تقنيات السرد الروائي في رواية ( كونشرتو المدينة الأخير )   لكرم محمد حاتم

صورة الكاتب
بقلم: مهدي هندو الوزني
التاريخ: 4 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2680
تقنيات السرد الروائي في رواية ( كونشرتو المدينة الأخير )   لكرم محمد حاتم

تقنيات السرد الروائي في رواية ( كونشرتو المدينة الأخير )   لكرم محمد حاتم

ما يميز الرواية عن غيرها من الفنون السردية ما تتضمنه من تقنيات ، لذلك يسعى العديد من كتاب الرواية الى استخدام التقنيات السردية التي تفضي بدورها الى بناء سردي شامل ومتماسك يحقق ما يصبو اليه الكاتب في ايصال الرسائل الى القارىء .

وهذا ما اعتمد عليه الكاتب ( كرم محمد حاتم ) في بنائه القصصي لروايته الأولى ( كونشرتو المدينة الأخير ) حيث نلحظ الاستخدام الواضح لعدد من التقنيات السردية في بناء هذه الرواية والتي كان من أهمها وأوضحها هما تقنيتا الضمير المتكلم والوصف

الضمير المتكلم : كما هو معروف أن السارد هو الصوت الذي ينقل الحكاية ودائما” مايظهر في المتن الحكائي بطريقة أو بأخرى متخفيا” أو صريحا” أما هنا في رواية كونشرتو المدينة الأخير ظهر السارد بشكله الصريح المتمثل بضمير المتكلم والمهيمن على مجريات الأحداث ، ومنذ الصفحة الأولى للرواية يضعنا الكاتب ( كرم محمد حاتم ) في مواجهة الشخصية الساردة    وكأنها أمامنا في الواقع وذلك بفضل التصوير الدقيق لكل ما يختلج في نفس الشخصية الساردة التي أسماها الكاتب ( كريم ) من قلق يومي جراء الغربة التي ألقت بظلالها على روحه

_ كم شارع سأقطع اليوم

_ هل أذهب الى ( الكانري روو ) ؟ أم أكتفي بالذهاب الى وسط المدينة ؟

_ هل أقصد مكتبة ( مونتيري ) العامة ؟ ( الرواية ص7 )

لقد آثر الكاتب أن يكون السارد عليم بكل الشخصيات والأحداث الماضية والحاضرة عن طريق تقنية الضمير المتكلم هذه التقنية التي لها في الدراسات المعاصرة عدة مسميات منها زاوية الرؤية ، وجهة النظر ، التبئير ، بؤرة السرد الذاتي ، وبما أن السارد في هذه الرواية هو الشخصية المحورية الفاعلة فهي تندرج تحت مصطلح الرؤية المرافقة أو المصاحبة ( حيث يعرض العالم التخييلي من منظور ذاتي داخلي لشخصية روائية بعينها ، دون أن يكون له وجود موضوعي محايد خارج وضعها )”1″ واعتماد تقنية ضمير المتكلم هو نوع من أنواع السرد الذاتي الذي يحيلنا الى كتابات السيرالذاتية والتي جاء بناء هذه الرواية على شاكلتها ، من استخدامات تقنية ضمير المتكلم عودة الشخصية الساردة الى الوراء بمثول تقنية أخرى ألا وهي تقنية الارتداد

_ ليتبلور أمامي مجلسنا الصيفي فوق سطح منزلنا ، هروبا” من حر الصيف في زمن الحصار الاقتصادي ، بعد أن كنا قد أنهينا طعام العشاء (الرواية ص117 )

تجنح تقنية ضمير المتكلم على وضع بعد زمني بين زمن الحكي والزمن الحقيقي للسرد فهو بهذا الشكل ينطلق من الحاضر ويتجه الى الوراء وهذا مايخص الحدث الذي وقع بالفعل

_ أستذكر بداية الحكاية ، قبل ست سنسن ، حينما كنت أتلقى فصلا” دراسيا” لدراسة اللغة الانكليزية والحاسوب في معهد المدينة ، كانت هي تدرس القانون آنذاك (الرواية ص22 )

لقد استخدم الكاتب تقنية ضمير المتكلم لكي يستطيع نقل أفكاره ومشاعره مؤكدا” بأنها تعبير جمالي في التجربة الشعورية التي توصل المشاعر الصادقة الى القارىء من خلال التوغل في أعماق الشخصية السردية صاحبة الضمير المتكلم وكما أسلفنا من أن الشخصية الفاعلة والمحورية في الرواية هي شخصية ( كريم ) التي تتحدث عن نفسها واصفة أدق المشاعر والأحاسيس بطريقة مونولوجية داخلية استذكارية أو اعترافية

_ منذ لحظة دخولي غمرني ذلك الشعور المستمر بالوحدة ، كأني شبح غير مرئي من أشباح المدينة الماطرة ، هائم بين زحمة الناس ، تتسلل الغربة والوحشة جسدي كما يفعل برد ( كانون الأول بالأطراف (الرواية ص 34 )

نلحظ هنا حوارا” داخليا” (مونولوج) يشكي فيه بطل الرواية وحدته وغربته وهو بين زحام الناس وهي مشاعر صادقة عندما يكون الانسان في مثل هذه الحالة وبالتالي سيصل هذا الشعور الى القارىء .

لقد وفق الكاتب ( كرم محمد حاتم ) في استخدام تقنية ضمير المتكلم في روايته ( كونشرتو المدينة الأخير ) لما وجده في هذه التقنية من قوة للتأثير على المتلقي ومخاطبة أفق توقعه الذي استقبل كل مافي الحكاية من أهمية ، وكذلك وجد الكاتب في هذه التقنية مايجعل القارىء يشارك السارد في مايطرح من أحداث ربما تكون حقيقية وتحدث في هذا العالم

الوصف : يعتبر الوصف تقنية محورية من تقنيات السرد الروائي حيث لايمكن الاستغناء عنها لأنها أداة فاعلة في تصوير عناصر السرد فهي تعطي للقارىء صوره للموصوف وللأشياء المراد التعبير عنها ، الناقد الفرنسي ( جان ريكاردو ) يقول ( هو وصف مكاني لايخضع للمعنى ، وانما يمضي مع المعنى في سياق واجد ، انه ناتج حتما” عن تغيير موقف الانسان من الواقع ، غير أنه على مستوى النص لايظهر تابعا” لأي مضمون أو موقف سابق عليه ، لأنه هو نفسه يصبح مصدر المعنى ، أو على الأصح مصدر المعاني المتعددة اللامحدودة) “2” ، لقد استخدم الكاتب ( كرم محمد حاتم ) في روايته هذه عدة أنواع من تقنية الوصف وكما ميزها ( فيليب هامون ) وهي الوصف الكرونولوجي الذي يهتم بوصف الزمن والوصف الطبوغرافي الذي يهتم بالأمكنة والوصف البروزوغرافي والذي يهتم بالشخصيات ومظهرها الخارجي ،

_ استيقظت في اليوم التالي ، وأشعة الشمس قد وجدت طريقها الى غرفتي _ وفي مكان أخر من الرواية _ لم يتبقى على مغيب الشمس سوى (20 ) دقيقة في هذا الوقت يحاط المرفأ بالصيادين الباحثين عن صيد لعشائهم _ نلحظ في ماكان من اختصارات من الرواية الوصف الزمني

_ اتصلت بناصر لاخباره بالاستعداد لاقامة الأمسية . أما بالنسبة لسرمد فقد امتنع عن المجيء في بادىء الأمر . لكنه وافق ، بعد أن عرف أن موعد الأمسية سيكون عند الساعة الخامسة مساءا” _ وفي مكان أخر من الرواية  _ وقفت أمام الباب لعدة ثواني ، فتملك الصمت والسكون المكان _ هنا نلحظ وصف مراحل الزمن التي مرت بالمتكلم أي الشخصية الساردة حيث يتبين لنا مدى الربط بين الحالات الشعورية والزمن وخاصة الزمن الحاضر وكيف يمكن للزمن أحيانا” التوقف في حضرة الصمت والسكون ، لقد احتوت الرواية على الكثير من الوصف الكرونولوجي لتصوير الأحداث الزمنية التي ازدحمت بها حياة الشخصية الساردة

أما وصف الأماكن أو الوصف الطوبغرافي فمنه ماكان أداة تأطيرية للأحداث في الرواية _ وفي تلك البقعة الصغيرة من الأرض رمقت المرأة التي تجلس جنبي بنظرة سريعة ، والتي كانت تتحدث مع ابنتها الصغيرة الواقفة أمامها _ كما نلحظ وصف الكاتب في الرواية لطوبغرافية دلالية الغرض منها تحديد بنية وتكوين المكان _ فعند الدخول لشارع ” ال فرادو” تظهر للقادم المحال المتلاصقة والمطاعم ذات العمق الواحد تقريبا” المستمرة الى التقاطع  مع شارع ” ديل مونتي افنيوه ” ليواجه السائر فيه بعدها مباني مونتيري القديمة وصولا” الى رصيف ميناء ” مونتيري فشرمان وورف ” _

أما الوصف الخارجي للشخصيات أو الوصف البروزوغرافي فقد كان واضحا” جدا” فمثلا” عند وصف شخصية غسان العراقي _ ليضحك فارشا” خديه على جوانب وجهه رافعا” رأسه ليبرز أنفه الذي يشبه منقار الأوز الأسترالي _ وفي مكان أخر من الرواية يصف شخصية مارك _ أهلا” أيها الصديق العراقي نافثا” دخان سجارته في الهواء مبتسما” ببراطمه المتورمة المشوههة _ وفي مكان أخر من الرواية يصف الشخصية الفاعلة ( كريم ) غز الشيب رأسي ، وبدوت أكثر نحافة أو ربما أكثر بؤسا” ، تغيرت تسريحة شعري الى الجانب الأيمن _

لقد جاءت تقنية الوصف في مساحة كبيرة في الرواية حيث كان لها فاعليتها في بناء الحدث ، فضلا” عن مساهمتها في تشويق القارىء ، رواية ( كونشيرتو المدينة الأخير ) للكاتب ( كرم محمد حاتم ) كانت الغربة وما يكتنفها من قلق وخوف وشعور بالوحدة ثيمتها الرئيسة التي ترجمها من خلال استخدام عدة تقنيات سردية كان أبرزها تقنيتي الضمير المتكلم والوصف ولقد أبدع بهما في هذه الرواية التي هي الأولى له في السرد الروائي وفاتحة لأخريات مستقبلا”.

……………………

1_ينظر،مفهوم الرؤية السردية في الخطاب الروائي أراء وتحاليل،بوطيب عبد العالي ص41

2_جان ريكاردو،قظايا الرواية الحديث،ص147

 

 

 

 

مهدي هندو الوزني

عن الکاتب / الکاتبة

مهدي هندو الوزني
مهدي هندو الوزني
ناقد وموسيقي ومخرج مسرحي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

 سيميائية الصوت والدلالة في الحزن العاشورائي

 سيميائية الصوت والدلالة في الحزن العاشورائي

سيميائية الصوت والدلالة في الحزن العاشورائي   يعد الحزن العاشورائي أحد أهم المرتكزات التعبيرية في…

صورة الكاتب مهدي هندو الوزني
22 يونيو 2026
اقرأ المزيد
سيمياء الحزن في البنية اللحنية لأغنية ( أنا وليلى ) لـ كاظم الساهر

سيمياء الحزن في البنية اللحنية لأغنية ( أنا وليلى ) لـ كاظم الساهر

سيمياء الحزن في البنية اللحنية لأغنية ( أنا وليلى ) لـ كاظم الساهر   تتجاوز…

صورة الكاتب مهدي هندو الوزني
13 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


تقنيات السرد الروائي في رواية ( كونشرتو المدينة الأخير )   لكرم محمد حاتم

بقلم: مهدي هندو الوزني | التاريخ: 4 يوليو 2026

التصنيف: النقد الأدبي

تقنيات السرد الروائي في رواية ( كونشرتو المدينة الأخير )   لكرم محمد حاتم

ما يميز الرواية عن غيرها من الفنون السردية ما تتضمنه من تقنيات ، لذلك يسعى العديد من كتاب الرواية الى استخدام التقنيات السردية التي تفضي بدورها الى بناء سردي شامل ومتماسك يحقق ما يصبو اليه الكاتب في ايصال الرسائل الى القارىء .

وهذا ما اعتمد عليه الكاتب ( كرم محمد حاتم ) في بنائه القصصي لروايته الأولى ( كونشرتو المدينة الأخير ) حيث نلحظ الاستخدام الواضح لعدد من التقنيات السردية في بناء هذه الرواية والتي كان من أهمها وأوضحها هما تقنيتا الضمير المتكلم والوصف

الضمير المتكلم : كما هو معروف أن السارد هو الصوت الذي ينقل الحكاية ودائما” مايظهر في المتن الحكائي بطريقة أو بأخرى متخفيا” أو صريحا” أما هنا في رواية كونشرتو المدينة الأخير ظهر السارد بشكله الصريح المتمثل بضمير المتكلم والمهيمن على مجريات الأحداث ، ومنذ الصفحة الأولى للرواية يضعنا الكاتب ( كرم محمد حاتم ) في مواجهة الشخصية الساردة    وكأنها أمامنا في الواقع وذلك بفضل التصوير الدقيق لكل ما يختلج في نفس الشخصية الساردة التي أسماها الكاتب ( كريم ) من قلق يومي جراء الغربة التي ألقت بظلالها على روحه

_ كم شارع سأقطع اليوم

_ هل أذهب الى ( الكانري روو ) ؟ أم أكتفي بالذهاب الى وسط المدينة ؟

_ هل أقصد مكتبة ( مونتيري ) العامة ؟ ( الرواية ص7 )

لقد آثر الكاتب أن يكون السارد عليم بكل الشخصيات والأحداث الماضية والحاضرة عن طريق تقنية الضمير المتكلم هذه التقنية التي لها في الدراسات المعاصرة عدة مسميات منها زاوية الرؤية ، وجهة النظر ، التبئير ، بؤرة السرد الذاتي ، وبما أن السارد في هذه الرواية هو الشخصية المحورية الفاعلة فهي تندرج تحت مصطلح الرؤية المرافقة أو المصاحبة ( حيث يعرض العالم التخييلي من منظور ذاتي داخلي لشخصية روائية بعينها ، دون أن يكون له وجود موضوعي محايد خارج وضعها )”1″ واعتماد تقنية ضمير المتكلم هو نوع من أنواع السرد الذاتي الذي يحيلنا الى كتابات السيرالذاتية والتي جاء بناء هذه الرواية على شاكلتها ، من استخدامات تقنية ضمير المتكلم عودة الشخصية الساردة الى الوراء بمثول تقنية أخرى ألا وهي تقنية الارتداد

_ ليتبلور أمامي مجلسنا الصيفي فوق سطح منزلنا ، هروبا” من حر الصيف في زمن الحصار الاقتصادي ، بعد أن كنا قد أنهينا طعام العشاء (الرواية ص117 )

تجنح تقنية ضمير المتكلم على وضع بعد زمني بين زمن الحكي والزمن الحقيقي للسرد فهو بهذا الشكل ينطلق من الحاضر ويتجه الى الوراء وهذا مايخص الحدث الذي وقع بالفعل

_ أستذكر بداية الحكاية ، قبل ست سنسن ، حينما كنت أتلقى فصلا” دراسيا” لدراسة اللغة الانكليزية والحاسوب في معهد المدينة ، كانت هي تدرس القانون آنذاك (الرواية ص22 )

لقد استخدم الكاتب تقنية ضمير المتكلم لكي يستطيع نقل أفكاره ومشاعره مؤكدا” بأنها تعبير جمالي في التجربة الشعورية التي توصل المشاعر الصادقة الى القارىء من خلال التوغل في أعماق الشخصية السردية صاحبة الضمير المتكلم وكما أسلفنا من أن الشخصية الفاعلة والمحورية في الرواية هي شخصية ( كريم ) التي تتحدث عن نفسها واصفة أدق المشاعر والأحاسيس بطريقة مونولوجية داخلية استذكارية أو اعترافية

_ منذ لحظة دخولي غمرني ذلك الشعور المستمر بالوحدة ، كأني شبح غير مرئي من أشباح المدينة الماطرة ، هائم بين زحمة الناس ، تتسلل الغربة والوحشة جسدي كما يفعل برد ( كانون الأول بالأطراف (الرواية ص 34 )

نلحظ هنا حوارا” داخليا” (مونولوج) يشكي فيه بطل الرواية وحدته وغربته وهو بين زحام الناس وهي مشاعر صادقة عندما يكون الانسان في مثل هذه الحالة وبالتالي سيصل هذا الشعور الى القارىء .

لقد وفق الكاتب ( كرم محمد حاتم ) في استخدام تقنية ضمير المتكلم في روايته ( كونشرتو المدينة الأخير ) لما وجده في هذه التقنية من قوة للتأثير على المتلقي ومخاطبة أفق توقعه الذي استقبل كل مافي الحكاية من أهمية ، وكذلك وجد الكاتب في هذه التقنية مايجعل القارىء يشارك السارد في مايطرح من أحداث ربما تكون حقيقية وتحدث في هذا العالم

الوصف : يعتبر الوصف تقنية محورية من تقنيات السرد الروائي حيث لايمكن الاستغناء عنها لأنها أداة فاعلة في تصوير عناصر السرد فهي تعطي للقارىء صوره للموصوف وللأشياء المراد التعبير عنها ، الناقد الفرنسي ( جان ريكاردو ) يقول ( هو وصف مكاني لايخضع للمعنى ، وانما يمضي مع المعنى في سياق واجد ، انه ناتج حتما” عن تغيير موقف الانسان من الواقع ، غير أنه على مستوى النص لايظهر تابعا” لأي مضمون أو موقف سابق عليه ، لأنه هو نفسه يصبح مصدر المعنى ، أو على الأصح مصدر المعاني المتعددة اللامحدودة) “2” ، لقد استخدم الكاتب ( كرم محمد حاتم ) في روايته هذه عدة أنواع من تقنية الوصف وكما ميزها ( فيليب هامون ) وهي الوصف الكرونولوجي الذي يهتم بوصف الزمن والوصف الطبوغرافي الذي يهتم بالأمكنة والوصف البروزوغرافي والذي يهتم بالشخصيات ومظهرها الخارجي ،

_ استيقظت في اليوم التالي ، وأشعة الشمس قد وجدت طريقها الى غرفتي _ وفي مكان أخر من الرواية _ لم يتبقى على مغيب الشمس سوى (20 ) دقيقة في هذا الوقت يحاط المرفأ بالصيادين الباحثين عن صيد لعشائهم _ نلحظ في ماكان من اختصارات من الرواية الوصف الزمني

_ اتصلت بناصر لاخباره بالاستعداد لاقامة الأمسية . أما بالنسبة لسرمد فقد امتنع عن المجيء في بادىء الأمر . لكنه وافق ، بعد أن عرف أن موعد الأمسية سيكون عند الساعة الخامسة مساءا” _ وفي مكان أخر من الرواية  _ وقفت أمام الباب لعدة ثواني ، فتملك الصمت والسكون المكان _ هنا نلحظ وصف مراحل الزمن التي مرت بالمتكلم أي الشخصية الساردة حيث يتبين لنا مدى الربط بين الحالات الشعورية والزمن وخاصة الزمن الحاضر وكيف يمكن للزمن أحيانا” التوقف في حضرة الصمت والسكون ، لقد احتوت الرواية على الكثير من الوصف الكرونولوجي لتصوير الأحداث الزمنية التي ازدحمت بها حياة الشخصية الساردة

أما وصف الأماكن أو الوصف الطوبغرافي فمنه ماكان أداة تأطيرية للأحداث في الرواية _ وفي تلك البقعة الصغيرة من الأرض رمقت المرأة التي تجلس جنبي بنظرة سريعة ، والتي كانت تتحدث مع ابنتها الصغيرة الواقفة أمامها _ كما نلحظ وصف الكاتب في الرواية لطوبغرافية دلالية الغرض منها تحديد بنية وتكوين المكان _ فعند الدخول لشارع ” ال فرادو” تظهر للقادم المحال المتلاصقة والمطاعم ذات العمق الواحد تقريبا” المستمرة الى التقاطع  مع شارع ” ديل مونتي افنيوه ” ليواجه السائر فيه بعدها مباني مونتيري القديمة وصولا” الى رصيف ميناء ” مونتيري فشرمان وورف ” _

أما الوصف الخارجي للشخصيات أو الوصف البروزوغرافي فقد كان واضحا” جدا” فمثلا” عند وصف شخصية غسان العراقي _ ليضحك فارشا” خديه على جوانب وجهه رافعا” رأسه ليبرز أنفه الذي يشبه منقار الأوز الأسترالي _ وفي مكان أخر من الرواية يصف شخصية مارك _ أهلا” أيها الصديق العراقي نافثا” دخان سجارته في الهواء مبتسما” ببراطمه المتورمة المشوههة _ وفي مكان أخر من الرواية يصف الشخصية الفاعلة ( كريم ) غز الشيب رأسي ، وبدوت أكثر نحافة أو ربما أكثر بؤسا” ، تغيرت تسريحة شعري الى الجانب الأيمن _

لقد جاءت تقنية الوصف في مساحة كبيرة في الرواية حيث كان لها فاعليتها في بناء الحدث ، فضلا” عن مساهمتها في تشويق القارىء ، رواية ( كونشيرتو المدينة الأخير ) للكاتب ( كرم محمد حاتم ) كانت الغربة وما يكتنفها من قلق وخوف وشعور بالوحدة ثيمتها الرئيسة التي ترجمها من خلال استخدام عدة تقنيات سردية كان أبرزها تقنيتي الضمير المتكلم والوصف ولقد أبدع بهما في هذه الرواية التي هي الأولى له في السرد الروائي وفاتحة لأخريات مستقبلا”.

……………………

1_ينظر،مفهوم الرؤية السردية في الخطاب الروائي أراء وتحاليل،بوطيب عبد العالي ص41

2_جان ريكاردو،قظايا الرواية الحديث،ص147

 

 

 

 

مهدي هندو الوزني