التوريث في الفن والأدب بين انتقال الموهبة وإعادة إنتاج النخبة الثقافية
عندما يلاحظ المتابع للمشهد الثقافي العربي كثرة الأسماء التي تنتمي إلى عائلات فنية وأدبية معروفة قد يتولد لديه انطباع بأن الفن والأدب في العالم العربي يخضعان لنوع من التوريث يشبه ما يحدث في السلطة أو التجارة أو الثروة، فالممثل ابن ممثل والمطرب ابن مطرب وأحياناً الشاعر ابن شاعر أو الكاتب ابن كاتب ومع تكرار هذه الظاهرة يبرز سؤال مهم هل نحن أمام انتقال طبيعي للخبرة والموهبة بين الأجيال أم أمام آلية اجتماعية مغلقة تعيد إنتاج النخبة الثقافية نفسها؟
في الواقع لا يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال تفسير واحد فالتوريث الفني والأدبي ظاهرة عالمية عرفتها الحضارات المختلفة منذ القدم لكنها تتخذ في كل مجتمع شكلاً خاصاً يرتبط بطبيعة المؤسسات الثقافية وبنظرة المجتمع إلى الإبداع وبالعلاقة بين الفرد وعائلته.
من الناحية التاريخية، لم يكن الفن مهنة مستقلة بالمعنى الحديث ففي أوروبا العصور الوسطى مثلاً كانت الحرف الفنية تنتقل داخل الأسرة وكان الرسام أو النحات يدرب أبناءه في الورشة نفسها وفي الموسيقى الكلاسيكية ظهرت عائلات كاملة كرست حياتها للفن عبر أجيال متعاقبة ولم يكن ذلك يُنظر إليه بوصفه فساداً أو محسوبية بل باعتباره انتقالاً للمعرفة والخبرة.
الأمر نفسه حدث في الثقافة العربية فقد عرف التراث العربي أسر العلماء والفقهاء والشعراء وكانت البيئة العائلية تؤدي دوراً كبيراً في تكوين الموهبة، فالطفل الذي ينشأ في منزل تمتلئ جدرانه بالكتب وتدور فيه النقاشات الأدبية ويختلط فيه بأهل الفكر والفن يحصل منذ سنواته الأولى على ما لا يحصل عليه غيره إلا بعد عقود من التجربة.
لهذا السبب يبدو من السذاجة الاعتقاد بأن جميع أبناء الفنانين والكتاب وصلوا إلى مواقعهم بسبب أسمائهم فقط، فهناك جانب حقيقي يتعلق بالتنشئة الثقافية فالموهبة لا تولد في فراغ بل تحتاج إلى بيئة حاضنة تسمح لها بالنمو ومن الطبيعي أن تكون هذه البيئة متوافرة بدرجة أكبر داخل العائلات المنخرطة أصلاً في العمل الثقافي.
لكن هذه الحقيقة لا تفسر كل شيء فالجانب الآخر من الظاهرة يرتبط بما يمكن تسميته «رأس المال الثقافي» فالفنان أو الكاتب لا يورث أبناءه المال وحده هذا إذا كان لديه مال بل يورثهم شبكة كاملة من العلاقات والرموز والامتيازات إن الابن لا يبدأ من النقطة نفسها التي يبدأ منها الآخرون فهو يعرف الوسط الفني منذ طفولته ويحضر اللقاءات الثقافية ويملك فرصة الوصول إلى المنتجين والناشرين والنقاد بسهولة أكبر وهنا تتحول الميزة الثقافية إلى ميزة اجتماعية في هذه اللحظة تحديداً يبدأ الجدل فإذا كان الإبداع مجالاً مفتوحاً للجميع فلماذا تتكرر الأسماء نفسها ولماذا يبدو الطريق إلى الشهرة أقصر بالنسبة إلى بعض الأشخاص من غيرهم.
هذا السؤال لا يخص العالم العربي وحده ففي الولايات المتحدة وأوروبا والهند وغيرها تدور نقاشات حادة حول ما يسمى بالمحسوبية الثقافية أو الفنية. ويذهب بعض النقاد إلى أن المؤسسات الثقافية كثيراً ما تدعي الانفتاح بينما تعيد في الواقع إنتاج النخب القديمة بطرق غير مباشرة فالمجال الثقافي مثل أي مجال اجتماعي آخر يميل إلى حماية نفسه وإلى منح الأفضلية لمن يشبهون من هم موجودون داخله أصلاً غير أن المسألة تأخذ في العالم العربي بعداً إضافياً.
فالمجتمعات العربية تاريخياً قامت على قوة الروابط العائلية والعائلة لم تكن مجرد إطار خاص بل كانت مؤسسة اجتماعية واقتصادية وثقافية كاملة ولذلك فإن الثقة في القريب أو ابن المهنة أو ابن العائلة ظلت أقوى من الثقة في الغريب وعندما انتقلت هذه الثقافة إلى المجال الفني أصبح من الطبيعي أن يفتح الأب أبواباً لابنه وأن يرشحه المنتج لأنه يعرف أسرته وأن يحصل على فرصة أولى لا يحصل عليها غيره ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مؤامرة أو نية للإقصاء بل قد يكون انعكاساً لمنطق اجتماعي راسخ يرى أن العلاقات الشخصية جزء طبيعي من الحياة.
ومع ذلك فإن أخطر ما في التوريث الثقافي لا يتمثل في انتقال الفرص إلى الأبناء بل في احتمال تحول الثقافة إلى دائرة مغلقة فالإبداع يزدهر عندما تأتيه دماء جديدة من خارج المركز من الأطراف من البيئات المختلفة، ومن التجارب غير المتوقعة. أما عندما تصبح المؤسسات الثقافية حكراً على مجموعة محدودة من العائلات والأسماء، فإنها تخاطر بفقدان قدرتها على التجدد.
ولهذا فإن تاريخ الأدب والفن العالمي يكشف مفارقة مثير فكثير من أعظم المبدعين لم يأتوا من عائلات فنية أصلاً بل جاءوا من الهوامش الاجتماعية ومن الطبقات الفقيرة ومن البيئات البعيدة عن المراكز الثقافية التقليدية هؤلاء جلبوا معهم رؤى جديدة ولغات جديدة وتجارب مختلفة فغيروا مسار الثقافة نفسها.
ومن هنا يمكن القول إن المشكلة ليست في وجود أبناء الفنانين والكتاب داخل المشهد الثقافي بل في مدى قدرة هذا المشهد على استقبال القادمين من خارجه أيضاً فالثقافة الصحية ليست تلك التي تمنع انتقال الخبرة بين الأجيال ولا تلك التي تحتكرها داخل أسر معينة بل تلك التي توازن بين الأمرين تحافظ على التراكم المعرفي من جهة وتفتح المجال أمام المواهب الجديدة من جهة أخرى.
إن التوريث في الفن والأدب سيظل موجوداً ما دام الإنسان يتعلم داخل العائلة وما دامت الثقافة تنتقل عبر الاحتكاك اليومي والتنشئة المبكرة, لكن السؤال الحقيقي ليس لماذا يظهر أبناء الفنانين والكتاب بل لماذا يختفي أحياناً أبناء البيئات الأخرى وهنا تتحول القضية من مسألة موهبة فردية إلى مسألة عدالة ثقافية وفرص متكافئة.
لذلك فإن التوريث الثقافي ليس ظاهرة عربية خالصة ولا هو دليل تلقائي على الفساد أو على العبقرية إنه ظاهرة إنسانية معقدة تقع في المنطقة الفاصلة بين انتقال المعرفة المشروعة وبين إعادة إنتاج الامتيازات الاجتماعية وكلما كانت المؤسسات الثقافية أكثر انفتاحاً وشفافية تحول التوريث إلى مجرد إضافة طبيعية للمشهد, أما عندما تضعف هذه المؤسسات فإنه يتحول إلى آلية تكرس الأسماء نفسها وتمنع ظهور الأصوات الجديدة وهذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه الثقافة في أي مجتمع عربياً كان أم غير عربي.
التوريث في الفن والأدب بين انتقال الموهبة وإعادة إنتاج النخبة الثقافية
التوريث في الفن والأدب بين انتقال الموهبة وإعادة إنتاج النخبة الثقافية
عندما يلاحظ المتابع للمشهد الثقافي العربي كثرة الأسماء التي تنتمي إلى عائلات فنية وأدبية معروفة قد يتولد لديه انطباع بأن الفن والأدب في العالم العربي يخضعان لنوع من التوريث يشبه ما يحدث في السلطة أو التجارة أو الثروة، فالممثل ابن ممثل والمطرب ابن مطرب وأحياناً الشاعر ابن شاعر أو الكاتب ابن كاتب ومع تكرار هذه الظاهرة يبرز سؤال مهم هل نحن أمام انتقال طبيعي للخبرة والموهبة بين الأجيال أم أمام آلية اجتماعية مغلقة تعيد إنتاج النخبة الثقافية نفسها؟
في الواقع لا يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال تفسير واحد فالتوريث الفني والأدبي ظاهرة عالمية عرفتها الحضارات المختلفة منذ القدم لكنها تتخذ في كل مجتمع شكلاً خاصاً يرتبط بطبيعة المؤسسات الثقافية وبنظرة المجتمع إلى الإبداع وبالعلاقة بين الفرد وعائلته.
من الناحية التاريخية، لم يكن الفن مهنة مستقلة بالمعنى الحديث ففي أوروبا العصور الوسطى مثلاً كانت الحرف الفنية تنتقل داخل الأسرة وكان الرسام أو النحات يدرب أبناءه في الورشة نفسها وفي الموسيقى الكلاسيكية ظهرت عائلات كاملة كرست حياتها للفن عبر أجيال متعاقبة ولم يكن ذلك يُنظر إليه بوصفه فساداً أو محسوبية بل باعتباره انتقالاً للمعرفة والخبرة.
الأمر نفسه حدث في الثقافة العربية فقد عرف التراث العربي أسر العلماء والفقهاء والشعراء وكانت البيئة العائلية تؤدي دوراً كبيراً في تكوين الموهبة، فالطفل الذي ينشأ في منزل تمتلئ جدرانه بالكتب وتدور فيه النقاشات الأدبية ويختلط فيه بأهل الفكر والفن يحصل منذ سنواته الأولى على ما لا يحصل عليه غيره إلا بعد عقود من التجربة.
لهذا السبب يبدو من السذاجة الاعتقاد بأن جميع أبناء الفنانين والكتاب وصلوا إلى مواقعهم بسبب أسمائهم فقط، فهناك جانب حقيقي يتعلق بالتنشئة الثقافية فالموهبة لا تولد في فراغ بل تحتاج إلى بيئة حاضنة تسمح لها بالنمو ومن الطبيعي أن تكون هذه البيئة متوافرة بدرجة أكبر داخل العائلات المنخرطة أصلاً في العمل الثقافي.
لكن هذه الحقيقة لا تفسر كل شيء فالجانب الآخر من الظاهرة يرتبط بما يمكن تسميته «رأس المال الثقافي» فالفنان أو الكاتب لا يورث أبناءه المال وحده هذا إذا كان لديه مال بل يورثهم شبكة كاملة من العلاقات والرموز والامتيازات إن الابن لا يبدأ من النقطة نفسها التي يبدأ منها الآخرون فهو يعرف الوسط الفني منذ طفولته ويحضر اللقاءات الثقافية ويملك فرصة الوصول إلى المنتجين والناشرين والنقاد بسهولة أكبر وهنا تتحول الميزة الثقافية إلى ميزة اجتماعية في هذه اللحظة تحديداً يبدأ الجدل فإذا كان الإبداع مجالاً مفتوحاً للجميع فلماذا تتكرر الأسماء نفسها ولماذا يبدو الطريق إلى الشهرة أقصر بالنسبة إلى بعض الأشخاص من غيرهم.
هذا السؤال لا يخص العالم العربي وحده ففي الولايات المتحدة وأوروبا والهند وغيرها تدور نقاشات حادة حول ما يسمى بالمحسوبية الثقافية أو الفنية. ويذهب بعض النقاد إلى أن المؤسسات الثقافية كثيراً ما تدعي الانفتاح بينما تعيد في الواقع إنتاج النخب القديمة بطرق غير مباشرة فالمجال الثقافي مثل أي مجال اجتماعي آخر يميل إلى حماية نفسه وإلى منح الأفضلية لمن يشبهون من هم موجودون داخله أصلاً غير أن المسألة تأخذ في العالم العربي بعداً إضافياً.
فالمجتمعات العربية تاريخياً قامت على قوة الروابط العائلية والعائلة لم تكن مجرد إطار خاص بل كانت مؤسسة اجتماعية واقتصادية وثقافية كاملة ولذلك فإن الثقة في القريب أو ابن المهنة أو ابن العائلة ظلت أقوى من الثقة في الغريب وعندما انتقلت هذه الثقافة إلى المجال الفني أصبح من الطبيعي أن يفتح الأب أبواباً لابنه وأن يرشحه المنتج لأنه يعرف أسرته وأن يحصل على فرصة أولى لا يحصل عليها غيره ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مؤامرة أو نية للإقصاء بل قد يكون انعكاساً لمنطق اجتماعي راسخ يرى أن العلاقات الشخصية جزء طبيعي من الحياة.
ومع ذلك فإن أخطر ما في التوريث الثقافي لا يتمثل في انتقال الفرص إلى الأبناء بل في احتمال تحول الثقافة إلى دائرة مغلقة فالإبداع يزدهر عندما تأتيه دماء جديدة من خارج المركز من الأطراف من البيئات المختلفة، ومن التجارب غير المتوقعة. أما عندما تصبح المؤسسات الثقافية حكراً على مجموعة محدودة من العائلات والأسماء، فإنها تخاطر بفقدان قدرتها على التجدد.
ولهذا فإن تاريخ الأدب والفن العالمي يكشف مفارقة مثير فكثير من أعظم المبدعين لم يأتوا من عائلات فنية أصلاً بل جاءوا من الهوامش الاجتماعية ومن الطبقات الفقيرة ومن البيئات البعيدة عن المراكز الثقافية التقليدية هؤلاء جلبوا معهم رؤى جديدة ولغات جديدة وتجارب مختلفة فغيروا مسار الثقافة نفسها.
ومن هنا يمكن القول إن المشكلة ليست في وجود أبناء الفنانين والكتاب داخل المشهد الثقافي بل في مدى قدرة هذا المشهد على استقبال القادمين من خارجه أيضاً فالثقافة الصحية ليست تلك التي تمنع انتقال الخبرة بين الأجيال ولا تلك التي تحتكرها داخل أسر معينة بل تلك التي توازن بين الأمرين تحافظ على التراكم المعرفي من جهة وتفتح المجال أمام المواهب الجديدة من جهة أخرى.
إن التوريث في الفن والأدب سيظل موجوداً ما دام الإنسان يتعلم داخل العائلة وما دامت الثقافة تنتقل عبر الاحتكاك اليومي والتنشئة المبكرة, لكن السؤال الحقيقي ليس لماذا يظهر أبناء الفنانين والكتاب بل لماذا يختفي أحياناً أبناء البيئات الأخرى وهنا تتحول القضية من مسألة موهبة فردية إلى مسألة عدالة ثقافية وفرص متكافئة.
لذلك فإن التوريث الثقافي ليس ظاهرة عربية خالصة ولا هو دليل تلقائي على الفساد أو على العبقرية إنه ظاهرة إنسانية معقدة تقع في المنطقة الفاصلة بين انتقال المعرفة المشروعة وبين إعادة إنتاج الامتيازات الاجتماعية وكلما كانت المؤسسات الثقافية أكثر انفتاحاً وشفافية تحول التوريث إلى مجرد إضافة طبيعية للمشهد, أما عندما تضعف هذه المؤسسات فإنه يتحول إلى آلية تكرس الأسماء نفسها وتمنع ظهور الأصوات الجديدة وهذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه الثقافة في أي مجتمع عربياً كان أم غير عربي.
التعليقات