يحتاج إلى ماء.

لكن هذا الزورق يبحر:

(فِي شَوَاطِئَ مِنَ الغُبَارِ.)

وهذه الصورة تكسر المنطق الواقعي لتؤسس منطقًا شعريًا جديدًا.

البحر أصبح غبارًا.

والزورق أصبح جسدًا.

والساحل أصبح غبارًا.

إن العالم لم يعد عالمًا ماديًا يمكن الوثوق به؛ لقد أصبح عالمًا استعاريًا يتشكل وفق قوانين الوعي والذاكرة والموت.

من هنا يمكن قراءة الخاتمة بوصفها انتقالًا من العبور على الصراط إلى الإبحار في الغبار.

في البداية:

الذات تحاول عبور فضاء الخطر.

وفي النهاية:

الإنسان نفسه يصبح جزءًا من فضاء التلاشي.

وهذه نهاية لا تقدم خلاصًا تقليديًا، وإنما تقدم استمرارًا في المجهول.

بنية الضوء والانطفاء:

يشتغل النص على شبكة سيميائية واضحة من مفردات الضوء:

المصابيح ـ الفنارات ـ النجمة ـ الندى ـ المساءات التي تنطفئ.

لكن هذه المفردات لا تُستعمل لإنتاج النور بقدر ما تُستعمل لإنتاج غيابه.

فالمصابيح:

(انطفأت)

والفنارات:

(تهاوت)

والنجمة:

(ميتة)

والمساءات:

(تنطفئ)

إذن نحن أمام عالم تُنتج دلالته من خلال الضوء المفقود.

وهذا يجعل (النجمة الميتة) مركزًا دلاليًا مهمًا؛ فالذات ما زالت تتبع الضوء لكنها لا تعرف أن مصدره ميت.

وهنا تظهر مأساة الوعي:

أن يستمر الإنسان في اتباع علامة فقدت قدرتها على الدلالة.

(راية يكحلها الندى) وإمكان الخلاص:

في مقابل شبكة الانطفاء تظهر صورة:

(رَايَةٍ يَكْحَلُهَا النَّدَى.)

وهي صورة شديدة الرهافة.

فالراية عادةً علامة على الانتماء أو الوصول أو الانتصار، بينما الندى علامة على الرقة والحياة.

لكن هذه الراية لا تُرى مباشرة إنما تُستعاد بواسطة الأمل الشعري:

«عَسَى أَنْ تُرْشِدَنَا…»

وكلمة (عسى)  أساسية؛ لأنها تكشف أن الخلاص ليس يقينًا، وإنما احتمال.

وهكذا يضع النص مقابل (النجمة الميتة) صورة (الراية التي يكحلها الندى).

الأولى:

هداية زائفة أو منطفئة.

والثانية:

إمكان شعري للخلاص.

وبينهما تتحرك الذات.

من (نحن) إلى (أنا) ثم العودة إلى الآخر

يبدأ النص بصيغة الجمع:

(تَقُودُنَا)

(مُسَافِرُونَ)

(نَتَّبِعُ)

ثم ينتقل إلى صيغة المفرد:

(كُنْتُ مُتَوَقِّفًا)

(وَضَعْتُ قَدَمِي)

(وَأَنَا أَنْظُرُ)

وهذا الانتقال ليس اعتباطيًا.

فالذات تبدأ بوصفها جزءًا من جماعة تائهة ثم تنفصل عن الجماعة لكي تواجه الخطر وحدها.

لكنها لا تجد خلاصها الفردي إلا من بواسطة الآخرين:

(المجانين)

فتعود إلى الآخر لكي تتعلم منه كيفية العبور.

وهكذا تتأسس بنية جدلية:

نحن → أنا → الآخر → أنا المتحولة.

اللغة بوصفها جدارًا ومأوى:

تبدأ القصيدة بـ:

(جُدْرَانِ الحُرُوفِ السَّمِيكَةِ)

وهذه الصورة تستحق وقفة خاصة لأن الحروف عادةً وسيلة للانفتاح والتواصل لكنها هنا تتحول إلى جدران.

أي أن اللغة التي يُفترض أن تكشف العالم قد تصبح حجابًا عنه.

من هنا يمكن إعادة قراءة الكلب:

الكلب مختبئ خلف اللغة، لكنه يتربص بالغبار.

وهذا يجعل الكتابة نفسها جزءًا من الأزمة الوجودية التي يطرحها النص.

فاللغة لا تقدم الحقيقة بصورة مباشرة، وإنما تكشفها بواسطة ما تخفيه.

البنية العميقة للنص:

يمكن اختزال الحركة الدلالية للقصيدة في سلسلة من التحولات:

اختفاء → تيه → خوف → مراقبة → عبور → شيخوخة → انطفاء → تصلب → تحوّل → إبحار.

لكن هذه الحركة ليست تقدمًا خطيًا نحو الخلاص.

بل هي حركة دائرية تقريبًا:

البحث عن الطريق → فقدان العلامات → عبور الخطر → الوصول إلى الغبار.

وبذلك لا تنتهي الرحلة بالوصول إلى اليابسة بل بالإبحار في الغبار.

وهنا تعود القصيدة إلى نصيصها.

فالكلب في البداية يتربص بالغبار، والإنسان في النهاية يبحر في الغبار.

وهذا التوازي يمنح النص بنيةً دائرية محكمة.

خاتمة

تكشف القراءة الظاهراتية والسيميائية لقصيدة (كلبٌ يتربص بالغبار) أن النص لا يقوم على سرد رحلة خارجية بقدر ما يصوغ رحلةً داخلية في وعي ذاتٍ تواجه عالمًا فقد علامات الهداية واليقين.

فالطريق ليس طريقًا فحسب، والصراط ليس مجرد ممر، والوادي ليس منخفضًا جغرافيًا، والنجمة ليست جرمًا سماويًا، والعجوز ليس شخصيةً منفصلة عن الزمن؛ إذ تتحول هذه العناصر جميعًا إلى ظواهر يتشكل من خلالها الوجود في وعي الذات.

أما سيميائيًا، فإن النصيص يختزن جوهر التجربة: (كلب) يمثل الترقب والحراسة والغريزة والوعي المتحفز، و(يتربص) يحيل إلى انتظار شيء مجهول، بينما يمثل (الغبار) الأثر والتلاشي وما تبقى بعد انهيار الأشياء. وبواسطة هذا التركيب يتأسس عالم النص على مفارقة جوهرية: انتظار ما لم يعد موجودًا إلا بوصفه أثرًا.

وتزداد هذه المفارقة عمقًا حين يتحول الغبار في الخاتمة من موضوع للتربص إلى فضاء للإبحار. وهنا تبلغ القصيدة ذروة دلالتها: فالإنسان الذي كان يبحث عن طريق للخلاص لا يصل إلى أرض ثابتة، بل يتحول هو نفسه إلى زورق صغير يشق (شواطئ من الغبار).

ولعل قوة النص تكمن تحديدًا في أنه لا يمنح المتلقي خلاصًا جاهزًا، فالذات لا تستعيد المنارات ولا تعيد النجمة إلى الحياة ولا توقف انحناء العجوز. إنها تتعلم فقط أن تعبر، وأن تجري (برشاقة المجانين)، ثم تواصل الإبحار في عالم لم يعد فيه الماء ماءً، ولا الطريق طريقًا، ولا الضوء ضوءًا.

وهكذا تصبح القصيدة في جوهرها نصًا عن الوجود حين يفقد يقينه، وعن الإنسان حين يضطر إلى ابتكار طريقة جديدة للعبور داخل عالم تتساقط علاماته.

أما الكلب الذي يتربص بالغبار فإنه لا يعود في النهاية مجرد صورة غريبة أو مفارقة شعرية بل يمكن أن يُقرأ بوصفه حارسًا رمزيًا لحدود الوجود والعدم، يقف خلف جدران اللغة، ويراقب ما يتبقى من العالم بعد أن يتحول إلى غبار. وبذلك ينجح عادل قاسم في بناء قصيدة تتأسس على جدلية دقيقة بين الحركة والسكون، الضوء والانطفاء، العقل والجنون، الجسد والزمن، الطريق والغبار، الانتظار والتحول؛ وهي جدليات تجعل النص مفتوحًا على أكثر من أفق تأويلي، وتمنح نصيصه طاقةً دلالية تتجاوز حدود التسمية إلى أن يصبح مفتاحًا لقراءة القصيدة بأكملها.

 

……………………………..

كَلْبٌ يَتَرَبَّصُ بِالغُبَارِ

 

يَتَوَارَى خَلْفَ جُدْرَانِ الحُرُوفِ السَّمِيكَةِ كَلْبٌ يَتَرَبَّصُ بِالغُبَارِ.

مَا عَادَتِ الأَشْرِعَةُ، وَلَا مَرَاكِبُ الرَّغْبَةِ، تَقُودُنَا إِلَى مَنَارَاتِ الخَلَاصِ؛

اِنْطَفَأَتِ المَصَابِيحُ، وَتَهَاوَتِ الفَنَارَاتُ تَحْتَ بَسَاطِيلِ القَرَاصِنَةِ.

مُسَافِرُونَ عَلَى غَيْرِ هُدًى، نَتَّبِعُ ضِيَاءَ نَجْمَةٍ مَيِّتَةٍ، عَسَى أَنْ تُرْشِدَنَا إِلَى رَايَةٍ يَكْحَلُهَا النَّدَى.

كُنْتُ مُتَوَقِّفًا عَلَى حَافَّةِ الصِّرَاطِ، أُرَاقِبُ بِدَهْشَةٍ كَيْفَ يَمُرُّ عَلَيْهِ المَجَانِينُ بِثِقَةٍ.

وَضَعْتُ قَدَمِي اليُمْنَى مُرْتَعِبًا، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى أَسْفَلِ الوَادِي السَّحِيقِ، وَزَفِيرِهِ الَّذِي يَفُورُ مِنَ الغَيْظِ؛

لِأَجْرِيَ أَخِيرًا بِرَشَاقَةِ المَجَانِينِ وَخِفَّتِهِمْ…!

يَقِفُ دُونَمَا حَرَاكٍ ذَلِكَ العَجُوزُ، يُقَلِّبُ الأَيَّامَ، وَالمَسَاءَاتِ الَّتِي تَنْطَفِئُ، لِيَزْدَادَ انْحِنَاءً.

ذَاتَ مَسَاءٍ، تَخَشَّبَ جَسَدُهُ الطَّرِيُّ، فَأَصْبَحَ زَوْرَقًا صَغِيرًا، يُبْحِرُ فِي شَوَاطِئَ مِنَ الغُبَارِ.

عن الکاتب / الکاتبة

ریاض عبدالواحد
ریاض عبدالواحد
کاتب . ناقد . شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

قراءة وتأويل لاحدى لوحات التشكيلية لدكتورة (عايدة الربيعي)

قراءة وتأويل لاحدى لوحات التشكيلية لدكتورة (عايدة الربيعي)

قراءة وتأويل لاحدى لوحات التشكيلية لدكتورة (عايدة الربيعي) أنثى التكوين: جدلية الجسد والفراغ في خطاب…

صورة الكاتب ریاض عبدالواحد
10 يونيو 2026
اقرأ المزيد
قراءة وتأويل لقصيدة (تَرتيلُة يقين)  للشاعر يحيى السماوي

قراءة وتأويل لقصيدة (تَرتيلُة يقين) للشاعر يحيى السماوي

قراءة وتأويل لقصيدة (تَرتيلُة يقين) للشاعر يحيى السماوي بينَ مِحرابِ الغُربة ومَجازاتِ التحوُّل رياض عبدالواحد…

صورة الكاتب ریاض عبدالواحد
7 أبريل 2026
اقرأ المزيد
قراءة وتأويل لاحدى رباعيات الشاعر يحيى السماوي

قراءة وتأويل لاحدى رباعيات الشاعر يحيى السماوي

  قراءة وتأويل لاحدى رباعيات الشاعر يحيى السماوي جدلية الألم والصبر وتشكّل الدلالة المقدمة: تندرج…

صورة الكاتب ریاض عبدالواحد
13 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قراءة وتأويل لقصيدة ( كلب يتربص بالغبار ) للشاعر عادل قاسم

بقلم: ریاض عبدالواحد | التاريخ: 10 سبتمبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

حين يصبح الغبار أفقا للوجود

المقدمة:

لا تنفتح قصيدة (كلبٌ يتربّص بالغبار) على عالمٍ مستقرّ تتوزع فيه الأشياء وفق علاقات مألوفة بين الإنسان والطريق والغاية، بل تبدأ من لحظة اختلال عميق أصاب علاقة الذات بالعالم؛ فالمسافرون لم يعودوا يمتلكون جهة واضحة، والمنارات انطفأت، والفنارات تهاوت، والنجمة التي يُفترض أن تهديهم ليست سوى (نجمة ميتة). ومن ثمّ فإن النص لا يروي رحلةً في مكان خارجي بقدر ما يستحضر تجربة وجودية تتشكل داخل الوعي، إذ يصبح العالم نفسه موضع شك، ويغدو الوصول إلى الخلاص احتمالًا مؤجلًا بل ربما مستحيلًا. من هذا المنظور، تبدو القصيدة قابلة للقراءة الظاهراتيًة لأن الظاهراتية لا تسأل عن الأشياء بوصفها موجوداتٍ مكتملة خارج الذات فحسب، وإنما تنظر في كيفية ظهور العالم للوعي، وكيف تُدرك الذات الأشياء، وكيف يتشكل المعنى بواسطة التجربة المعاشة. والطريق في النص ليس مجرد طريق، والوادي ليس مجرد منخفض جغرافي، والنجمة ليست جرمًا سماويًا، والغبار ليس مادةً عابرة إنما تتحول جميعها إلى حالاتٍ شعورية ووجودية تنكشف من خلالها أزمة الذات. وفي الوقت نفسه، فإن نصيص القصيدة «كلبٌ يتربّص بالغبار» يضع المتلقي منذ البداية أمام تركيب سيميائي شديد الكثافة، إذ يجمع بين كائن حسيّ مألوف هو (الكلب)، وفعل (التربص) المشحون بالانتظار والمراقبة والعدوان الكامن، وبين (الغبار) الذي يمثل حالةً من التلاشي والعماء وعدم الثبات. ومن هنا لا يعود النصيص تسميةً للنص بل يصبح شفرةً أولى لقراءة عالمه.

ويمكن القول إن القصيدة تتحرك بين قطبين متناقضين: الرغبة في العثور على جهة، واستحالة الاطمئنان إلى الجهة؛ وبينهما تتشكل ذاتٌ خائفة، مترددة لكنها في لحظة ما تنخرط في الجنون الذي كانت تراقبه من الخارج. وهنا تحديدًا تكمن إحدى أكثر مفارقات النص أهمية: إن الذات لا تظل مراقبًا للجنون بل تتحول في النهاية إلى جزء من حركته.

النصيص بوصفه بنية سيميائية:

«كلبٌ يتربّص بالغبار»

يؤسس النصيص منذ اللحظة الأولى لعلاقة غير مألوفة بين ثلاثة عناصر:

كلب ← يتربص ← الغبار

وهذه العلاقة هي التي تمنح العنوان قوته الدلالية. فالكلب كائن يرتبط، في الذاكرة الثقافية، بالحراسة والحاسة والشم والوفاء، لكنه قد يرتبط أيضًا بالخطر والنباح والمطاردة والافتراس. غير أن النص لا يقول إن الكلب يتربص بإنسان أو بفريسة، بل يجعله يتربص بـ الغبار. وهنا تحدث المفارقة السيميائية. فالكلب ينتظر شيئًا، لكن الشيء الذي ينتظره ليس ثابتًا. والغبار بطبيعته لا يمتلك استقرارًا؛ إنه بقايا الأشياء بعد تفككها، وأثر الحركة بعد زوال المتحرك، وعلامة على ما كان موجودًا ثم انمحى.

لذلك يمكن قراءة «الغبار» بوصفه علامةً على الغياب. أما (التربص) فيحيل إلى انتظار شيء قادم، بينما الغبار يحيل إلى شيء مضى أو يتلاشى. وبذلك ينشأ في النصيص توتر بين:

انتظار المستقبل ← الغبار بوصفه أثرًا للماضي.

وهذه المفارقة ستتكرر داخل النص كله.

فالذات تنتظر الخلاص، لكن المنارات انطفأت.

وتبحث عن الهداية، لكنها تتبع نجمةً ميتة.

وتسلك الصراط، لكنها تنظر إلى الوادي السحيق.

والعجوز يقلب الأيام والمساءات لكنها لا تعيده إلى الشباب، بل تزيده انحناءً.

إذن النصيص يختصر البنية العميقة للقصيدة: انتظار شيء لم يعد موجودًا إلا في أثره.

الكلب: حارس العدم

يمكن أن يكون (الكلب) في القراءة السيميائية تمثيلًا للوعي الذي لا يستطيع مغادرة حالة الترقب. إنه كائن يقف خلف (جدران الحروف السميكة)، أي أنه موجود في منطقة تقع بين اللغة والصمت، بين الظهور والاختفاء. وليس من المصادفة أن يرد في مطلع النص:

(يَتَوَارَى خَلْفَ جُدْرَانِ الحُرُوفِ السَّمِيكَةِ كَلْبٌ…)

فالكلب هنا ليس في فضاء طبيعي وإنما خلف الحروف. وهذا يحوّل النصيص إلى جزء من فعل الكتابة نفسه.

كأن النص يقول إن ثمة كائنًا مختبئًا داخل اللغة، يراقب ما يتساقط منها، ويتربص بما يبقى بعد احتراق المعنى.

ومن ثم يمكن النظر إلى الكلب بوصفه وعيًا حارسًا للخراب.

الغبار: العلامة الأكثر كثافة

يتكرر الغبار في نهاية النص:

(يُبْحِرُ فِي شَوَاطِئَ مِنَ الغُبَارِ.)

وهنا تحدث نقلة سيميائية مهمة؛ فالغبار الذي كان في العنوان موضوعًا للتربص يصبح في الخاتمة مكانًا للإبحار.

وهذا التحول بالغ الدلالة:

في البداية:

الغبار شيء يُنتظر.

وفي النهاية:

الغبار عالمٌ يُبحر فيه.

أي أن الغبار لم يعد حدثًا عابرًا، بل أصبح فضاءً وجوديًا. وهنا يتكامل النصيص مع الخاتمة، فالكلب الذي يتربص بالغبار في البداية يجد الإنسان نفسه في النهاية يبحر في الغبار.

ثانيًا: الظاهراتية والذات التي فقدت العالم

تقوم التجربة الظاهراتية في النص على أن العالم لا يُعطى للذات بنحو مباشر ومستقر إنما يظهر لها بوصفه عالمًا مضطربًا ومهددًا بالانطفاء.

فالقصيدة تبدأ من الاختفاء:

(يَتَوَارَى خَلْفَ جُدْرَانِ الحُرُوفِ السَّمِيكَةِ…)

والاختفاء هنا ليس وصفًا خارجيًا، بل هو طريقة ظهور العالم.

ثم تأتي سلسلة الأفعال:

تتوارى ـ انطفأت ـ تهاوت ـ نتبع ـ ميتة ـ متوقفًا ـ أراقب ـ مرتعبًا.

وهي أفعال تكشف انتقال التجربة من الإدراك إلى القلق.

العالم لا يُرى بوصفه مكانًا للطمأنينة، بل بوصفه عالمًا تتساقط علاماته.

فالمنارات، التي يفترض أن تمنح الاتجاه، تنطفئ.

والفنارات، التي يفترض أن تحذر السفن وتهديها، تتهدم.

والنجمة التي يتبعها المسافرون ميتة.

إنها إذن ظاهراتية العالم المنطفئ.

ثالثًا: من المكان إلى الفضاء الوجودي

من أهم ما يلفت في النص أن الأماكن لا تحتفظ بوظيفتها الواقعية.

فـ(الصراط) ليس مجرد طريق؛إنما يتحول إلى اختبار وجودي.

و(الوادي) ليس مكانًا طبيعيًا وإنما يصبح صورةً للرعب:

«أَنْظُرُ إِلَى أَسْفَلِ الوَادِي السَّحِيقِ، وَزَفِيرِهِ الَّذِي يَفُورُ مِنَ الغَيْظِ»

إن الذات لا ترى الوادي فحسب بل تمنحه زفيرًا وغضبًا.

وهنا يحدث ما يمكن تسميته ظاهراتيًا تشيؤ الشعور في العالم؛ فالخوف الداخلي لا يبقى في النفس انما يُسقط على المكان، فيصبح الوادي غاضبًا، ويتنفس، ويزفر. المكان إذن ليس خلفيةً للأحداث بل امتداد للوعي.

رابعًا: الصراط ومفارقة العبور

تقول الذات:

«كُنْتُ مُتَوَقِّفًا عَلَى حَافَّةِ الصِّرَاطِ»

إن كلمة (حافة) شديدة الأهمية؛ لأن الذات ليست في الطريق تمامًا، وليست خارجه تمامًا.

إنها في حالة تعليق وجودي.

وهذا التعليق يتجسد في الفعل (متوقفًا).

لكن اللافت أن الذات تراقب الآخرين:

(أُرَاقِبُ بِدَهْشَةٍ كَيْفَ يَمُرُّ عَلَيْهِ المَجَانِينُ بِثِقَةٍ.)

هنا يظهر التقابل:

أنا: التردد والخوف.

المجانين: الثقة والعبور.

لكن المفارقة أن الثقة التي تبدو في البداية علامة على الجنون ستتحول لاحقًا إلى وسيلة للنجاة أو للاستمرار.

فالذات تقول:

(لِأَجْرِيَ أَخِيرًا بِرَشَاقَةِ المَجَانِينِ وَخِفَّتِهِمْ…!)

إنها اللحظة المفصلية في النص.

لقد انتقلت الذات من:

مراقبة المجانين

إلى:

تقليد المجانين

ومن ثم إلى:

الاندماج في حركتهم.

وهذه النقلة تكشف تحولًا في بنية الوعي نفسه.

الجنون بوصفه معرفة بديلة:

لا يقدم النص الجنون باعتباره مجرد فقدان للعقل، بل يمنحه قدرةً على العبور.

فالمجانين يعبرون الصراط «بثقة»، بينما الذات العاقلة تقف على الحافة مرتعبة.

وهنا تنقلب العلاقة التقليدية بين العقل والجنون.

العقل:

تردد ـ مراقبة ـ خوف ـ حساب.

الجنون:

ثقة ـ رشاقة ـ خفة ـ عبور.

وبذلك يصبح الجنون في النص أشبه بـ معرفة جسدية بالعالم لا يمتلكها العقل المتردد.

إن الذات لا تتغلب على خوفها عبر التفكير، وإنما عبر الحركة:

وضعت قدمي → أجري → أخف. وهذه الأفعال الجسدية مهمة جدًا في القراءة الظاهراتية، لأن الجسد هنا ليس أداةً تنفذ قرار العقل، بل يصبح وسيلة الوعي إلى العالم.

الجسد بين الخوف والحركة:

تبدأ التجربة بحضور الجسد:

(وَضَعْتُ قَدَمِي اليُمْنَى مُرْتَعِبًا)

إنها قدم واحدة فقط.

وهذا التفصيل الجسدي يجعل الخوف محسوسًا.

فالذات لا تقول: «كنت خائفًا» وحسب وإنما تجعل الخوف يظهر في طريقة وضع القدم.

ثم يحدث التحول:

(لِأَجْرِيَ أَخِيرًا بِرَشَاقَةِ المَجَانِينِ وَخِفَّتِهِمْ)

من:

قدم مرتعبة

إلى:

جسد راكض خفيف.

وهذا أحد المحاور العميقة في النص: تحول الجسد من عائق أمام العبور إلى وسيلة للعبور.

الزمن بوصفه قوةً للتآكل:

ينتقل النص بعد ذلك إلى شخصية العجوز:

(يَقِفُ دُونَمَا حَرَاكٍ ذَلِكَ العَجُوزُ، يُقَلِّبُ الأَيَّامَ، وَالمَسَاءَاتِ الَّتِي تَنْطَفِئُ، لِيَزْدَادَ انْحِنَاءً.)

هنا يصبح الزمن مرئيًا في الجسد.

العجوز لا (يعيش) الأيام فقط، وإنما يقلبها.

لكن هذا التقليب لا يؤدي إلى اكتساب خبرة أو خلاص بل إلى:

(لِيَزْدَادَ انْحِنَاءً.)

وهكذا يتحول الزمن من حركة إلى قوة تقويض.

الأيام تنطفئ، والمساءات تنطفئ، والجسد ينحني.

والانطفاء هنا ليس فعلًا بصريًا فقط إنما هو صورة للزمن حين يتحول إلى استنزاف للوجود.

ثامنًا: المفارقة الكبرى: الجسد الطري الذي يتخشب

يقول النص:

(ذَاتَ مَسَاءٍ، تَخَشَّبَ جَسَدُهُ الطَّرِيُّ)

هذه من أكثر صور النص كثافة.

فـ(الطري) يدل على الليونة والحياة، بينما (تخشب) يدل على الجمود والموت.

إن الجمع بينهما يصنع مفارقة وجودية:

الحياة ← الموت

الليونة ← الجمود

الحركة ← السكون

لكن المفارقة لا تتوقف هنا.

فبعد أن يتخشب الجسد، يتحول إلى:

(زَوْرَقًا صَغِيرًا)

وهذا التحول يفتح النص على دلالة أخرى.

الجسد الذي فقد قدرته على الحركة يتحول إلى وسيلة للإبحار.

وهنا يستعيد النص فكرة الحركة ولكن بصورة مختلفة.

الزورق والغبار: قلب الاستعارة: الوجودية

الزورق عادةً يحتاج إلى ماء.

لكن هذا الزورق يبحر:

(فِي شَوَاطِئَ مِنَ الغُبَارِ.)

وهذه الصورة تكسر المنطق الواقعي لتؤسس منطقًا شعريًا جديدًا.

البحر أصبح غبارًا.

والزورق أصبح جسدًا.

والساحل أصبح غبارًا.

إن العالم لم يعد عالمًا ماديًا يمكن الوثوق به؛ لقد أصبح عالمًا استعاريًا يتشكل وفق قوانين الوعي والذاكرة والموت.

من هنا يمكن قراءة الخاتمة بوصفها انتقالًا من العبور على الصراط إلى الإبحار في الغبار.

في البداية:

الذات تحاول عبور فضاء الخطر.

وفي النهاية:

الإنسان نفسه يصبح جزءًا من فضاء التلاشي.

وهذه نهاية لا تقدم خلاصًا تقليديًا، وإنما تقدم استمرارًا في المجهول.

بنية الضوء والانطفاء:

يشتغل النص على شبكة سيميائية واضحة من مفردات الضوء:

المصابيح ـ الفنارات ـ النجمة ـ الندى ـ المساءات التي تنطفئ.

لكن هذه المفردات لا تُستعمل لإنتاج النور بقدر ما تُستعمل لإنتاج غيابه.

فالمصابيح:

(انطفأت)

والفنارات:

(تهاوت)

والنجمة:

(ميتة)

والمساءات:

(تنطفئ)

إذن نحن أمام عالم تُنتج دلالته من خلال الضوء المفقود.

وهذا يجعل (النجمة الميتة) مركزًا دلاليًا مهمًا؛ فالذات ما زالت تتبع الضوء لكنها لا تعرف أن مصدره ميت.

وهنا تظهر مأساة الوعي:

أن يستمر الإنسان في اتباع علامة فقدت قدرتها على الدلالة.

(راية يكحلها الندى) وإمكان الخلاص:

في مقابل شبكة الانطفاء تظهر صورة:

(رَايَةٍ يَكْحَلُهَا النَّدَى.)

وهي صورة شديدة الرهافة.

فالراية عادةً علامة على الانتماء أو الوصول أو الانتصار، بينما الندى علامة على الرقة والحياة.

لكن هذه الراية لا تُرى مباشرة إنما تُستعاد بواسطة الأمل الشعري:

«عَسَى أَنْ تُرْشِدَنَا…»

وكلمة (عسى)  أساسية؛ لأنها تكشف أن الخلاص ليس يقينًا، وإنما احتمال.

وهكذا يضع النص مقابل (النجمة الميتة) صورة (الراية التي يكحلها الندى).

الأولى:

هداية زائفة أو منطفئة.

والثانية:

إمكان شعري للخلاص.

وبينهما تتحرك الذات.

من (نحن) إلى (أنا) ثم العودة إلى الآخر

يبدأ النص بصيغة الجمع:

(تَقُودُنَا)

(مُسَافِرُونَ)

(نَتَّبِعُ)

ثم ينتقل إلى صيغة المفرد:

(كُنْتُ مُتَوَقِّفًا)

(وَضَعْتُ قَدَمِي)

(وَأَنَا أَنْظُرُ)

وهذا الانتقال ليس اعتباطيًا.

فالذات تبدأ بوصفها جزءًا من جماعة تائهة ثم تنفصل عن الجماعة لكي تواجه الخطر وحدها.

لكنها لا تجد خلاصها الفردي إلا من بواسطة الآخرين:

(المجانين)

فتعود إلى الآخر لكي تتعلم منه كيفية العبور.

وهكذا تتأسس بنية جدلية:

نحن → أنا → الآخر → أنا المتحولة.

اللغة بوصفها جدارًا ومأوى:

تبدأ القصيدة بـ:

(جُدْرَانِ الحُرُوفِ السَّمِيكَةِ)

وهذه الصورة تستحق وقفة خاصة لأن الحروف عادةً وسيلة للانفتاح والتواصل لكنها هنا تتحول إلى جدران.

أي أن اللغة التي يُفترض أن تكشف العالم قد تصبح حجابًا عنه.

من هنا يمكن إعادة قراءة الكلب:

الكلب مختبئ خلف اللغة، لكنه يتربص بالغبار.

وهذا يجعل الكتابة نفسها جزءًا من الأزمة الوجودية التي يطرحها النص.

فاللغة لا تقدم الحقيقة بصورة مباشرة، وإنما تكشفها بواسطة ما تخفيه.

البنية العميقة للنص:

يمكن اختزال الحركة الدلالية للقصيدة في سلسلة من التحولات:

اختفاء → تيه → خوف → مراقبة → عبور → شيخوخة → انطفاء → تصلب → تحوّل → إبحار.

لكن هذه الحركة ليست تقدمًا خطيًا نحو الخلاص.

بل هي حركة دائرية تقريبًا:

البحث عن الطريق → فقدان العلامات → عبور الخطر → الوصول إلى الغبار.

وبذلك لا تنتهي الرحلة بالوصول إلى اليابسة بل بالإبحار في الغبار.

وهنا تعود القصيدة إلى نصيصها.

فالكلب في البداية يتربص بالغبار، والإنسان في النهاية يبحر في الغبار.

وهذا التوازي يمنح النص بنيةً دائرية محكمة.

خاتمة

تكشف القراءة الظاهراتية والسيميائية لقصيدة (كلبٌ يتربص بالغبار) أن النص لا يقوم على سرد رحلة خارجية بقدر ما يصوغ رحلةً داخلية في وعي ذاتٍ تواجه عالمًا فقد علامات الهداية واليقين.

فالطريق ليس طريقًا فحسب، والصراط ليس مجرد ممر، والوادي ليس منخفضًا جغرافيًا، والنجمة ليست جرمًا سماويًا، والعجوز ليس شخصيةً منفصلة عن الزمن؛ إذ تتحول هذه العناصر جميعًا إلى ظواهر يتشكل من خلالها الوجود في وعي الذات.

أما سيميائيًا، فإن النصيص يختزن جوهر التجربة: (كلب) يمثل الترقب والحراسة والغريزة والوعي المتحفز، و(يتربص) يحيل إلى انتظار شيء مجهول، بينما يمثل (الغبار) الأثر والتلاشي وما تبقى بعد انهيار الأشياء. وبواسطة هذا التركيب يتأسس عالم النص على مفارقة جوهرية: انتظار ما لم يعد موجودًا إلا بوصفه أثرًا.

وتزداد هذه المفارقة عمقًا حين يتحول الغبار في الخاتمة من موضوع للتربص إلى فضاء للإبحار. وهنا تبلغ القصيدة ذروة دلالتها: فالإنسان الذي كان يبحث عن طريق للخلاص لا يصل إلى أرض ثابتة، بل يتحول هو نفسه إلى زورق صغير يشق (شواطئ من الغبار).

ولعل قوة النص تكمن تحديدًا في أنه لا يمنح المتلقي خلاصًا جاهزًا، فالذات لا تستعيد المنارات ولا تعيد النجمة إلى الحياة ولا توقف انحناء العجوز. إنها تتعلم فقط أن تعبر، وأن تجري (برشاقة المجانين)، ثم تواصل الإبحار في عالم لم يعد فيه الماء ماءً، ولا الطريق طريقًا، ولا الضوء ضوءًا.

وهكذا تصبح القصيدة في جوهرها نصًا عن الوجود حين يفقد يقينه، وعن الإنسان حين يضطر إلى ابتكار طريقة جديدة للعبور داخل عالم تتساقط علاماته.

أما الكلب الذي يتربص بالغبار فإنه لا يعود في النهاية مجرد صورة غريبة أو مفارقة شعرية بل يمكن أن يُقرأ بوصفه حارسًا رمزيًا لحدود الوجود والعدم، يقف خلف جدران اللغة، ويراقب ما يتبقى من العالم بعد أن يتحول إلى غبار. وبذلك ينجح عادل قاسم في بناء قصيدة تتأسس على جدلية دقيقة بين الحركة والسكون، الضوء والانطفاء، العقل والجنون، الجسد والزمن، الطريق والغبار، الانتظار والتحول؛ وهي جدليات تجعل النص مفتوحًا على أكثر من أفق تأويلي، وتمنح نصيصه طاقةً دلالية تتجاوز حدود التسمية إلى أن يصبح مفتاحًا لقراءة القصيدة بأكملها.

 

……………………………..

كَلْبٌ يَتَرَبَّصُ بِالغُبَارِ

 

يَتَوَارَى خَلْفَ جُدْرَانِ الحُرُوفِ السَّمِيكَةِ كَلْبٌ يَتَرَبَّصُ بِالغُبَارِ.

مَا عَادَتِ الأَشْرِعَةُ، وَلَا مَرَاكِبُ الرَّغْبَةِ، تَقُودُنَا إِلَى مَنَارَاتِ الخَلَاصِ؛

اِنْطَفَأَتِ المَصَابِيحُ، وَتَهَاوَتِ الفَنَارَاتُ تَحْتَ بَسَاطِيلِ القَرَاصِنَةِ.

مُسَافِرُونَ عَلَى غَيْرِ هُدًى، نَتَّبِعُ ضِيَاءَ نَجْمَةٍ مَيِّتَةٍ، عَسَى أَنْ تُرْشِدَنَا إِلَى رَايَةٍ يَكْحَلُهَا النَّدَى.

كُنْتُ مُتَوَقِّفًا عَلَى حَافَّةِ الصِّرَاطِ، أُرَاقِبُ بِدَهْشَةٍ كَيْفَ يَمُرُّ عَلَيْهِ المَجَانِينُ بِثِقَةٍ.

وَضَعْتُ قَدَمِي اليُمْنَى مُرْتَعِبًا، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى أَسْفَلِ الوَادِي السَّحِيقِ، وَزَفِيرِهِ الَّذِي يَفُورُ مِنَ الغَيْظِ؛

لِأَجْرِيَ أَخِيرًا بِرَشَاقَةِ المَجَانِينِ وَخِفَّتِهِمْ…!

يَقِفُ دُونَمَا حَرَاكٍ ذَلِكَ العَجُوزُ، يُقَلِّبُ الأَيَّامَ، وَالمَسَاءَاتِ الَّتِي تَنْطَفِئُ، لِيَزْدَادَ انْحِنَاءً.

ذَاتَ مَسَاءٍ، تَخَشَّبَ جَسَدُهُ الطَّرِيُّ، فَأَصْبَحَ زَوْرَقًا صَغِيرًا، يُبْحِرُ فِي شَوَاطِئَ مِنَ الغُبَارِ.