سيميائية الصوت والدلالة في الحزن العاشورائي
يعد الحزن العاشورائي أحد أهم المرتكزات التعبيرية في العزاء الحسيني ليس بوصفه شعورا” عابرا” ، بل كونه بينية جمالية وثقافية تتجسد عبر منظومة صوتية وجمالية معقدة ، ويشكل الصوت في هذا السياق أداة مركزية لتحويل التجربة التاريخية لمأساة كربلاء الى خطاب رمزي حي يتجاوز حدود اللغة ، ويستبطن دلالات تتولد في قلب المستمعين من خلال الايقاع ، والنغمة ، والتنهيدة والصراخ والسكوت ومن هنا يصبح الصوت في العزاء الحسيني وسيلة تحول الحزن من انفعال داخلي الى معنى جماعي محسوس ومتخيل ، فالصوت في العزاء الحسيني لايستخدم باعتباره وسيطا” لنقل الكلام فحسب ، بل يستثمر كوسيلة لتفجير الحزن وتهيئة المتلقي للدخول في الحالة الشعورية الجمعية ، فالطبقات الصوتية المتغيرة التي يوظفها ( الرادود ) من مثل القرار والجواب والأنين والتنغيم والآهات جميعها تتحول الى اشارات سيميائية ترمز للفقد والحزن وبذلك تكون هذه العناصر الصوتية مادة تعبيرية حسية تنفتح على أفق تأويلي ، يربط بين التجربة الحسية والمعنى الروحي.
ووفقا” للمقاربة السيميائية ، كل عنصر صوتي في العزاء العاشورائي يحمل دلالة لاتختزل في المعنى الحرفي ، بل تتشكل من خلال السياق الطقسي للذاكرة الجمعية ، فالأنغام الحزينة ( كالصبا والحجاز ) تبنى وتستخدم لتؤطر الحزن بنسق نغمي يتناسب مع مضمون الرثاء ، أما الانفجارات الصوتية ( كالصراخ أو اللطم المتسارع ) تعلن عن لحظة ذروة درامية ، فيما يضفي التكرار الصوتي طابعا” طقوسيا” يكرس المعنى في الوجدان المتثاقل بالحزن ، وبذلك لايكون الصوت مظهرا” فقط ، بل دالا” فاعلا” داخل نظام المعنى ، يعيد انتاج الحزن العاشورائي بوصفه نصا” صوتيا” مشبعا” بالرموز.
ووفقا” للمقاربة السيميائية أيضا” يتكون الحزن في الأداء اللحني للعزاء العاشورائي من مجموعة عناصر سيميائية ، هي بمثابة اشارات تقود المتلقي الى تأويلات محددة ، فعنصر الجرس الصوتي المنكسر يدل على الندبة واللوعة والانكسار ، فيما تكون الوقفات والتنهيدات داخل الجملة اللحنية مؤشرا” لحالات الوجع الخانق والصمت المملوء بالحزن ، وأما الانخفاض اللحني فيحاكي فعل الانهيار الذي يوازي الانكسار النفسي ، كل هذه البنى محملة بدوال ذات طاقة شعورية تكون مايسمى بالحزن الصوتي .
ووفقا” للمقاربة السيميائية أيضا” توظيف الايقاع الصوتي البطيء في العزاء العاشورائي الذي يحمل دلالته السيميائية والتي تمثل الثقل النفسي والانكسار الزمني والانتقال الى حالة شعورية من التعليق بين الماضي والآن ، انه ايقاع الحزن الذي يعلق الزمن الشعائري في لحظة كربلائية ممتدة
ووفقا” للمقاربة السيميائية ، أن التفاعل المشترك مابين الرادود والجمهور يتأسس على بنية سيميائية ، فكل علامة صوتية يصدرها الرادود تقابلها استجابة من الجمهور من التنهد والدموع واللطم وحتى الترديد الجماعي ، وهنا تتحول العلامات الصوتية الى علامات حركية وجسدية ، أي أن السيمياء تتسع لتشمل الحواس كلها وليس حاسة السمع وحدها ، فالجمهور لايستقبل فقط ، بل يفكك العلامات ، ويتفاعل معها ، ويعيد انتاجها داخل جسده وهو ماينتج فضاء” سيميائيا” جماعيا” يعيد بناء الحزن كجمالية جماعية.
ان الحزن العاشورائي لايتجلى كمعنى جاهز ، بل يتشكل عبر الصوت كـأداة سيميائية ، تعمل على تحويل الانفعال الفردي الى بنية جماعية دلالية ، ويؤدي الصوت دورا” مركزيا” في هذا التحول ، من خلال وسائله التعبيرية التي تنقل الحزن من مستوى الوجدان الى مستوى الرمز ، لذا يشكل الصوت في العزاء العاشورائي منظومة جمالية وسيميائية تجعل من الحزن لغة مكتملة الرموز والمعاني.
عدنان راشد القریشي
محمد العراقي
علي عبد الكريم عبد اللطيف
التعليقات