ريبورتاج صحفي عن جلسة لنادي السرد
بين الهندسة والخيال.. أمسية تحتفي بأمير رأفت وروايته «لعنة قديمة جداً»
لم تكن الأمسية التي احتضنها نادي السرد في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق جلسة لتقديم رواية فائزة فحسب، بل بدت كأنها رحلة داخل مختبر الكتابة الروائية، حيث تداخلت الأسئلة النقدية مع شهادات الكاتب، والتقت رؤى النقاد مع فضول القراء لاكتشاف أسرار رواية «لعنة قديمة جداً» للروائي الشاب أمير رأفت، الحائزة على المركز الأول في مسابقة الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق لعام 2023.
منذ اللحظات الأولى للجلسة، التي أدارها الروائي خضير فليح الزيدي، كان واضحاً أن الحوار لن يقتصر على الاحتفاء بإنجاز روائي، بل سيتحول إلى نقاش عميق حول تحولات الرواية العراقية وأسئلة الكتابة الجديدة، بحضور نخبة من الروائيين والنقاد والأكاديميين والمهتمين بالشأن الثقافي.
استهل الزيدي حديثه بتقديم مدخل إلى الرواية، موضحاً أن بطلها مهندس يعيش قلقاً وجودياً متصاعداً، يشعر بأن العالم من حوله يتجه نحو كارثة وشيكة، وأن هذا الإحساس الغامض يقوده إلى رحلة بحث عن المعنى وسط واقع مضطرب. ومن هذه الإشارة انطلقت سلسلة من القراءات التي تناولت النص من زوايا متعددة، لتكشف أن الرواية لا تروي حكاية فرد بقدر ما تطرح أسئلة مجتمع بأكمله.
وعندما أمسك أمير رأفت بالميكروفون، بدا أكثر قرباً من تجربته الإنسانية منه إلى الاحتفاء بفوزه. تحدث بهدوء عن الكتابة بوصفها فعلاً شاقاً، قائلاً إن الكاتب يعيش مع نصه ساعات طويلة من التعب والشك، لكنه في النهاية يكتشف أن كل ذلك العناء يتحول إلى متعة خالصة لحظة اكتمال العمل.
واستعاد رأفت بداياته مع الشعر والقصة القصيرة والمقال، قبل أن يجد في الرواية الفضاء الأوسع لاستيعاب أفكاره وأسئلته، مؤكداً أن تفاصيل الحياة اليومية هي المنجم الحقيقي الذي يستخرج منه مادته السردية، وأن الإنسان يبقى محور كل كتابة مهما تنوعت موضوعاتها.
الجزء الأكثر حيوية في الأمسية بدأ مع تقديم الأوراق النقدية، إذ تحولت الجلسة إلى ورشة فكرية ناقشت بنية الرواية وآليات اشتغالها الفنية. وشارك في النقاش كل من الناقد حمدي العطار، والروائي حسين محمد شريف، وأمين الموسوي، ويوسف عبود جويعد، وسعد عودة، الذين قدموا قراءات متباينة لكنها التقت عند الإقرار بأن أمير رأفت ينتمي إلى جيل يسعى إلى تجديد أدوات الرواية العراقية.
وفي ورقته النقدية، رأى حمدي العطار أن «لعنة قديمة جداً» لا تعتمد على الحكاية وحدها، وإنما تستثمر الرمز والأسطورة لإعادة قراءة الواقع العراقي. وأوضح أن الشخصية الرئيسة تمثل نموذجاً للمثقف الإشكالي الذي يعيش اغتراباً دائماً، وأن «اللعنة» في الرواية ليست حدثاً غيبياً، بل استعارة للماضي الذي يواصل مطاردة الحاضر، وللذاكرة التي تثقل الإنسان العراقي بأعباء التاريخ والحروب والتحولات.
وأشار العطار إلى أن الرواية تنجح في إدارة الزمن السردي بطريقة تجعل الماضي والحاضر يتجاوران داخل نسيج واحد، بحيث يشعر القارئ أن الأزمنة تتحاور ولا تتعاقب، وهو ما يضفي على النص حيوية فنية وعمقاً فكرياً.
وفي قراءة أخرى، توقف العطار عند ملامح المشروع السردي لأمير رأفت، معتبراً أن الكاتب يكتب بعقل المهندس وخيال الروائي، وهو ما ينعكس على إحكام البناء الروائي ودقة توزيع الأصوات والشخصيات. وأضاف أن الكاتب يتجنب المصادفة السردية، ويعتمد على معمار فني مدروس يجعل الأحداث تتقدم وفق منطق داخلي واضح.
كما ناقشت الأوراق النقدية صورة المكان في أعمال رأفت، مؤكدة أنه لا يقدم المكان بوصفه جغرافيا جامدة، وإنما يحوله إلى فضاء نفسي وثقافي يعكس عزلة الإنسان وتحولات المجتمع. فالأحياء والمدن ليست مجرد مسارح للأحداث، بل شخصيات صامتة تشارك في تشكيل مصائر الأبطال.
ولم تخلُ الجلسة من الملاحظات النقدية الصريحة، إذ رأى بعض المتحدثين أن الخلفية الفكرية الواسعة للكاتب تظهر أحياناً في حوارات الشخصيات، فتمنحها لغة فلسفية قد تتجاوز مستوى وعيها الاجتماعي. كما دعا آخرون إلى تخفيف كثافة التناصات الأسطورية والرمزية في بعض المواضع، بما يحقق توازناً أكبر بين العمق الفكري وسهولة التلقي.
وتطرقت المناقشات أيضاً إلى النهايات التي يختارها الكاتب لشخصياته، والتي يغلب عليها طابع التشاؤم، حيث اقترح بعض النقاد أن تفسح الأعمال المقبلة مساحة أوسع للأمل والمقاومة، بما يعكس قدرة الإنسان على تجاوز الخراب، لا الاكتفاء بوصفه.
ورغم اختلاف زوايا القراءة، فقد اتفق الجميع على أن أمير رأفت يقدم تجربة تستحق المتابعة، وأن فوزه بجائزة اتحاد الأدباء لم يكن مصادفة، بل نتيجة مشروع روائي يقوم على رؤية فكرية واضحة، ولغة سردية متماسكة، وطموح دائم إلى التجريب.
ومع انتهاء الأمسية، لم يغادر الحاضرون القاعة وهم يتحدثون عن رواية واحدة فقط، بل عن أسئلة أكبر تتعلق بمستقبل الرواية العراقية، وقدرتها على استيعاب التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعيشها المجتمع. وكانت «لعنة قديمة جداً» الشرارة التي أطلقت هذا الحوار، بينما بدا أمير رأفت واحداً من الأصوات الشابة التي تراهن على أن الرواية ليست مجرد حكاية تُروى، بل رؤية تُعيد اكتشاف الإنسان والعالم.
هكذا اختتم نادي السرد جلسته النقدية، مؤكداً مرة أخرى أن الثقافة العراقية ما تزال قادرة على إنتاج حوار حي بين المبدع والناقد والقارئ، وأن الرواية العراقية، برغم كل التحديات، تواصل كتابة فصل جديد من حضورها في المشهد الثقافي العربي.
بين الهندسة والخيال.. أمسية تحتفي بأمير رأفت وروايته «لعنة قديمة جداً»
ريبورتاج صحفي عن جلسة لنادي السرد
بين الهندسة والخيال.. أمسية تحتفي بأمير رأفت وروايته «لعنة قديمة جداً»
لم تكن الأمسية التي احتضنها نادي السرد في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق جلسة لتقديم رواية فائزة فحسب، بل بدت كأنها رحلة داخل مختبر الكتابة الروائية، حيث تداخلت الأسئلة النقدية مع شهادات الكاتب، والتقت رؤى النقاد مع فضول القراء لاكتشاف أسرار رواية «لعنة قديمة جداً» للروائي الشاب أمير رأفت، الحائزة على المركز الأول في مسابقة الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق لعام 2023.
منذ اللحظات الأولى للجلسة، التي أدارها الروائي خضير فليح الزيدي، كان واضحاً أن الحوار لن يقتصر على الاحتفاء بإنجاز روائي، بل سيتحول إلى نقاش عميق حول تحولات الرواية العراقية وأسئلة الكتابة الجديدة، بحضور نخبة من الروائيين والنقاد والأكاديميين والمهتمين بالشأن الثقافي.
استهل الزيدي حديثه بتقديم مدخل إلى الرواية، موضحاً أن بطلها مهندس يعيش قلقاً وجودياً متصاعداً، يشعر بأن العالم من حوله يتجه نحو كارثة وشيكة، وأن هذا الإحساس الغامض يقوده إلى رحلة بحث عن المعنى وسط واقع مضطرب. ومن هذه الإشارة انطلقت سلسلة من القراءات التي تناولت النص من زوايا متعددة، لتكشف أن الرواية لا تروي حكاية فرد بقدر ما تطرح أسئلة مجتمع بأكمله.
وعندما أمسك أمير رأفت بالميكروفون، بدا أكثر قرباً من تجربته الإنسانية منه إلى الاحتفاء بفوزه. تحدث بهدوء عن الكتابة بوصفها فعلاً شاقاً، قائلاً إن الكاتب يعيش مع نصه ساعات طويلة من التعب والشك، لكنه في النهاية يكتشف أن كل ذلك العناء يتحول إلى متعة خالصة لحظة اكتمال العمل.
واستعاد رأفت بداياته مع الشعر والقصة القصيرة والمقال، قبل أن يجد في الرواية الفضاء الأوسع لاستيعاب أفكاره وأسئلته، مؤكداً أن تفاصيل الحياة اليومية هي المنجم الحقيقي الذي يستخرج منه مادته السردية، وأن الإنسان يبقى محور كل كتابة مهما تنوعت موضوعاتها.
الجزء الأكثر حيوية في الأمسية بدأ مع تقديم الأوراق النقدية، إذ تحولت الجلسة إلى ورشة فكرية ناقشت بنية الرواية وآليات اشتغالها الفنية. وشارك في النقاش كل من الناقد حمدي العطار، والروائي حسين محمد شريف، وأمين الموسوي، ويوسف عبود جويعد، وسعد عودة، الذين قدموا قراءات متباينة لكنها التقت عند الإقرار بأن أمير رأفت ينتمي إلى جيل يسعى إلى تجديد أدوات الرواية العراقية.
وفي ورقته النقدية، رأى حمدي العطار أن «لعنة قديمة جداً» لا تعتمد على الحكاية وحدها، وإنما تستثمر الرمز والأسطورة لإعادة قراءة الواقع العراقي. وأوضح أن الشخصية الرئيسة تمثل نموذجاً للمثقف الإشكالي الذي يعيش اغتراباً دائماً، وأن «اللعنة» في الرواية ليست حدثاً غيبياً، بل استعارة للماضي الذي يواصل مطاردة الحاضر، وللذاكرة التي تثقل الإنسان العراقي بأعباء التاريخ والحروب والتحولات.
وأشار العطار إلى أن الرواية تنجح في إدارة الزمن السردي بطريقة تجعل الماضي والحاضر يتجاوران داخل نسيج واحد، بحيث يشعر القارئ أن الأزمنة تتحاور ولا تتعاقب، وهو ما يضفي على النص حيوية فنية وعمقاً فكرياً.
وفي قراءة أخرى، توقف العطار عند ملامح المشروع السردي لأمير رأفت، معتبراً أن الكاتب يكتب بعقل المهندس وخيال الروائي، وهو ما ينعكس على إحكام البناء الروائي ودقة توزيع الأصوات والشخصيات. وأضاف أن الكاتب يتجنب المصادفة السردية، ويعتمد على معمار فني مدروس يجعل الأحداث تتقدم وفق منطق داخلي واضح.
كما ناقشت الأوراق النقدية صورة المكان في أعمال رأفت، مؤكدة أنه لا يقدم المكان بوصفه جغرافيا جامدة، وإنما يحوله إلى فضاء نفسي وثقافي يعكس عزلة الإنسان وتحولات المجتمع. فالأحياء والمدن ليست مجرد مسارح للأحداث، بل شخصيات صامتة تشارك في تشكيل مصائر الأبطال.
ولم تخلُ الجلسة من الملاحظات النقدية الصريحة، إذ رأى بعض المتحدثين أن الخلفية الفكرية الواسعة للكاتب تظهر أحياناً في حوارات الشخصيات، فتمنحها لغة فلسفية قد تتجاوز مستوى وعيها الاجتماعي. كما دعا آخرون إلى تخفيف كثافة التناصات الأسطورية والرمزية في بعض المواضع، بما يحقق توازناً أكبر بين العمق الفكري وسهولة التلقي.
وتطرقت المناقشات أيضاً إلى النهايات التي يختارها الكاتب لشخصياته، والتي يغلب عليها طابع التشاؤم، حيث اقترح بعض النقاد أن تفسح الأعمال المقبلة مساحة أوسع للأمل والمقاومة، بما يعكس قدرة الإنسان على تجاوز الخراب، لا الاكتفاء بوصفه.
ورغم اختلاف زوايا القراءة، فقد اتفق الجميع على أن أمير رأفت يقدم تجربة تستحق المتابعة، وأن فوزه بجائزة اتحاد الأدباء لم يكن مصادفة، بل نتيجة مشروع روائي يقوم على رؤية فكرية واضحة، ولغة سردية متماسكة، وطموح دائم إلى التجريب.
ومع انتهاء الأمسية، لم يغادر الحاضرون القاعة وهم يتحدثون عن رواية واحدة فقط، بل عن أسئلة أكبر تتعلق بمستقبل الرواية العراقية، وقدرتها على استيعاب التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعيشها المجتمع. وكانت «لعنة قديمة جداً» الشرارة التي أطلقت هذا الحوار، بينما بدا أمير رأفت واحداً من الأصوات الشابة التي تراهن على أن الرواية ليست مجرد حكاية تُروى، بل رؤية تُعيد اكتشاف الإنسان والعالم.
هكذا اختتم نادي السرد جلسته النقدية، مؤكداً مرة أخرى أن الثقافة العراقية ما تزال قادرة على إنتاج حوار حي بين المبدع والناقد والقارئ، وأن الرواية العراقية، برغم كل التحديات، تواصل كتابة فصل جديد من حضورها في المشهد الثقافي العربي.
التعليقات