كلمةرثاء الی القاصة والروائية سميرة المانع

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 5 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2871
كلمةرثاء الی القاصة والروائية سميرة المانع

 

كلمةرثاء الی القاصة والروائية سميرة المانع

نكتب لنستذكر قامة أدبية عراقية كبيرة، ونودع اسماً ظل حاضراً في ذاكرة السرد العراقي والعربي لعقود طويلة، هو اسم القاصة والروائية الراحلة سميرة المانع، ابنة البصرة الفيحاء، التي رحلت عن عالمنا بعد عمر مديد ناهز التسعين عاماً، تاركة خلفها إرثاً أدبياً وإنسانياً سيبقى شاهداً على موهبتها وصدق انحيازها للإنسان والوطن.
لم تكن سميرة المانع روائية أو قاصة تكتب الحكايات فحسب، بل كانت شاهدة على تحولات عصرها وراصدة دقيقة لما مر به العراق والمنطقة والعالم من أحداث ومتغيرات. ومن خلال أعمالها الروائية والقصصية، ومنها “السابقون واللاحقون” و”القامعون” و”من لا يعرف ماذا يريد”، استطاعت أن تمنح القارئ فرصة للتأمل في قضايا الإنسان المعاصر وهمومه وأسئلته الكبرى.
تميزت كتاباتها ببساطة اللغة وعمق الرؤية، فكانت قادرة على مخاطبة القارئ العادي والمثقف في آن واحد. لم تلجأ إلى التعقيد أو الغموض المصطنع، بل اختارت طريق السرد الإنساني الشفاف الذي يجعل القارئ قريباً من شخصياتها وأحداثها. وفي أعمالها ظل الوطن حاضراً بوصفه ذاكرة وهوية، حتى وهي تعيش تجربة الاغتراب، فامتزجت في نصوصها ثنائية المنفى والوطن والحنين والواقع لتشكل واحدة من أبرز سمات مشروعها الإبداعي.
وفي روايتها المهمة “من لا يعرف ماذا يريد”، قدمت نموذجاً لافتاً لهذا الوعي السردي والإنساني. فقد تنقلت بين أمكنة وثقافات متعددة، من العراق إلى أفغانستان وأوروبا وأميركا، لتطرح أسئلة الحرية والعدالة وحقوق المرأة والتفاوت بين المجتمعات، دون خطابية مباشرة أو أحكام جاهزة. وكانت تمتلك قدرة خاصة على جعل القارئ يقرأ ما بين السطور، ويستنتج بنفسه ما أرادت قوله عن الإنسان وعلاقته بالسلطة والمجتمع والتقاليد.
كما عالجت في هذه الرواية وغيرها قضايا معاصرة تتصل بالاحتيال الإلكتروني وثورة المعلومات وكشفت جوانب من معاناة الإنسان المعاصر وقلقه الوجودي. وعندما تناولت العلاقات الإنسانية والعاطفية، فعلت ذلك بوعي فني رفيع بعيد عن الإثارة المجانية، محافظة على قيمة الأدب بوصفه فناً للكشف والتأمل لا وسيلة للاستعراض.
لقد كانت سميرة المانع شديدة الحساسية تجاه معاناة شعبها ووطنها. حملت العراق في ذاكرتها أينما كانت واستطاعت أن تعكس في نصوصها آلام العراقيين وآمالهم، وأن تستعيد تفاصيل حياتهم اليومية وأحلامهم المنكسرة وأحلامهم المؤجلة. ولهذا جاءت شخصياتها نابضة بالحياة، قريبة من الناس، ومعبرة عن وجدانهم الجمعي.
ورغم ما قدمته من منجز أدبي مهم، فإن كثيرين يرون أن هذه المبدعة الكبيرة لم تنل ما تستحقه من اهتمام نقدي وإعلامي يوازي حجم عطائها. فقد كانت واحدة من الأعمدة الراسخة في الرواية العراقية المعاصرة، وصوتاً نسوياً وإنسانياً مميزاً أسهم في إثراء الثقافة العراقية والعربية على مدى عقود طويلة.
اليوم، ونحن نودع سميرة المانع، لا نرثي شخصاً فحسب، بل نستذكر مرحلة مهمة من تاريخ السرد العراقي، ونحتفي بتجربة إبداعية تركت أثرها الواضح في أجيال من القراء والكتّاب. إن الأديب يرحل جسداً، لكن كلماته تبقى حية في الذاكرة، وأعماله تواصل حوارها مع الزمن والناس.
رحم الله سميرة المانع، وألهم أهلها ومحبيها وقرّاءها الصبر والسلوان، وجعل منجزها الأدبي جسراً تعبر عليه الأجيال القادمة نحو مزيد من الإبداع والمعرفة.
المجد لذكراها، والخلود لكلماتها.

 

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

بين الهندسة والخيال.. أمسية تحتفي بأمير رأفت وروايته «لعنة قديمة جداً»

بين الهندسة والخيال.. أمسية تحتفي بأمير رأفت وروايته «لعنة قديمة جداً»

ريبورتاج صحفي عن جلسة لنادي السرد بين الهندسة والخيال.. أمسية تحتفي بأمير رأفت وروايته «لعنة…

صورة الكاتب حمدي العطار
1 يوليو 2026
اقرأ المزيد
في عيد الأب… كلمة وفاء إلى والدي الراحل عبد الواحد العطار

في عيد الأب… كلمة وفاء إلى والدي الراحل عبد الواحد العطار

في عيد الأب… كلمة وفاء إلى والدي الراحل عبد الواحد العطار في مناسبة عيد الأب،…

صورة الكاتب حمدي العطار
28 يونيو 2026
اقرأ المزيد
مهرجان الكتاب الأول في بغداد.. احتفاء بالإبداع الجديد وتكريس لقيمة المعرفة

مهرجان الكتاب الأول في بغداد.. احتفاء بالإبداع الجديد وتكريس لقيمة المعرفة

مهرجان الكتاب الأول في بغداد.. احتفاء بالإبداع الجديد وتكريس لقيمة المعرفة في خطوة ثقافية تعكس…

صورة الكاتب حمدي العطار
11 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


كلمةرثاء الی القاصة والروائية سميرة المانع

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 5 يوليو 2026

التصنيف: النقد الأدبي

 

كلمةرثاء الی القاصة والروائية سميرة المانع

نكتب لنستذكر قامة أدبية عراقية كبيرة، ونودع اسماً ظل حاضراً في ذاكرة السرد العراقي والعربي لعقود طويلة، هو اسم القاصة والروائية الراحلة سميرة المانع، ابنة البصرة الفيحاء، التي رحلت عن عالمنا بعد عمر مديد ناهز التسعين عاماً، تاركة خلفها إرثاً أدبياً وإنسانياً سيبقى شاهداً على موهبتها وصدق انحيازها للإنسان والوطن.
لم تكن سميرة المانع روائية أو قاصة تكتب الحكايات فحسب، بل كانت شاهدة على تحولات عصرها وراصدة دقيقة لما مر به العراق والمنطقة والعالم من أحداث ومتغيرات. ومن خلال أعمالها الروائية والقصصية، ومنها “السابقون واللاحقون” و”القامعون” و”من لا يعرف ماذا يريد”، استطاعت أن تمنح القارئ فرصة للتأمل في قضايا الإنسان المعاصر وهمومه وأسئلته الكبرى.
تميزت كتاباتها ببساطة اللغة وعمق الرؤية، فكانت قادرة على مخاطبة القارئ العادي والمثقف في آن واحد. لم تلجأ إلى التعقيد أو الغموض المصطنع، بل اختارت طريق السرد الإنساني الشفاف الذي يجعل القارئ قريباً من شخصياتها وأحداثها. وفي أعمالها ظل الوطن حاضراً بوصفه ذاكرة وهوية، حتى وهي تعيش تجربة الاغتراب، فامتزجت في نصوصها ثنائية المنفى والوطن والحنين والواقع لتشكل واحدة من أبرز سمات مشروعها الإبداعي.
وفي روايتها المهمة “من لا يعرف ماذا يريد”، قدمت نموذجاً لافتاً لهذا الوعي السردي والإنساني. فقد تنقلت بين أمكنة وثقافات متعددة، من العراق إلى أفغانستان وأوروبا وأميركا، لتطرح أسئلة الحرية والعدالة وحقوق المرأة والتفاوت بين المجتمعات، دون خطابية مباشرة أو أحكام جاهزة. وكانت تمتلك قدرة خاصة على جعل القارئ يقرأ ما بين السطور، ويستنتج بنفسه ما أرادت قوله عن الإنسان وعلاقته بالسلطة والمجتمع والتقاليد.
كما عالجت في هذه الرواية وغيرها قضايا معاصرة تتصل بالاحتيال الإلكتروني وثورة المعلومات وكشفت جوانب من معاناة الإنسان المعاصر وقلقه الوجودي. وعندما تناولت العلاقات الإنسانية والعاطفية، فعلت ذلك بوعي فني رفيع بعيد عن الإثارة المجانية، محافظة على قيمة الأدب بوصفه فناً للكشف والتأمل لا وسيلة للاستعراض.
لقد كانت سميرة المانع شديدة الحساسية تجاه معاناة شعبها ووطنها. حملت العراق في ذاكرتها أينما كانت واستطاعت أن تعكس في نصوصها آلام العراقيين وآمالهم، وأن تستعيد تفاصيل حياتهم اليومية وأحلامهم المنكسرة وأحلامهم المؤجلة. ولهذا جاءت شخصياتها نابضة بالحياة، قريبة من الناس، ومعبرة عن وجدانهم الجمعي.
ورغم ما قدمته من منجز أدبي مهم، فإن كثيرين يرون أن هذه المبدعة الكبيرة لم تنل ما تستحقه من اهتمام نقدي وإعلامي يوازي حجم عطائها. فقد كانت واحدة من الأعمدة الراسخة في الرواية العراقية المعاصرة، وصوتاً نسوياً وإنسانياً مميزاً أسهم في إثراء الثقافة العراقية والعربية على مدى عقود طويلة.
اليوم، ونحن نودع سميرة المانع، لا نرثي شخصاً فحسب، بل نستذكر مرحلة مهمة من تاريخ السرد العراقي، ونحتفي بتجربة إبداعية تركت أثرها الواضح في أجيال من القراء والكتّاب. إن الأديب يرحل جسداً، لكن كلماته تبقى حية في الذاكرة، وأعماله تواصل حوارها مع الزمن والناس.
رحم الله سميرة المانع، وألهم أهلها ومحبيها وقرّاءها الصبر والسلوان، وجعل منجزها الأدبي جسراً تعبر عليه الأجيال القادمة نحو مزيد من الإبداع والمعرفة.
المجد لذكراها، والخلود لكلماتها.