اصبوحة نقدية في المركز الثقافي البغدادي: «أصبح حراً» بين جدل الفن والواقع
في رحاب المركز الثقافي البغدادي بشارع المتنبي، وعلى قاعة الدكتور علي الوردي، احتضنت نخبة من الأدباء والنقاد جلسة ثقافية متميزة، برعاية رابطة بغداد العراق الثقافية، خصصت لتوقيع رواية «أصبح حراً» للروائي علي الجمل.ادار الجلسة باقتدار الروائي علاء الوردي .
شهدت الأصبوحةحضوراً نقدياً لافتاً، حيث قدم الأستاذ سعد السوداني ورقة نقدية رصينة، تناول فيها أبرز مواطن القوة في الرواية، دون أن يغفل الإشارة إلى بعض مكامن الضعف، ضمن قراءة منهجية متوازنة. وفي السياق ذاته، استعرض الدكتور عبد الكريم المصطفاوي قراءته وفق المنهج التفكيكي، مشيداً بعنصر التشويق في النص، وبالنفس السردي الطويل الذي ميز تجربة الكاتب، فضلاً عن وقوفه عند محطات مفصلية تهم المهتمين بفن الرواية.
من جانبه، فتح الناقد حمدي العطار باب النقاش عبر ورقة نقدية معمقة، أثار فيها جملة من الإشكاليات الفنية، مقدماً ملاحظات دقيقة تمثل زاداً معرفياً مهماً لكل من يسعى إلى تطوير أدواته السردية. كما أشار الأديب والمترجم حسين صابر إلى التحولات التي تجلت في الرواية، مستنداً إلى مقاربات نقدية حديثة، ومستحضراً تنوع المدارس والمناهج في قراءة النص الأدبي.
وفي مداخلة مكملة، كشف الروائي رياض داخل، رئيس ملتقى دار السرد للطباعة والنشر، عن بعض التفاصيل التي جرت خلف الكواليس أثناء إعداد الرواية للطباعة، متوقفاً عند عمليات الاختزال والتكثيف التي رافقت النص. بدوره، استعرض الروائي علي الجمل تجربته في كتابة الرواية، متحدثاً عن معاناته مع النص وتفاصيل تشكله، معبراً عن امتنانه للرابطة لدورها في احتضان المبدعين. كما قدم الروائي صادق الجمل مداخلة تناول فيها مفهوم كتابة الرواية، مشيراً إلى انتماء هذا العمل إلى الأدب الواقعي.
اتسمت الأمسية بحيوية الحوار وتعدد وجهات النظر، ما أضفى عليها طابعاً فكرياً وجمالياً، وجعل منها محطة بارزة في المشهد الثقافي البغدادي.
الورقة النقدية :
فن الرواية وشروط نجاحها: «أصبح حراً» أنموذجاً
حمدي العطار
تعد الرواية فناً قادراً على إعادة تشكيل الواقع، لا بوصفه انعكاساً مباشراً، بل باعتباره بناء جمالياً ينتج دلالاته الخاصة. ومن هذا المنطلق، تقارب رواية «أصبح حراً» بوصفها تجربة تسعى إلى تمثيل واقع عراقي معقد، يمتد من تجربة الأسر في الحرب إلى التحولات الاجتماعية والسياسية اللاحقة.
غير أن هذه التجربة، على غناها الموضوعي، تواجه إشكاليات فنية تتعلق باللغة والبناء السردي وتمثيل الواقع.
فعلى مستوى اللغة، تميل الرواية في مواضع عديدة إلى الأسلوب التقريري المباشر، حيث تقترب من السرد الإخباري أكثر من اقترابها من التعبير الفني المشحون بالانفعال والصور الحية. وهو ما يضعف الأثر الجمالي، خاصة في مواقف يفترض أن تكون عالية التوتر الشعوري، كالأسر والحنين.
أما في تمثيل الواقع، فتقع الرواية أحياناً في فخ المباشرة، إذ تقدم بعض المواقف بصيغة خطابية أقرب إلى البيان السياسي، بدلاً من إعادة تشكيلها فنياً عبر التخييل والإيحاء، وهو ما يفقد النص جزءاً من طاقته الإبداعية.
وعلى مستوى الشخصيات، لا تحظى بعض النماذج السردية بالعمق الكافي، إذ تظهر وتختفي دون أن تترك أثراً واضحاً في بنية الحدث، مما يحد من فاعليتها في إنتاج المعنى. كما أن بعض الأفكار تطرح بشكل مباشر، دون أن تمر عبر صراع داخلي أو تطور نفسي يمنحها بعداً إنسانياً مركباً.
ورغم ذلك، لا تخلو الرواية من عناصر إيجابية، أبرزها حضور البعد الأخلاقي، وتمثيلها لواقع اجتماعي واضح، فضلاً عن قدرتها على خلق نوع من الإيهام السردي الذي يشد القارئ ويشعره بصدق التجربة.
إن «أصبح حراً» تمثل محاولة جادة لالتقاط لحظة إنسانية وتاريخية مهمة، لكنها تظل بحاجة إلى تعميق لغتها، وتكثيف رؤيتها، وتطوير أدواتها الفنية، بما يحقق التوازن بين الفكرة والبناء الجمالي، ويمنح النص طاقته الروائية الكاملة.
خاتمة
تؤكد هذه الأصبوحة أن الحراك الثقافي في بغداد ما يزال قادراً على إنتاج فضاءات حوارية غنية، تسهم في تطوير الوعي النقدي، وتفتح آفاقاً جديدة أمام التجارب السردية المعاصرة، في سياق البحث المستمر عن رواية أكثر نضجاً وعمقاً.
اصبوحة نقدية في المركز الثقافي البغدادي: «أصبح حراً» بين جدل الفن والواقع
اصبوحة نقدية في المركز الثقافي البغدادي: «أصبح حراً» بين جدل الفن والواقع
في رحاب المركز الثقافي البغدادي بشارع المتنبي، وعلى قاعة الدكتور علي الوردي، احتضنت نخبة من الأدباء والنقاد جلسة ثقافية متميزة، برعاية رابطة بغداد العراق الثقافية، خصصت لتوقيع رواية «أصبح حراً» للروائي علي الجمل.ادار الجلسة باقتدار الروائي علاء الوردي .
شهدت الأصبوحةحضوراً نقدياً لافتاً، حيث قدم الأستاذ سعد السوداني ورقة نقدية رصينة، تناول فيها أبرز مواطن القوة في الرواية، دون أن يغفل الإشارة إلى بعض مكامن الضعف، ضمن قراءة منهجية متوازنة. وفي السياق ذاته، استعرض الدكتور عبد الكريم المصطفاوي قراءته وفق المنهج التفكيكي، مشيداً بعنصر التشويق في النص، وبالنفس السردي الطويل الذي ميز تجربة الكاتب، فضلاً عن وقوفه عند محطات مفصلية تهم المهتمين بفن الرواية.
من جانبه، فتح الناقد حمدي العطار باب النقاش عبر ورقة نقدية معمقة، أثار فيها جملة من الإشكاليات الفنية، مقدماً ملاحظات دقيقة تمثل زاداً معرفياً مهماً لكل من يسعى إلى تطوير أدواته السردية. كما أشار الأديب والمترجم حسين صابر إلى التحولات التي تجلت في الرواية، مستنداً إلى مقاربات نقدية حديثة، ومستحضراً تنوع المدارس والمناهج في قراءة النص الأدبي.
وفي مداخلة مكملة، كشف الروائي رياض داخل، رئيس ملتقى دار السرد للطباعة والنشر، عن بعض التفاصيل التي جرت خلف الكواليس أثناء إعداد الرواية للطباعة، متوقفاً عند عمليات الاختزال والتكثيف التي رافقت النص. بدوره، استعرض الروائي علي الجمل تجربته في كتابة الرواية، متحدثاً عن معاناته مع النص وتفاصيل تشكله، معبراً عن امتنانه للرابطة لدورها في احتضان المبدعين. كما قدم الروائي صادق الجمل مداخلة تناول فيها مفهوم كتابة الرواية، مشيراً إلى انتماء هذا العمل إلى الأدب الواقعي.
اتسمت الأمسية بحيوية الحوار وتعدد وجهات النظر، ما أضفى عليها طابعاً فكرياً وجمالياً، وجعل منها محطة بارزة في المشهد الثقافي البغدادي.
الورقة النقدية :
فن الرواية وشروط نجاحها: «أصبح حراً» أنموذجاً
حمدي العطار
تعد الرواية فناً قادراً على إعادة تشكيل الواقع، لا بوصفه انعكاساً مباشراً، بل باعتباره بناء جمالياً ينتج دلالاته الخاصة. ومن هذا المنطلق، تقارب رواية «أصبح حراً» بوصفها تجربة تسعى إلى تمثيل واقع عراقي معقد، يمتد من تجربة الأسر في الحرب إلى التحولات الاجتماعية والسياسية اللاحقة.
غير أن هذه التجربة، على غناها الموضوعي، تواجه إشكاليات فنية تتعلق باللغة والبناء السردي وتمثيل الواقع.
فعلى مستوى اللغة، تميل الرواية في مواضع عديدة إلى الأسلوب التقريري المباشر، حيث تقترب من السرد الإخباري أكثر من اقترابها من التعبير الفني المشحون بالانفعال والصور الحية. وهو ما يضعف الأثر الجمالي، خاصة في مواقف يفترض أن تكون عالية التوتر الشعوري، كالأسر والحنين.
أما في تمثيل الواقع، فتقع الرواية أحياناً في فخ المباشرة، إذ تقدم بعض المواقف بصيغة خطابية أقرب إلى البيان السياسي، بدلاً من إعادة تشكيلها فنياً عبر التخييل والإيحاء، وهو ما يفقد النص جزءاً من طاقته الإبداعية.
وعلى مستوى الشخصيات، لا تحظى بعض النماذج السردية بالعمق الكافي، إذ تظهر وتختفي دون أن تترك أثراً واضحاً في بنية الحدث، مما يحد من فاعليتها في إنتاج المعنى. كما أن بعض الأفكار تطرح بشكل مباشر، دون أن تمر عبر صراع داخلي أو تطور نفسي يمنحها بعداً إنسانياً مركباً.
ورغم ذلك، لا تخلو الرواية من عناصر إيجابية، أبرزها حضور البعد الأخلاقي، وتمثيلها لواقع اجتماعي واضح، فضلاً عن قدرتها على خلق نوع من الإيهام السردي الذي يشد القارئ ويشعره بصدق التجربة.
إن «أصبح حراً» تمثل محاولة جادة لالتقاط لحظة إنسانية وتاريخية مهمة، لكنها تظل بحاجة إلى تعميق لغتها، وتكثيف رؤيتها، وتطوير أدواتها الفنية، بما يحقق التوازن بين الفكرة والبناء الجمالي، ويمنح النص طاقته الروائية الكاملة.
خاتمة
تؤكد هذه الأصبوحة أن الحراك الثقافي في بغداد ما يزال قادراً على إنتاج فضاءات حوارية غنية، تسهم في تطوير الوعي النقدي، وتفتح آفاقاً جديدة أمام التجارب السردية المعاصرة، في سياق البحث المستمر عن رواية أكثر نضجاً وعمقاً.
التعليقات