الدكتور عبد الإله أحمد: باحثٌ غَدَر به المجتمعُ الأكاديميّ

صورة الكاتب
بقلم: د. عبدالله ابراهيم
التاريخ: 21 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 3259
الدكتور عبد الإله أحمد: باحثٌ غَدَر به المجتمعُ الأكاديميّ

الدكتور عبد الإله أحمد: باحثٌ غَدَر به المجتمعُ الأكاديميّ

١
أبدأ شهادتي  عن أستاذي الدكتور عبد الإله أحمد بقطع الشكّ باليقين: إنّه باحث ضليع في نشأة الأدب القصصي في العراق، ولم يُعقبه أحد في مساره الطويل ذلك. ومدخلي إلى الكتابة عنه يتنزّل في منطقة انشقاق النقد الجديد عن القديم، إذ ترك ذلك الانشقاق أثره في شهادتي حوله، وهو غير الخلاف بينه وأقرانه الذي لا يعود إلى اختلاف في الرؤية والمنهج فحسب، إنما إلى خلاف في الأمزجة والأدوار؛ فعدم قبول المجتمع الأكاديمي له يعود إلى أحكامه القاطعة بحقّ أقرانه، وكثيرٌ منها صائب. وإن طلبتُ الدقّة في القول، فالحدّة في مزاجه أربكت علاقته بالمجتمع الأكاديمي في العراق، وأفردته عنه. وأقول بثقة العارف إنّه من الجحود انتقاص دور عبد الإله أحمد باحثًا قلّ نظيره للأدب القصصي العراقي، فمقامه في العراق مماثل لمقام عبد المحسن طه بدر في مصر، والأخير هو الذي أشرف عليه في جامعة القاهرة، ونال جهده اعترافًا لا يدانيه اعتراف آخر، وبه يُضرب المثل في الدقّة والإحاطة. وهو من أولئك الباحثين الكبار الذين رسفوا في أغلال التقاليد النقدية القديمة، وانتهوا إلى موقف لا يُحسدون عليه بحكم دخول المعارف النقدية الحديثة، وتفرّقوا أيدي سبأ حتى لا يكاد يُذكرهم أحد.
انفرد عبد الإله أحمد بحقل في البحث اختصّ به، ولم يدانه أحد في النتائج التي انتهى إليها، فهو الرائد المؤسس لتلك النشأة على الرغم من وجود محاولات بسيطة سبقته في ذلك. فقد قامت أطروحته للماجستير التي صدرت بكتاب عنوانه «نشأة القصة وتطورها في العراق: 1908 ـ 1939» على قاعدة التأريخ الوصفي لنشأة القصة العراقية بوصفها نوعًا سرديًّا جديدًا تشكّل داخل سياق اجتماعي وثقافي في النصف الأول من القرن العشرين، فربط ظهور القصة بالتحولات المجتمعية والثقافية. وواصل ذلك في أطروحته للدكتوراه التي نشرت بكتاب عنوانه «الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية»، فأخذ بالمنهج ذاته في عرض تاريخي، وتصنيف زمني، وأحكام قِيمية، من دون اهتمام كبير بالتحليل البنيوي أو الأسلوبي؛ لأن وظيفة النقد عنده تعريفية وتقويمية، غايتها تثبيت تقاليد القصة الواقعية والإنسانية. وبذلك فهو يمثل نموذج الناقد المؤرّخ والحَكَم، لا الناقد المنهجي أو النصّي، وهو عارف بذلك ومدافع عنه.
ودفع كلّ ذلك بعد الإله أحمد إلى موقع الناقد المحافظ على تقاليد الدرس النقدي القائل بربط الأدب ببيئته وعصره، وهو ضرب من النقد شاع في القرن التاسع عشر في أوروبا، وانتقل إلى الأدب العربي في القرن العشرين. ونتج عن تمسّكه به رفضٌ للمناهج الحداثية في معالجة الظاهرة السردية، فهو يراها تُقصي التاريخ والسياق والذائقة، وتُفرغ الأدب من وظيفته الإنسانية. ولم يكن يتحرّج من إصدار أحكام تفضيلية، ويرى ذلك من صميم وظيفة الناقد. تكمن أهمية عبد الإله أحمد في كونه حارسًا لتقليد نقدي عراقي ربط القصة بالواقع. ولم ينتقل إلى ما انتهى النقد إليه من كون السرد يتولّى، بالتمثيل والتخييل، ملامسةً مجازيةً للحواضن الثقافية والاجتماعية التي يظهر فيها.
٢
ولأنني عاصرت جانبًا من انحسار الضوء عن الحضور النقدي للدكتور عبد الإله أحمد جرّاء ظهور المناهج النقدية الحديثة، وحدّته في معارضتها، حتى لو جرى تكليفه بالإشراف الأكاديمي على بعض الآخذين بها، فلا ترتسم صورته ناقدًا إلا بعرضها على شاشة الخارطة الثقافية في العقود الأخيرة للقرن العشرين. فقد ارتوى الجيل النقدي السابق لجيلي من ثمالة ما وصل إليه من دراسات أدبية عن الواقعية الموضوعية أو الواقعية الاشتراكية؛ فالمنزع الماركسي في دراسة الأدب له ظلال في الثقافة العراقية، وحُشدت جملة من المفاهيم عن الشكل والمضمون التي طرحتها الأدبيات الماركسية قبل الحرب العالمية الثانية، وأحدثها عهدًا يتّصل بلوكاش في مرحلته الماركسية المتشددة، وغاب عنها التطور الجذري الذي طرأ على الدراسات الأدبية عند أقطاب مدرسة فرانكفورت، ولم يسمع أحد بباختين ولا غولدمان.
وركن النقد العراقي إلى انطباعات شارحة رسّخ أهميتها الدكتور علي جواد الطاهر، وأتباعٌ له تكاثروا في تلك الحقبة، أو جهود نقدية فردية استظلّت بمعطيات الفكر الماركسي اعتمادًا على نظرية الانعكاس، تولّاها أوّل الأمر شجاع العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير، وطرّاد الكبيسي، أو دراسات تاريخية توثيقية للظاهرة السردية انصرف لها عبد الإله أحمد وعمر الطالب. وإنّما هذه أمثلة على المسارات العامة للنقد العراقي، غير أنه يمكن العثور على عشرات المشتغلين بالممارسة النقدية، وبخاصة الأكاديمية، يمكن إدراجهم في هذا المسار أو ذاك، وقد انحبست أكثر جهودهم في الحرم الجامعي، ولم تفعل فعلها في المجتمع الثقافي.
قوبلتْ المناهج النقدية الجديدة بصدودٍ واضح من قِبَل الجيل النقدي السابق لجيلي، الجيل الذي رأى في الأدب انعكاسًا للواقع، فراح يبحث فيه لتأكيد درجة أمانته في تصويره، أو أنّه تشبّع بمقولات المنهج الانطباعي الذي يقف على ما يثيره الأدب في نفس الناقد من مشاعر وعواطف وانفعالات، أو المنهج الاجتماعي المعني باستدعاء القيم الاجتماعية من تضاعيف المادة الأدبية. شمل التضييق سبل النشر على المشتغلين بالدراسات الحديثة، وأشاع أتباع النقد القديم تُهمًا مزوّرة عنهم، وثلبوا في قدراتهم العلمية. ومشاقّ الاعتراف في المجتمع الثقافي تكاد تُجهض المرء عن بلوغ أهدافه إن لم يكن حصيفًا وصبورًا وجريئًا.
في ظل تلك الأجواء الثقافية المشحونة بالإنكار من جهة القدماء، والغرور من جهة المحدثين، تعرّفت على أستاذي عبد الإله أحمد. والحقّ، فلم أكن على دراية بتفاصيل حاله قبل أن أسعى ليكون مشرفًا على أبحاثي في الدراسات العليا. إنما جذبتني إليه سمعته ناقدًا صارمًا، وهو ما كنت أريده، وأبحث عنه. ولعل سمعته النقدية خارج الوسط الثقافي تفوق سمعته الأكاديمية داخل الجامعة. وقد بنيت حكمي على قراءتي معظم ما كتب، وهو قليل، ولم ألتقِ به قبل أن ألتحق طالبًا للماجستير في كلية الآداب، جامعة بغداد، في ربيع عام 1985.
ومن قبيل الادعاء القول إنّ طالبًا حديث العهد بالبحث لديه قدرة الإلمام بمنهج أستاذه. وليس يجوز تضخيم أمر لم يكن، ولا تلفيق آخر ما حدث قط. ولعلّه من قبيل العجب أن الافتراق المنهجي الذي تنامى بيننا بمرور السنوات لم يخدش في تقديري مقام أستاذي باحثًا مرموقًا حتى توفّاه الله في عام 2007. وطوال الأعوام التي أشرف فيها عبد الإله أحمد على أطروحتيّ للماجستير والدكتوراه، ما وجدته يُضمر تقديرًا للمعرفة النقدية الحديثة، وغالبًا ما كان يستهزئ بها، وحتى يجهر بمقتها. وأبى أن يتماشى مع مظاهر التجديد التي شاعت في كلّ مكان تقريبا، وعُرف عنه الحكم على سذاجتها، كأنّ ذلك من بديهيات الأمور التي يجب الإقرار بها. وإسرافه في الذمّ يُسابق إسرافه في الانفعال. ونتج عن ذلك أن تقطّعت به سبل التواصل مع أقرانه كلّهم تقريبًا.
٣
حينما التحقتُ طالبًا للماجستير في كلية الآداب، لم يكن هناك بين أعضاء هيئة التدريس في قسم اللغة العربية أيّ أستاذ مختصّ في الدراسات السردية؛ فكان الدكتور عبد الإله أحمد هو الوحيد المختص بدراسة الأدب القصصي في العراق، ولا بدّ من السعي إليه قبل سواه، فضلًا عن سمعته النقدية الرفيعة في مجاله. ولمّا قصدته طالبًا أن يتولّى الإشراف على بحثي لم يكتم سرًّا، فأخبرني أنّ عمادة الكلية كفّت يده عن الإشراف منذ سنوات، غير أنّه يقبل بالإشراف إذا ما جرى تكليفه رسميًّا.
قصدتُ عميد الكلية، الدكتور نوري حمودي القيسي، عارضًا أن يكون الدكتور عبد الإله أحمد مشرفًا على أطروحتي، فحذّرني من مغبّة ذلك، فقد يُعيق عملي في مرحلة من المراحل كما حدث لغيري من قبل؛ إذ سبق للعمادة أن حجبت عنه الإشراف على الأطاريح لما نتج من مشاكل بينه وبين الطلبة الذين أشرف عليهم، فتخلّى عنهم قبل إنجاز أطاريحهم، ما أحدث مشاكل صعبة العلاج، منها عدم قبول مشرف بديل يتولّى الإشراف عن طالب تخلّى عنه مشرف أصيل، فلا بدّ أن تكون علّة في الطالب دفعت بمشرفه إلى التخلّي عنه. ودفع ذلك عمادة الكلية إلى كفّ يده عن الإشراف، ولعلّي كنت الطالب الأول الذي خرج على ذلك العهد، فاستأنف معي الإشراف العلمي، ولا أعرف أحدًا تولّى الإشراف عليه بعد استكمال أطروحتيّ للماجستير والدكتوراه.
ما إن استحصلتُ على موافقة العميد حتى توجّهتُ إليه أخبره بالأمر، وبدأتُ أعرض عليه مادّة البحث التي شرعتُ في جمعها قبل ذلك. وحالما بدأتُ مناقشة الكيفية التي أركّب بها البحث، وجدته غير ملمّ بأهمّ المفاهيم الجديدة عن السرد، وهو مفهوم «البناء الفنّي» الذي حمله عنوان الأطروحة. وبمرور الأيام بدأ يطلب الاطّلاع على المصادر التي كنت أُحدّثه عنها في لقاءاتنا، فحملتُ إليه بعضها لنتشارك في الأفكار التي أنوي إدراجها في البحث، منتظرًا أن يُرشدني إلى الصواب الذي كنتُ في أمسّ الحاجة إليه. ومرّت أشهر وأنا أترقّب ما سيوجّهني به، إلى أن أخبرني بأنّه لم يطّلع على أيّ ممّا حملته إليه، بل لا يُقرّ بأهمية المدخل الجديد في الدراسات السردية، وانتهى الأمر بأن طلب إليّ كتابتها بمعزل عن مشورته الأكاديمية، فهو لا يرى جدوى في هذا الضرب من الأطاريح. ولم يتفاعل معي ولا مع المناقشين حينما جرت مناقشة الأطروحة في خريف عام 1987. ومن الصحيح أنّه لم يكن سلبيًّا معي، كما حدث في مناقشة أطروحة الدكتوراه، لكنه لم يشاركني أيّ رأي حول بحثي حتى النهاية.
ولمّا قُبلتُ في دراسة الدكتوراه بعد عام من ذلك، قصدته، أيضًا، بعد السنة التمهيدية، ليُشرف على أطروحتي عن «السردية العربية»، فقبل من دون نقاش. وقد عوّلتُ على انفتاحه على المناهج الجديدة، ولا سيّما أنّ الدراسات السردية بدأت في الشيوع وجذبت اهتمام النقّاد والأساتذة. وما إن بدأتُ في الكتابة حتى رحتُ أعرض عليه ما أكتب، كما فعلتُ في تجربتي الأولى، فما كان منه إلا أن أغلق الباب في وجهي، مكرّرًا الموقف ذاته، وزاد بأن أخبرني أنّه منقطع عن الموروث السردي، فضلًا عن عدم اهتمامه بالمناهج الحديثة التي تعالجه، وكرّر طلبه إليّ كتابة الأطروحة من دونه. وكانت حجّته في ذلك أنّني أصبحت ناقدًا، وعلى دراية بما أُريد، فقد استقام أمري خلال الأعوام الماضية، وصرتُ قادرًا على الإبحار وحدي. فكان يصدّني عن استشارته، واستمرّ الحال على ذلك المنوال مدة عامين متواصلين، ولم يحدث أن تطرّقنا إلى موضوع الأطروحة التي يُشرف عليها على كثرة ما كنّا نلتقي.
فرغتُ من كتابة الصيغة الأولى للأطروحة في أوّل مارس من عام 1991، وكانت بغداد في أسوأ حال رأيتها فيه بسبب تداعيات حرب الخليج الثانية إثر غزو الكويت؛ إذ توقّفت المواصلات، وانقطعت الكهرباء، وشحّ الغذاء والماء، وتعطّل التعليم بمراحله كافة، وعمّت الفوضى معظم أرجاء العراق. فحملتُ المخطوط الضخم إليه ليطّلع عليه ويُجيزه، لكي أتولّى طباعته وعرضه على المناقشة. وصلتُ بيته في حيّ المنصور في أوّل المساء، فاستقبلني مذعورًا؛ إذ كاد يُقتل في الليلة الماضية جرّاء شظية قنبلة ثقبت أعلى باب منزله وحطّمت جزءًا من الجدار، فأوقفني عند مدخل البيت وراح يُطلعني على الخطر الذي اقترب منه، فقد كان على مقربة من موت محقّق.
خطر لي أن أعود من حيث أتيت، فما كان قدومي بالمناسب في ذلك الوقت، لكنه دعاني إلى الدخول، وأجلسني في الصالة التي تنتهي بمكتبته الشخصية الصغيرة. وإثر مجاملات فاترة أخبرته بأنني عزمتُ على مغادرة العراق في أقرب فرصة تتوفّر لي، وأُريد نيل شهادتي العليا قبل الخروج، فذكّرني بما اتّفقنا عليه من قبل من كتابة الأطروحة من دون العودة إليه، وطلب أن أطبعها من دون مراجعته. فرحتُ ألتمس منه الاطّلاع عليها وإبداء الملاحظات، فتلك آخر فرصة لي في التعديل والتنظيم، ووافق بعد تردّد شابه الامتعاض من طلب جاء في غير أوانه. واتّفقنا على أن أزوره بعد نحو شهر في بيته، فقد كانت الجامعات مغلقة، والحياة معطّلة بسبب الحرب التي خرّبت كلّ شيء تقريبًا.
وحينما جئتُ في الموعد وجدته قد جرّد قلمه، وأبدى عددًا وافرًا من الملاحظات على حواشي الأطروحة بقلم الرصاص، ملاحظات دقيقة لا شائبة فيها، وفي معظمها يُعارض ما انتهيتُ إليه، وطلب منّي إعادة النظر في ما كتبتُ في ضوئها. وكانت الملاحظات، في مجملها، مفيدة لي في تصويب طريقة عرض الأفكار، وتدارك النتائج. حملتُ المخطوط إلى البيت، وخلال أشهر الربيع والصيف أعدتُ كتابة الأطروحة، آخذًا في حسابي معظم ملاحظاته، ومطوّرًا ما كتبته في الصيغة الأولى التي دوّنتها من قبل، وذهبتُ بها إلى دار للطباعة بعد أن وقّع هو الأمر بالموافقة عليها، وحُدّد موعد المناقشة في الخريف.
٤
انتهت مناقشة الأطروحة في الثالثة من بعد ظهر 3/10/1991 بعد ستّ ساعات متواصلة، انصبّ النقاش خلالها على «الشفاهية العربية» وأُهملت «السردية العربية». وكان مدخل الأطروحة هو الذي وقع الاختلاف حوله. قوبلتُ بمعارضة شديدة حينما أشرتُ إلى أنّني حيثما أشير إلى «الثقافة العربية» فلا أرمي إلى «مقصد عِرقي»، إنما إلى «الثقافة التي أنتجتها اللغة العربية، والتي كان التفكير والتعبير فيها يترتّب بتوجيه من الخصائص الأسلوبية، والتركيبية، والدلالية لتلك اللغة. وقد امتثلت تلك الثقافة لأساليب العربية، ودلالاتها، وأسهمت فيها أعراق كثيرة إلى جوار العرب». فُهم ذلك على أنّه انتقاص من دور العرب، وتعريض بالحضارة العربية التي وصفتُ بداياتها بالشفوية. كما توسّعت في بحث العلاقة الشائكة بين الإسلام والسرد في زهاء ثمانين صفحة.
قاد الدكتور داود سلّوم تهمة تعمّدي الإساءة إلى الثقافة الدينية، والسعي إلى تقويضها، واسترسل في تقليب مخاطر نقدها؛ فالثقافة الدينية لا يجوز عليها النقد، كأنها مقدّسة لا سبيل لاستئناف النظر في تضاريسها. ضخّم سلّوم المخاوف لدى المناقشين الذين بدأوا يؤيدونه ضمنًا كلّما شرع أحدهم في الحديث، وطال النقاش إلى درجة راح فيها يقرأ صفحات من الأطروحة أمام الجمهور الذي غصّت به قاعة «الفراهيدي». ومن ذلك أنّه قرأ جملة تنصّ على أنّ القصص القرآني لم يُؤتَ به للتسلية، إنما للاعتبار، فلم يلحظ أداة النفي، وقرأ الجملة على أساس أنّ ذلك القصص جاء للتسلية، وشرع يطعن في موقفي الديني، ويشهّر بي أمام الحضور وأجهزة الإعلام، فرغبته في اتهامي جعلته لا يرى أداة النفي. ثم مضى يعرّض مستخفًّا، وهو يُنحي باللائمة عليّ، وقد رسم لي صورة المارق، فكأنّه داعيةٌ ضبط زنديقًا في ميدان الضلال، وتشفّى منه تقريعًا على خلفية تقوية من الإيمان العميق؛ فتخريج القصص القرآني على أنّه للتسلية يلزم عنه إبطال الهدف الاعتباري للقرآن. وهذا تأويل متعسّف قوّلني إيّاه، ولم يكن.
ولمّا انتهى ظافرًا، أغلق صفحات الأطروحة، ثم خاطبني: «ماذا تقول الآن يا عبد الله بعد كلّ ذلك؟». فأجبته بأن يفتح الصفحة التي قرأها، ووجّهت كلامي إليه، قائلًا: «يا أستاذي، إنّك تعمّدت ألّا تقرأ أداة النفي في الجملة، ولو قرأتها لعرفتَ بأنني ما قلتُ إنّ القصص القرآني جاء للتسلية، إنما جاء للاعتبار». فُوجئ بالأمر، وفتح الصفحة، وقرأ الجملة كما هي، فضجّ الجمهور، وأغلق الأطروحة، ورماها على المنضدة، وقال: «إنني أُنهي مناقشتي». أعاد تصويبُ الخطأ الأمورَ إلى نصابها، لكن ربط سلّوم الشفاهية بالبدائية، ثم بالدين، عقّد الأمر، فقد أعرض المناقشون عن متن الأطروحة، وهو عن بنية الأنواع السردية الكبرى الثلاثة: الحكاية الخرافية، والسيرة الشعبية، والمقامة، وشغلوا بالتمهيد الموسّع الذي بينّ الأصول الشفوية لتلك الأنواع، وتأثير الإسلام في رسوخ تلك الأصول.
وعلى الرغم من أنّ الدكتور جلال الخياط، وهو رئيس لجنة المناقشة، تفهّم النتائج التي توصّلتُ إليها، ولم يعترض عليها، وأنّ الدكتور ناصر حلاوي كان على معرفة بها منذ انبثقت الفكرة التي حدّثته بها في بيته قبل سنوات، وأنّ الدكتور جميل نصيف، الذي يستند إلى خلفية ماركسية، ما كان يعبأ بذلك، وأنّ الدكتور فائق مصطفى عدّ الأمر حقًّا من الحقوق الفكرية التي لي الحرية في أن أنتهي إليها، إلّا أنّ الظهور العدواني للدكتور داود سلّوم، وتأجيج الكراهية بادّعاء أنّني ضدّ كلّ ما يتصل بالقيم الدينية، والعِرقية، والثقافية، والتاريخية، جعلهم أكثر تشدّدًا في قبول النتائج، ودفعهم إلى الشكّ في خطورتها.
وكان من الصعب أن يزجّ أستاذٌ مناقشٌ نفسه في موضوع حسّاس كالذي طرقتُه، وطوال الساعات الستّ من الجدل كان المشرف، الذي لا يفصلني عنه سوى متر واحد، يتميّز غيظًا، وقد احمرّ وجهه وهو يحدّق منفعلًا إليّ. فطبقًا للإجراءات المعمول بها في المناقشات الأكاديمية، فإنّه يختِم بالدفاع عن الرسالة، باعتباره مشرفًا عليها، وشاهدًا على نموّها من كونها فكرة إلى أن استقامت أطروحة. وعندما مُنح حقّ الحديث في الدقائق الأخيرة، فإنّ ما جاء به لم يقله أحد في تاريخ المناقشات في الجامعات العراقية، فيما أحسب. قال بأنّه يوافق المناقشين على كلّ ما قالوه فيما يخصّ الربط بين الشفاهية والدين؛ فالطالب دخل منطقة خطرة، وقد حُذّر منها، لكنّه أصرّ على رأيه، وبوصفه مشرفًا على الأطروحة فهو يتبرّأ منها؛ لأنّ صاحبها لم يعتدّ بإشرافه إلى درجة أنّه كتبها في منأى عن مشورته، وعليه فلا علاقة له بما ذُكر فيها. ثم أنكر اطّلاعه عليها، وتبرّأ منها، لأنه لا يعرف مضمونها، وبذلك يسحب يده منها، ولولا تريّث لجنة المناقشة، وعدم أخذها بموقفه المنفعل في ختام المناقشة، لجرى إلغاء الأطروحة بذريعة عدم اطّلاع المشرف على ما ورد فيها، وثم عدم موافقته عليها.
اعتبرتُ خاتمة المناقشة تدميرًا لجهدي يأتي من قِبَل المشرف. لم أكن أنتظر منه دفاعًا، ولكن ينبغي عدم تأجيج الموقف ضدّي بإعلان براءته من جهد أمضيتُ فيه أكثر من ثلاث سنوات، وقد اطّلع عليه بتمامه، وترك ملاحظاته عليه؛ فذلك أغضبني، ورسّخ في نفسي إحساسًا بأنّه غير آبه بما قدّمت، وكأنه غدر بي في اللحظة الأخيرة التي لم يبق لي فيها فرصة للدفاع عن موقفي. من الصحيح أنّني كنت أعرف بأنّه لا يوافق على أفكاري فيما يخصّ الأصول الشفوية والدينية للسرد العربي القديم، ولكن ادّعاءه بأنّه حذّرني من ذلك لم يكن صحيحًا؛ إذ لمّا وجد أنّني أُثير قضايا لا دراية له بها، قال لي: اكتب الرسالة ودعني أقرأها بعد انتهائك منها. وعلى هذا مضيت أكتب بناءً على الاتفاق إلى أن انتهيت. وقد قرأها بدقّة، وترك ملاحظات على كلّ صفحة فيها تقريبًا، وانتفعتُ منها في الصياغة الأخيرة للأطروحة.
رجّح لديّ أنّ لجنة المناقشة سترفض الأطروحة لتتجنّب أيّ مساءلة بخصوص عرض الصلة بين الإسلام والسرد، ومناقشة الشفوية العربية، ولكن سرعان ما دخل المناقشون كالكرادلة يتقدّمهم الخياط بانحناءته الكهنوتية، فتلا قرار اللجنة بإجازة الأطروحة، مع حذف جزء من الفصل الثاني منها، وهو عن «الرؤية الدينية وهيمنة الأصول». ففي حال الاستعجال والخلاف بين الأعضاء، واستجابة لعناد سلّوم، أخطأت اللجنة فأوصت بحذف جزء لا صلة له بالخلاف المتعلّق بفصل آخر أعالج فيه موقف الإسلام من الكتابة، فيما الفصل الذي طُلب إليّ حذف جزء منه يخصّ موقف الإسلام من السرد. ولمّا أخبرتُ الخياط بالخطأ، وبأنّ اللجنة أوصت بحذف شيء لا علاقة له بالخلاف الذي شجر بيننا، طلب التغاضي عن إثارة الخطأ كيلا ينكشف الأمر، ريثما يُحلّ الموضوع سرًّا بعد ذلك.
وأُرجّح أنّ موقف أستاذي من الأطروحة استجدّ حينما فُوجئ بالمناقشة الحامية حول موقفي من التراث الديني، ورأيي في الأصول الشفهية للظاهرة السردية وعلاقتها بالدين، ففضّل أن يُعفي نفسه من مسؤولية بحثٍ ضرب بعيدًا في مناقشة قضايا خلافية لها صلة بالدين والسرد، وطرق موضوعه بمنهجية غير معهودة في البحوث الجامعية. وقد صدق حدسه؛ فقد أُرغمتُ على حذف صفحات من الأطروحة قبل توقيع داود سلّوم على إجازتها، وسرعان ما وقعت مساءلتي عمّا ورد فيها من قِبَل وزير التعليم العالي، وفُتح تحقيق حول مضمونها، وظروف مناقشتها، وحُظر نشرها في العراق بعد ذلك، وقد نشرت بطبعات عدة بعد ذلك خارج العراق، ولم تنشر فيه أبدا.
٥
ما عدتُ أرى، بعد مرور زمن طويل على تلك الأحداث، أيّ أهمّية في ازدراء الماضي أو في تبجيله؛ فلا الاحتقار ينفع، ولا التعظيم يُفيد. فتلك حقبة تكوين جيل نقديّ تعثّر في مسعاه مثل أيّ جيل جديد، لكنّه شقّ طريقه باستيعاب بعض معارف عصره، وطرح ما تهرّأ من الأفكار الشائعة عن المادّة الأدبيّة، وأقحم نفسه في المجتمع الأدبيّ، والمجتمع الأكاديميّ، وتجشّم عناء الذمّ والانتقاص، ومضى في سعي حثيث أثمر، فيما بعد، دراسات حفرت في الموروث السرديّ، ونتج عن جهوده حفظ النقد التقليديّ في أرشيف تاريخ الأدب، بعد أن كفّ عن وظيفته في معالجة الظاهرة السرديّة.
ويحتمل أن يُجافي هذا الوصف حقيقة ما حدث، عند أولئك الذين لم يُعاصروا ذلك المخاض الثقافيّ العارم، لكنّ الشهادة الحيّة المواكبة له تُؤكّد الانقسام بين رؤيتين نقديّتين للمادّة الأدبيّة، دخلتا في صراع أفضى إلى انحسار الرؤية التقليديّة للأدب، ومعها المنهجيّة الموروثة في تحليله، ورسوخ الاتّجاهات الجديدة التي كانت مزيجًا من مفاهيم وردت إلى الثقافة العربيّة من الحواضر الغربيّة، وعمليّة تفكير جديدة اقتضتها التحوّلات الثقافيّة والاجتماعيّة؛ فانصهر هذا في ذاك، وأثمر منهجيّة كفؤة عرّضت الظاهرة السرديّة لفحص غير مسبوق، ومعاينة لم يتنبّه إليها قدامى المشتغلين في مضمار الأدب.
أعزو الخلاف المنهجيّ مع أستاذي عبد الإله أحمد، ومعاصريه من الأساتذة والنقّاد في العراق في ثمانينيات القرن العشرين وبعدها، إلى عدم قبول الجديد لجدّته، وهو أمر شائع في الآداب العربيّة وغير الغربيّة؛ إذ تعترض الآداب الراسخة على الجديد مدّة من الزمن، بدل أن تختبره، وتقبله أو ترفضه. ولا تُحمد الصلابة في المواقف ضدّ الجديد، ولا الاستهانة بالقديم؛ فتاريخ الآداب تاريخ تفاعل أكثر من كونه تاريخ تقاطع. ومن يحبس نفسه في قوقعة موقف من ذلك يتخطّاه ذلك التاريخ. وحينما ألتفت إلى الماضي أجد شواهد لا حصر لها على ذلك؛ فكلّ من عارض الجديد لجدّته أصبح في طيّ النسيان، وكلّ من استهان بالقديم لقدمه لقي المصير ذاته. إن فتح المنافذ بين الآداب وتواريخها، وإحداث تفاعل بينها، هو السبيل إلى إثرائها. ولعلّ دأبي على استخلاص مفهوم «السرديّة العربيّة» من إرث سرديّ ضخم بمنهجيّة نقديّة جديدة هو الذي رفع من حدّة عدم القبول بأفكاري.
لستُ أتشكّى من الظروف التي أحاطت بعملي النقديّ، لكنّني أعزو الصعاب التي واجهتها إلى عدم قبول الجديد، ومقاومة أصحابه بشتى الذرائع المنهجيّة أو الأيديولوجيّة. وحالتي تصلح أن تكون مثالًا على ما جرى لأشباه كثيرين لي في حقبة تشقّقت فيها التصوّرات التقليديّة لوظيفة السرد. فعلاوة على ما أحاط بأطروحتي من تحقيق، وشبه تجريم، ومنع دينيّ، وتنكّر من المشرف عليها، بل واستعداء صريح ضدّي من قبل بعض المثقفين كسامي مهدي، فإنّ المؤسّسة الأكاديميّة، ممثَّلة في مجلس كليّة الآداب بجامعة بغداد، لم تقبل بعنوانها حينما قدّمته للموافقة عليه، وأرغمتني على الانتظار طويلا قبل إقراره. فكان المجلس يطلب منّي مزيدًا من التوضيح حول دلالة العنوان وفحوى البحث، فأنكبّ على كتابة توضيح بعد آخر، كمن يحفر في صخر غير عابئ بالصعاب، إلى أن بشّرني، ساخرًا، عميد الكلّية بأنّ أعضاء المجلس وافقوا على العنوان مع أنّهم لم يفهموا دلالته؛ فقد كان مصطلح «السرديّة» من اقتراحي، وبه أردت تمييزه من «علم السرد». ولم يأبه الدكتور عبد الإله أحمد بذلك الرهان، ولم يقدّره حقّ قدره، ولم يمهّد لي طريق البحث فيه.
وفي منأى عن المشرف، الذي طلب إليّ الانصراف إلى البحث من دونه، شرعتُ في الكتابة في أوج سطوة المناهج الشكليّة التي غزت الثقافة العربيّة، فكأنّها تجتثّ تركة نقديّة فقدت بوصلتها، وتطويها في سجلّ التاريخ الثقافي وتغلقه عليها. ورافق ذلك احتفاء بتلك المناهج، رافقه زهو وخيلاء. لم آخذ بالمفاهيم التي حملتها تلك المناهج في أصلها إلّا عند الضرورة القصوى، بعد الاستيعاب والتحقّق من السياق الثقافيّ للمفهوم، وفائدته في تحليل النصوص التي أعمل عليها. فتعرّضت المفاهيم التي استبطنتها تلك المناهج إلى التعديل، والتنقيح، والتقليب، وأُعيد توظيف بعضها بما يُوافق سياق عملي النقديّ. وبهذه الطريقة فهمت أهمّية المشترك الثقافيّ للمفاهيم السرديّة في الآداب الإنسانيّة؛ فهي لا تثبت على حال واحدة، إنّما تتطوّر بحسب السياق الذي تُستخدم فيه. وغايتي من ذلك اتّخاذ المفاهيم وسيلة مساعدة في تحليل النصوص السرديّة، وليس قسر النصوص لكي تستجيب لشروط مفاهيم استُحدثت في آداب مختلفة عنها. وكنت أتمنّى أن يشاركني المشرف في تمحيص ذلك، لكنّه أعرض عنّي بكلّ معنى الكلمة.
٦
كان مدخلي إلى الدراسات السرديّة منفتحًا، وقد مهّدت له في أطروحة الدكتوراه “السردية العربية”، واستوفيته، بعد ذلك، في “موسوعة السرد العربي” وقد تحاشيتُ الإقرار بالبُنى السرديّة العميقة التي لا يُغيّر من ثبوتها تعاقب الأزمان. ووجدتُ في حيويّة السرد ما يُغريني بالأخذ بمفهوم «السرديّة» الذي يُفيد الوصف والتسمية معًا؛ فمرادي لم يكن توهّم الانخراط في صناعة «علم» من سلسلة التخيّلات البشريّة المرويّة أو المكتوبة، بل المشاركة في إثراء مدخل تحليليّ يتطوّر بتطوّر مكاسب العلوم الإنسانيّة. فأكون قد جافيتُ الانتظام في الرهط المدرسيّ الذي انصاع لإطار «علم أدبيّ»، وبدل ذلك انتبذتُ منطقة لا تعرف السكون، يغمرها وهج نصوص الأدب عبر التاريخ.
أردتُ بـ«السرديّة» المدخل الذي يستعين به الباحث لاستخلاص الطبيعة السرديّة للنصوص الأدبيّة، وفيه تترادف المعرفة النقديّة بشؤون السرد، من حيث إنّها تستخلص صفاته وتعرّف بهويّته الثقافيّة، في آن واحد. والغاية من التعالق بين الوصف والتسمية هي سبك مفهوم تحليليّ لا ينفصل عن المادّة السرديّة فيُخضعها لقواعد تجريديّة، ومن ثمّ يتعالى عليها؛ إنّما يصدر عنها ويتكيّف معها، فتحوّلاته مقيّدة بتحوّلاتها. فلا يجوز تجريد نموذج افتراضي عابر للزمان والمكان، واللغات والثقافات، والأجناس والأنواع، وإرغام المادّة السرديّة على الامتثال له؛ فذلك لاهوت سرديّ تأبى المادّة السرديّة قبوله. وعلى ذلك فالتماسك بين وظيفة هذا المدخل النقديّ وبين هويّة المادّة السرديّة ضروري كي لا تنفصم العُرى الرابطة فيما بينهما بذريعة الوظيفة العلميّة للمصطلح. ويحول ذلك التعالق دون تمييز طرف إلّا بحضور الطرف المكمّل له؛ فالتراكب بين الوصف والتسمية ينشّط التحليل النقديّ من جهة، ويراعي أعراف المادّة السرديّة من جهة أخرى.
لا ينبع ثراء «السرديّة» من كمالها، بل من نقصها؛ لأنّها تحليل محايث لظاهرة متحوّلة. فكلّما رهنت نفسها بما هو مجهول في السرد تكون قد حافظت على قدرتها في توقّع ظهور ما لم يكن معروفًا فيه. فالظاهرة السرديّة في حال ترحال دائم، ولا مستقرّ لها، ولا سبيل لاعتقالها في إطار حقبة تاريخيّة، أو في سياق ثقافيّ مخصوص، أو لغة معيّنة. ولا خوف من أخطاء السرديّة؛ لأنّها تُغامر في استكشاف الظاهرة السرديّة، ولا ينفعها اختزال مكوّناتها إلى قواعد بذريعة استخلاص وحدتها، فذلك يحول دون تجدّدها ويُعيق وظيفتها في تمثيل التجارب الإنسانيّة. ويلزم الحذر من الفرضيّات المنطقيّة في كلّ ما له علاقة بوصف الظواهر الأدبيّة، ولا يُقاس على الشذوذ بدعوى التمحّل في القول، ويقع تعميم خصائص نموذج تحليليّ مفرد على مجموع الدراسات السرديّة. وحذارِ من إغراء استعارة المفاهيم الجاهزة، واستبدالها بالاستيعاب الفاعل الذي يُعيد توطينها بما يُوافق مقتضيات السياق الثقافيّ للظاهرة السرديّة.
كشفت ملازمتي للمادّة السرديّة منذ عكفت عليها باحثا في الدكتوراه عن ضروب من التراكيب المتنوّعة، ولم أسعَ إلى اختزالها في قوانين، إنّما الوقوف على ما تضمره من غايات جماليّة تُشكّل اللّبّ الدلاليّ لها. ولطالما راودتني أفكار كثيرة حول كون صرامة النموذج اللغويّ لا تُفلح في استكشاف طبيعة الظواهر الأدبيّة الكبرى؛ الظواهر التي صقلتها أعراف التداول الشفهيّ عبر القرون، وتلك التي استجابت لشروط الحقبة الكتابيّة من التداول القائم على التدوين. ولعلّي استجمعتُ أدواتي التحليليّة من مزيج من المؤثّرات المنهجيّة التي أخضعتها لتفكير صارم أعاد توظيف المفيد فيها في التحليل. وبهذا يصحّ القول بأنّني لم ألتزم إطارًا نظريًّا جامدا لأيّ من المناهج النقديّة التي شاعت في العصر الحديث؛ فليس من أهدافي استجلاب نظريّة وإثبات فرضيّاتها، بل اجتهدتُ في اقتراح ما رأيته نافعًا لي في التحليل والتأويل.
كنتُ أروم أن أشارك أستاذي بشيء من ذلك، عساه أن يُسعفني فيما كان صعبًا عليّ في أوّل أمري، ولكنّه أعرض عنّي، فخضتُ فيه وحيدًا. وفي ذلك لا يختلف الدكتور عبد الإله أحمد عن عموم المجتمع الأكاديميّ الذي لا يمحض الثقة إلّا لمن يتّفق معه، لا لمن يختلف عنه. ومع ذلك كانت حقبة الربع الأخير من القرن العشرين خصبة في الجدالات الفكرية والمنهجية. وفي الحكم على ما مضى، أرجّح القول إنّني لم أكن لأنثني عن أمر استخلصته من الإرث السرديّ العظيم في الآداب العربيّة القديمة، حتّى لو خالفني فيه أستاذي، أو لكنتُ أقنعته بأهميّة ذلك لو صرف لي بعض وقته وجهده. لكنّ ذلك لم يحدث؛ إنّما حدث أنّه دقّق في كلّ صغيرة وكبيرة في البحث قبل تقديمه للمناقشة، وأقرّه رسميًّا، وفي ضوء إقراره جرت طباعته، وتشكّلت لجنة من كبار الأساتذة لمناقشته. وانتفعتُ من معظم ما ترك من ملاحظات على حواشيه، وهي كثيرة جدًّا، ولذلك استغربتُ منه حينما ادّعى أنّه لا يعرف ما ورد في البحث، ونفض يده عنه.

عن الکاتب / الکاتبة

د. عبدالله ابراهيم
د. عبدالله ابراهيم
باحث وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الدكتور عبد الإله أحمد: باحثٌ غَدَر به المجتمعُ الأكاديميّ

بقلم: د. عبدالله ابراهيم | التاريخ: 21 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

الدكتور عبد الإله أحمد: باحثٌ غَدَر به المجتمعُ الأكاديميّ

١
أبدأ شهادتي  عن أستاذي الدكتور عبد الإله أحمد بقطع الشكّ باليقين: إنّه باحث ضليع في نشأة الأدب القصصي في العراق، ولم يُعقبه أحد في مساره الطويل ذلك. ومدخلي إلى الكتابة عنه يتنزّل في منطقة انشقاق النقد الجديد عن القديم، إذ ترك ذلك الانشقاق أثره في شهادتي حوله، وهو غير الخلاف بينه وأقرانه الذي لا يعود إلى اختلاف في الرؤية والمنهج فحسب، إنما إلى خلاف في الأمزجة والأدوار؛ فعدم قبول المجتمع الأكاديمي له يعود إلى أحكامه القاطعة بحقّ أقرانه، وكثيرٌ منها صائب. وإن طلبتُ الدقّة في القول، فالحدّة في مزاجه أربكت علاقته بالمجتمع الأكاديمي في العراق، وأفردته عنه. وأقول بثقة العارف إنّه من الجحود انتقاص دور عبد الإله أحمد باحثًا قلّ نظيره للأدب القصصي العراقي، فمقامه في العراق مماثل لمقام عبد المحسن طه بدر في مصر، والأخير هو الذي أشرف عليه في جامعة القاهرة، ونال جهده اعترافًا لا يدانيه اعتراف آخر، وبه يُضرب المثل في الدقّة والإحاطة. وهو من أولئك الباحثين الكبار الذين رسفوا في أغلال التقاليد النقدية القديمة، وانتهوا إلى موقف لا يُحسدون عليه بحكم دخول المعارف النقدية الحديثة، وتفرّقوا أيدي سبأ حتى لا يكاد يُذكرهم أحد.
انفرد عبد الإله أحمد بحقل في البحث اختصّ به، ولم يدانه أحد في النتائج التي انتهى إليها، فهو الرائد المؤسس لتلك النشأة على الرغم من وجود محاولات بسيطة سبقته في ذلك. فقد قامت أطروحته للماجستير التي صدرت بكتاب عنوانه «نشأة القصة وتطورها في العراق: 1908 ـ 1939» على قاعدة التأريخ الوصفي لنشأة القصة العراقية بوصفها نوعًا سرديًّا جديدًا تشكّل داخل سياق اجتماعي وثقافي في النصف الأول من القرن العشرين، فربط ظهور القصة بالتحولات المجتمعية والثقافية. وواصل ذلك في أطروحته للدكتوراه التي نشرت بكتاب عنوانه «الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية»، فأخذ بالمنهج ذاته في عرض تاريخي، وتصنيف زمني، وأحكام قِيمية، من دون اهتمام كبير بالتحليل البنيوي أو الأسلوبي؛ لأن وظيفة النقد عنده تعريفية وتقويمية، غايتها تثبيت تقاليد القصة الواقعية والإنسانية. وبذلك فهو يمثل نموذج الناقد المؤرّخ والحَكَم، لا الناقد المنهجي أو النصّي، وهو عارف بذلك ومدافع عنه.
ودفع كلّ ذلك بعد الإله أحمد إلى موقع الناقد المحافظ على تقاليد الدرس النقدي القائل بربط الأدب ببيئته وعصره، وهو ضرب من النقد شاع في القرن التاسع عشر في أوروبا، وانتقل إلى الأدب العربي في القرن العشرين. ونتج عن تمسّكه به رفضٌ للمناهج الحداثية في معالجة الظاهرة السردية، فهو يراها تُقصي التاريخ والسياق والذائقة، وتُفرغ الأدب من وظيفته الإنسانية. ولم يكن يتحرّج من إصدار أحكام تفضيلية، ويرى ذلك من صميم وظيفة الناقد. تكمن أهمية عبد الإله أحمد في كونه حارسًا لتقليد نقدي عراقي ربط القصة بالواقع. ولم ينتقل إلى ما انتهى النقد إليه من كون السرد يتولّى، بالتمثيل والتخييل، ملامسةً مجازيةً للحواضن الثقافية والاجتماعية التي يظهر فيها.
٢
ولأنني عاصرت جانبًا من انحسار الضوء عن الحضور النقدي للدكتور عبد الإله أحمد جرّاء ظهور المناهج النقدية الحديثة، وحدّته في معارضتها، حتى لو جرى تكليفه بالإشراف الأكاديمي على بعض الآخذين بها، فلا ترتسم صورته ناقدًا إلا بعرضها على شاشة الخارطة الثقافية في العقود الأخيرة للقرن العشرين. فقد ارتوى الجيل النقدي السابق لجيلي من ثمالة ما وصل إليه من دراسات أدبية عن الواقعية الموضوعية أو الواقعية الاشتراكية؛ فالمنزع الماركسي في دراسة الأدب له ظلال في الثقافة العراقية، وحُشدت جملة من المفاهيم عن الشكل والمضمون التي طرحتها الأدبيات الماركسية قبل الحرب العالمية الثانية، وأحدثها عهدًا يتّصل بلوكاش في مرحلته الماركسية المتشددة، وغاب عنها التطور الجذري الذي طرأ على الدراسات الأدبية عند أقطاب مدرسة فرانكفورت، ولم يسمع أحد بباختين ولا غولدمان.
وركن النقد العراقي إلى انطباعات شارحة رسّخ أهميتها الدكتور علي جواد الطاهر، وأتباعٌ له تكاثروا في تلك الحقبة، أو جهود نقدية فردية استظلّت بمعطيات الفكر الماركسي اعتمادًا على نظرية الانعكاس، تولّاها أوّل الأمر شجاع العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير، وطرّاد الكبيسي، أو دراسات تاريخية توثيقية للظاهرة السردية انصرف لها عبد الإله أحمد وعمر الطالب. وإنّما هذه أمثلة على المسارات العامة للنقد العراقي، غير أنه يمكن العثور على عشرات المشتغلين بالممارسة النقدية، وبخاصة الأكاديمية، يمكن إدراجهم في هذا المسار أو ذاك، وقد انحبست أكثر جهودهم في الحرم الجامعي، ولم تفعل فعلها في المجتمع الثقافي.
قوبلتْ المناهج النقدية الجديدة بصدودٍ واضح من قِبَل الجيل النقدي السابق لجيلي، الجيل الذي رأى في الأدب انعكاسًا للواقع، فراح يبحث فيه لتأكيد درجة أمانته في تصويره، أو أنّه تشبّع بمقولات المنهج الانطباعي الذي يقف على ما يثيره الأدب في نفس الناقد من مشاعر وعواطف وانفعالات، أو المنهج الاجتماعي المعني باستدعاء القيم الاجتماعية من تضاعيف المادة الأدبية. شمل التضييق سبل النشر على المشتغلين بالدراسات الحديثة، وأشاع أتباع النقد القديم تُهمًا مزوّرة عنهم، وثلبوا في قدراتهم العلمية. ومشاقّ الاعتراف في المجتمع الثقافي تكاد تُجهض المرء عن بلوغ أهدافه إن لم يكن حصيفًا وصبورًا وجريئًا.
في ظل تلك الأجواء الثقافية المشحونة بالإنكار من جهة القدماء، والغرور من جهة المحدثين، تعرّفت على أستاذي عبد الإله أحمد. والحقّ، فلم أكن على دراية بتفاصيل حاله قبل أن أسعى ليكون مشرفًا على أبحاثي في الدراسات العليا. إنما جذبتني إليه سمعته ناقدًا صارمًا، وهو ما كنت أريده، وأبحث عنه. ولعل سمعته النقدية خارج الوسط الثقافي تفوق سمعته الأكاديمية داخل الجامعة. وقد بنيت حكمي على قراءتي معظم ما كتب، وهو قليل، ولم ألتقِ به قبل أن ألتحق طالبًا للماجستير في كلية الآداب، جامعة بغداد، في ربيع عام 1985.
ومن قبيل الادعاء القول إنّ طالبًا حديث العهد بالبحث لديه قدرة الإلمام بمنهج أستاذه. وليس يجوز تضخيم أمر لم يكن، ولا تلفيق آخر ما حدث قط. ولعلّه من قبيل العجب أن الافتراق المنهجي الذي تنامى بيننا بمرور السنوات لم يخدش في تقديري مقام أستاذي باحثًا مرموقًا حتى توفّاه الله في عام 2007. وطوال الأعوام التي أشرف فيها عبد الإله أحمد على أطروحتيّ للماجستير والدكتوراه، ما وجدته يُضمر تقديرًا للمعرفة النقدية الحديثة، وغالبًا ما كان يستهزئ بها، وحتى يجهر بمقتها. وأبى أن يتماشى مع مظاهر التجديد التي شاعت في كلّ مكان تقريبا، وعُرف عنه الحكم على سذاجتها، كأنّ ذلك من بديهيات الأمور التي يجب الإقرار بها. وإسرافه في الذمّ يُسابق إسرافه في الانفعال. ونتج عن ذلك أن تقطّعت به سبل التواصل مع أقرانه كلّهم تقريبًا.
٣
حينما التحقتُ طالبًا للماجستير في كلية الآداب، لم يكن هناك بين أعضاء هيئة التدريس في قسم اللغة العربية أيّ أستاذ مختصّ في الدراسات السردية؛ فكان الدكتور عبد الإله أحمد هو الوحيد المختص بدراسة الأدب القصصي في العراق، ولا بدّ من السعي إليه قبل سواه، فضلًا عن سمعته النقدية الرفيعة في مجاله. ولمّا قصدته طالبًا أن يتولّى الإشراف على بحثي لم يكتم سرًّا، فأخبرني أنّ عمادة الكلية كفّت يده عن الإشراف منذ سنوات، غير أنّه يقبل بالإشراف إذا ما جرى تكليفه رسميًّا.
قصدتُ عميد الكلية، الدكتور نوري حمودي القيسي، عارضًا أن يكون الدكتور عبد الإله أحمد مشرفًا على أطروحتي، فحذّرني من مغبّة ذلك، فقد يُعيق عملي في مرحلة من المراحل كما حدث لغيري من قبل؛ إذ سبق للعمادة أن حجبت عنه الإشراف على الأطاريح لما نتج من مشاكل بينه وبين الطلبة الذين أشرف عليهم، فتخلّى عنهم قبل إنجاز أطاريحهم، ما أحدث مشاكل صعبة العلاج، منها عدم قبول مشرف بديل يتولّى الإشراف عن طالب تخلّى عنه مشرف أصيل، فلا بدّ أن تكون علّة في الطالب دفعت بمشرفه إلى التخلّي عنه. ودفع ذلك عمادة الكلية إلى كفّ يده عن الإشراف، ولعلّي كنت الطالب الأول الذي خرج على ذلك العهد، فاستأنف معي الإشراف العلمي، ولا أعرف أحدًا تولّى الإشراف عليه بعد استكمال أطروحتيّ للماجستير والدكتوراه.
ما إن استحصلتُ على موافقة العميد حتى توجّهتُ إليه أخبره بالأمر، وبدأتُ أعرض عليه مادّة البحث التي شرعتُ في جمعها قبل ذلك. وحالما بدأتُ مناقشة الكيفية التي أركّب بها البحث، وجدته غير ملمّ بأهمّ المفاهيم الجديدة عن السرد، وهو مفهوم «البناء الفنّي» الذي حمله عنوان الأطروحة. وبمرور الأيام بدأ يطلب الاطّلاع على المصادر التي كنت أُحدّثه عنها في لقاءاتنا، فحملتُ إليه بعضها لنتشارك في الأفكار التي أنوي إدراجها في البحث، منتظرًا أن يُرشدني إلى الصواب الذي كنتُ في أمسّ الحاجة إليه. ومرّت أشهر وأنا أترقّب ما سيوجّهني به، إلى أن أخبرني بأنّه لم يطّلع على أيّ ممّا حملته إليه، بل لا يُقرّ بأهمية المدخل الجديد في الدراسات السردية، وانتهى الأمر بأن طلب إليّ كتابتها بمعزل عن مشورته الأكاديمية، فهو لا يرى جدوى في هذا الضرب من الأطاريح. ولم يتفاعل معي ولا مع المناقشين حينما جرت مناقشة الأطروحة في خريف عام 1987. ومن الصحيح أنّه لم يكن سلبيًّا معي، كما حدث في مناقشة أطروحة الدكتوراه، لكنه لم يشاركني أيّ رأي حول بحثي حتى النهاية.
ولمّا قُبلتُ في دراسة الدكتوراه بعد عام من ذلك، قصدته، أيضًا، بعد السنة التمهيدية، ليُشرف على أطروحتي عن «السردية العربية»، فقبل من دون نقاش. وقد عوّلتُ على انفتاحه على المناهج الجديدة، ولا سيّما أنّ الدراسات السردية بدأت في الشيوع وجذبت اهتمام النقّاد والأساتذة. وما إن بدأتُ في الكتابة حتى رحتُ أعرض عليه ما أكتب، كما فعلتُ في تجربتي الأولى، فما كان منه إلا أن أغلق الباب في وجهي، مكرّرًا الموقف ذاته، وزاد بأن أخبرني أنّه منقطع عن الموروث السردي، فضلًا عن عدم اهتمامه بالمناهج الحديثة التي تعالجه، وكرّر طلبه إليّ كتابة الأطروحة من دونه. وكانت حجّته في ذلك أنّني أصبحت ناقدًا، وعلى دراية بما أُريد، فقد استقام أمري خلال الأعوام الماضية، وصرتُ قادرًا على الإبحار وحدي. فكان يصدّني عن استشارته، واستمرّ الحال على ذلك المنوال مدة عامين متواصلين، ولم يحدث أن تطرّقنا إلى موضوع الأطروحة التي يُشرف عليها على كثرة ما كنّا نلتقي.
فرغتُ من كتابة الصيغة الأولى للأطروحة في أوّل مارس من عام 1991، وكانت بغداد في أسوأ حال رأيتها فيه بسبب تداعيات حرب الخليج الثانية إثر غزو الكويت؛ إذ توقّفت المواصلات، وانقطعت الكهرباء، وشحّ الغذاء والماء، وتعطّل التعليم بمراحله كافة، وعمّت الفوضى معظم أرجاء العراق. فحملتُ المخطوط الضخم إليه ليطّلع عليه ويُجيزه، لكي أتولّى طباعته وعرضه على المناقشة. وصلتُ بيته في حيّ المنصور في أوّل المساء، فاستقبلني مذعورًا؛ إذ كاد يُقتل في الليلة الماضية جرّاء شظية قنبلة ثقبت أعلى باب منزله وحطّمت جزءًا من الجدار، فأوقفني عند مدخل البيت وراح يُطلعني على الخطر الذي اقترب منه، فقد كان على مقربة من موت محقّق.
خطر لي أن أعود من حيث أتيت، فما كان قدومي بالمناسب في ذلك الوقت، لكنه دعاني إلى الدخول، وأجلسني في الصالة التي تنتهي بمكتبته الشخصية الصغيرة. وإثر مجاملات فاترة أخبرته بأنني عزمتُ على مغادرة العراق في أقرب فرصة تتوفّر لي، وأُريد نيل شهادتي العليا قبل الخروج، فذكّرني بما اتّفقنا عليه من قبل من كتابة الأطروحة من دون العودة إليه، وطلب أن أطبعها من دون مراجعته. فرحتُ ألتمس منه الاطّلاع عليها وإبداء الملاحظات، فتلك آخر فرصة لي في التعديل والتنظيم، ووافق بعد تردّد شابه الامتعاض من طلب جاء في غير أوانه. واتّفقنا على أن أزوره بعد نحو شهر في بيته، فقد كانت الجامعات مغلقة، والحياة معطّلة بسبب الحرب التي خرّبت كلّ شيء تقريبًا.
وحينما جئتُ في الموعد وجدته قد جرّد قلمه، وأبدى عددًا وافرًا من الملاحظات على حواشي الأطروحة بقلم الرصاص، ملاحظات دقيقة لا شائبة فيها، وفي معظمها يُعارض ما انتهيتُ إليه، وطلب منّي إعادة النظر في ما كتبتُ في ضوئها. وكانت الملاحظات، في مجملها، مفيدة لي في تصويب طريقة عرض الأفكار، وتدارك النتائج. حملتُ المخطوط إلى البيت، وخلال أشهر الربيع والصيف أعدتُ كتابة الأطروحة، آخذًا في حسابي معظم ملاحظاته، ومطوّرًا ما كتبته في الصيغة الأولى التي دوّنتها من قبل، وذهبتُ بها إلى دار للطباعة بعد أن وقّع هو الأمر بالموافقة عليها، وحُدّد موعد المناقشة في الخريف.
٤
انتهت مناقشة الأطروحة في الثالثة من بعد ظهر 3/10/1991 بعد ستّ ساعات متواصلة، انصبّ النقاش خلالها على «الشفاهية العربية» وأُهملت «السردية العربية». وكان مدخل الأطروحة هو الذي وقع الاختلاف حوله. قوبلتُ بمعارضة شديدة حينما أشرتُ إلى أنّني حيثما أشير إلى «الثقافة العربية» فلا أرمي إلى «مقصد عِرقي»، إنما إلى «الثقافة التي أنتجتها اللغة العربية، والتي كان التفكير والتعبير فيها يترتّب بتوجيه من الخصائص الأسلوبية، والتركيبية، والدلالية لتلك اللغة. وقد امتثلت تلك الثقافة لأساليب العربية، ودلالاتها، وأسهمت فيها أعراق كثيرة إلى جوار العرب». فُهم ذلك على أنّه انتقاص من دور العرب، وتعريض بالحضارة العربية التي وصفتُ بداياتها بالشفوية. كما توسّعت في بحث العلاقة الشائكة بين الإسلام والسرد في زهاء ثمانين صفحة.
قاد الدكتور داود سلّوم تهمة تعمّدي الإساءة إلى الثقافة الدينية، والسعي إلى تقويضها، واسترسل في تقليب مخاطر نقدها؛ فالثقافة الدينية لا يجوز عليها النقد، كأنها مقدّسة لا سبيل لاستئناف النظر في تضاريسها. ضخّم سلّوم المخاوف لدى المناقشين الذين بدأوا يؤيدونه ضمنًا كلّما شرع أحدهم في الحديث، وطال النقاش إلى درجة راح فيها يقرأ صفحات من الأطروحة أمام الجمهور الذي غصّت به قاعة «الفراهيدي». ومن ذلك أنّه قرأ جملة تنصّ على أنّ القصص القرآني لم يُؤتَ به للتسلية، إنما للاعتبار، فلم يلحظ أداة النفي، وقرأ الجملة على أساس أنّ ذلك القصص جاء للتسلية، وشرع يطعن في موقفي الديني، ويشهّر بي أمام الحضور وأجهزة الإعلام، فرغبته في اتهامي جعلته لا يرى أداة النفي. ثم مضى يعرّض مستخفًّا، وهو يُنحي باللائمة عليّ، وقد رسم لي صورة المارق، فكأنّه داعيةٌ ضبط زنديقًا في ميدان الضلال، وتشفّى منه تقريعًا على خلفية تقوية من الإيمان العميق؛ فتخريج القصص القرآني على أنّه للتسلية يلزم عنه إبطال الهدف الاعتباري للقرآن. وهذا تأويل متعسّف قوّلني إيّاه، ولم يكن.
ولمّا انتهى ظافرًا، أغلق صفحات الأطروحة، ثم خاطبني: «ماذا تقول الآن يا عبد الله بعد كلّ ذلك؟». فأجبته بأن يفتح الصفحة التي قرأها، ووجّهت كلامي إليه، قائلًا: «يا أستاذي، إنّك تعمّدت ألّا تقرأ أداة النفي في الجملة، ولو قرأتها لعرفتَ بأنني ما قلتُ إنّ القصص القرآني جاء للتسلية، إنما جاء للاعتبار». فُوجئ بالأمر، وفتح الصفحة، وقرأ الجملة كما هي، فضجّ الجمهور، وأغلق الأطروحة، ورماها على المنضدة، وقال: «إنني أُنهي مناقشتي». أعاد تصويبُ الخطأ الأمورَ إلى نصابها، لكن ربط سلّوم الشفاهية بالبدائية، ثم بالدين، عقّد الأمر، فقد أعرض المناقشون عن متن الأطروحة، وهو عن بنية الأنواع السردية الكبرى الثلاثة: الحكاية الخرافية، والسيرة الشعبية، والمقامة، وشغلوا بالتمهيد الموسّع الذي بينّ الأصول الشفوية لتلك الأنواع، وتأثير الإسلام في رسوخ تلك الأصول.
وعلى الرغم من أنّ الدكتور جلال الخياط، وهو رئيس لجنة المناقشة، تفهّم النتائج التي توصّلتُ إليها، ولم يعترض عليها، وأنّ الدكتور ناصر حلاوي كان على معرفة بها منذ انبثقت الفكرة التي حدّثته بها في بيته قبل سنوات، وأنّ الدكتور جميل نصيف، الذي يستند إلى خلفية ماركسية، ما كان يعبأ بذلك، وأنّ الدكتور فائق مصطفى عدّ الأمر حقًّا من الحقوق الفكرية التي لي الحرية في أن أنتهي إليها، إلّا أنّ الظهور العدواني للدكتور داود سلّوم، وتأجيج الكراهية بادّعاء أنّني ضدّ كلّ ما يتصل بالقيم الدينية، والعِرقية، والثقافية، والتاريخية، جعلهم أكثر تشدّدًا في قبول النتائج، ودفعهم إلى الشكّ في خطورتها.
وكان من الصعب أن يزجّ أستاذٌ مناقشٌ نفسه في موضوع حسّاس كالذي طرقتُه، وطوال الساعات الستّ من الجدل كان المشرف، الذي لا يفصلني عنه سوى متر واحد، يتميّز غيظًا، وقد احمرّ وجهه وهو يحدّق منفعلًا إليّ. فطبقًا للإجراءات المعمول بها في المناقشات الأكاديمية، فإنّه يختِم بالدفاع عن الرسالة، باعتباره مشرفًا عليها، وشاهدًا على نموّها من كونها فكرة إلى أن استقامت أطروحة. وعندما مُنح حقّ الحديث في الدقائق الأخيرة، فإنّ ما جاء به لم يقله أحد في تاريخ المناقشات في الجامعات العراقية، فيما أحسب. قال بأنّه يوافق المناقشين على كلّ ما قالوه فيما يخصّ الربط بين الشفاهية والدين؛ فالطالب دخل منطقة خطرة، وقد حُذّر منها، لكنّه أصرّ على رأيه، وبوصفه مشرفًا على الأطروحة فهو يتبرّأ منها؛ لأنّ صاحبها لم يعتدّ بإشرافه إلى درجة أنّه كتبها في منأى عن مشورته، وعليه فلا علاقة له بما ذُكر فيها. ثم أنكر اطّلاعه عليها، وتبرّأ منها، لأنه لا يعرف مضمونها، وبذلك يسحب يده منها، ولولا تريّث لجنة المناقشة، وعدم أخذها بموقفه المنفعل في ختام المناقشة، لجرى إلغاء الأطروحة بذريعة عدم اطّلاع المشرف على ما ورد فيها، وثم عدم موافقته عليها.
اعتبرتُ خاتمة المناقشة تدميرًا لجهدي يأتي من قِبَل المشرف. لم أكن أنتظر منه دفاعًا، ولكن ينبغي عدم تأجيج الموقف ضدّي بإعلان براءته من جهد أمضيتُ فيه أكثر من ثلاث سنوات، وقد اطّلع عليه بتمامه، وترك ملاحظاته عليه؛ فذلك أغضبني، ورسّخ في نفسي إحساسًا بأنّه غير آبه بما قدّمت، وكأنه غدر بي في اللحظة الأخيرة التي لم يبق لي فيها فرصة للدفاع عن موقفي. من الصحيح أنّني كنت أعرف بأنّه لا يوافق على أفكاري فيما يخصّ الأصول الشفوية والدينية للسرد العربي القديم، ولكن ادّعاءه بأنّه حذّرني من ذلك لم يكن صحيحًا؛ إذ لمّا وجد أنّني أُثير قضايا لا دراية له بها، قال لي: اكتب الرسالة ودعني أقرأها بعد انتهائك منها. وعلى هذا مضيت أكتب بناءً على الاتفاق إلى أن انتهيت. وقد قرأها بدقّة، وترك ملاحظات على كلّ صفحة فيها تقريبًا، وانتفعتُ منها في الصياغة الأخيرة للأطروحة.
رجّح لديّ أنّ لجنة المناقشة سترفض الأطروحة لتتجنّب أيّ مساءلة بخصوص عرض الصلة بين الإسلام والسرد، ومناقشة الشفوية العربية، ولكن سرعان ما دخل المناقشون كالكرادلة يتقدّمهم الخياط بانحناءته الكهنوتية، فتلا قرار اللجنة بإجازة الأطروحة، مع حذف جزء من الفصل الثاني منها، وهو عن «الرؤية الدينية وهيمنة الأصول». ففي حال الاستعجال والخلاف بين الأعضاء، واستجابة لعناد سلّوم، أخطأت اللجنة فأوصت بحذف جزء لا صلة له بالخلاف المتعلّق بفصل آخر أعالج فيه موقف الإسلام من الكتابة، فيما الفصل الذي طُلب إليّ حذف جزء منه يخصّ موقف الإسلام من السرد. ولمّا أخبرتُ الخياط بالخطأ، وبأنّ اللجنة أوصت بحذف شيء لا علاقة له بالخلاف الذي شجر بيننا، طلب التغاضي عن إثارة الخطأ كيلا ينكشف الأمر، ريثما يُحلّ الموضوع سرًّا بعد ذلك.
وأُرجّح أنّ موقف أستاذي من الأطروحة استجدّ حينما فُوجئ بالمناقشة الحامية حول موقفي من التراث الديني، ورأيي في الأصول الشفهية للظاهرة السردية وعلاقتها بالدين، ففضّل أن يُعفي نفسه من مسؤولية بحثٍ ضرب بعيدًا في مناقشة قضايا خلافية لها صلة بالدين والسرد، وطرق موضوعه بمنهجية غير معهودة في البحوث الجامعية. وقد صدق حدسه؛ فقد أُرغمتُ على حذف صفحات من الأطروحة قبل توقيع داود سلّوم على إجازتها، وسرعان ما وقعت مساءلتي عمّا ورد فيها من قِبَل وزير التعليم العالي، وفُتح تحقيق حول مضمونها، وظروف مناقشتها، وحُظر نشرها في العراق بعد ذلك، وقد نشرت بطبعات عدة بعد ذلك خارج العراق، ولم تنشر فيه أبدا.
٥
ما عدتُ أرى، بعد مرور زمن طويل على تلك الأحداث، أيّ أهمّية في ازدراء الماضي أو في تبجيله؛ فلا الاحتقار ينفع، ولا التعظيم يُفيد. فتلك حقبة تكوين جيل نقديّ تعثّر في مسعاه مثل أيّ جيل جديد، لكنّه شقّ طريقه باستيعاب بعض معارف عصره، وطرح ما تهرّأ من الأفكار الشائعة عن المادّة الأدبيّة، وأقحم نفسه في المجتمع الأدبيّ، والمجتمع الأكاديميّ، وتجشّم عناء الذمّ والانتقاص، ومضى في سعي حثيث أثمر، فيما بعد، دراسات حفرت في الموروث السرديّ، ونتج عن جهوده حفظ النقد التقليديّ في أرشيف تاريخ الأدب، بعد أن كفّ عن وظيفته في معالجة الظاهرة السرديّة.
ويحتمل أن يُجافي هذا الوصف حقيقة ما حدث، عند أولئك الذين لم يُعاصروا ذلك المخاض الثقافيّ العارم، لكنّ الشهادة الحيّة المواكبة له تُؤكّد الانقسام بين رؤيتين نقديّتين للمادّة الأدبيّة، دخلتا في صراع أفضى إلى انحسار الرؤية التقليديّة للأدب، ومعها المنهجيّة الموروثة في تحليله، ورسوخ الاتّجاهات الجديدة التي كانت مزيجًا من مفاهيم وردت إلى الثقافة العربيّة من الحواضر الغربيّة، وعمليّة تفكير جديدة اقتضتها التحوّلات الثقافيّة والاجتماعيّة؛ فانصهر هذا في ذاك، وأثمر منهجيّة كفؤة عرّضت الظاهرة السرديّة لفحص غير مسبوق، ومعاينة لم يتنبّه إليها قدامى المشتغلين في مضمار الأدب.
أعزو الخلاف المنهجيّ مع أستاذي عبد الإله أحمد، ومعاصريه من الأساتذة والنقّاد في العراق في ثمانينيات القرن العشرين وبعدها، إلى عدم قبول الجديد لجدّته، وهو أمر شائع في الآداب العربيّة وغير الغربيّة؛ إذ تعترض الآداب الراسخة على الجديد مدّة من الزمن، بدل أن تختبره، وتقبله أو ترفضه. ولا تُحمد الصلابة في المواقف ضدّ الجديد، ولا الاستهانة بالقديم؛ فتاريخ الآداب تاريخ تفاعل أكثر من كونه تاريخ تقاطع. ومن يحبس نفسه في قوقعة موقف من ذلك يتخطّاه ذلك التاريخ. وحينما ألتفت إلى الماضي أجد شواهد لا حصر لها على ذلك؛ فكلّ من عارض الجديد لجدّته أصبح في طيّ النسيان، وكلّ من استهان بالقديم لقدمه لقي المصير ذاته. إن فتح المنافذ بين الآداب وتواريخها، وإحداث تفاعل بينها، هو السبيل إلى إثرائها. ولعلّ دأبي على استخلاص مفهوم «السرديّة العربيّة» من إرث سرديّ ضخم بمنهجيّة نقديّة جديدة هو الذي رفع من حدّة عدم القبول بأفكاري.
لستُ أتشكّى من الظروف التي أحاطت بعملي النقديّ، لكنّني أعزو الصعاب التي واجهتها إلى عدم قبول الجديد، ومقاومة أصحابه بشتى الذرائع المنهجيّة أو الأيديولوجيّة. وحالتي تصلح أن تكون مثالًا على ما جرى لأشباه كثيرين لي في حقبة تشقّقت فيها التصوّرات التقليديّة لوظيفة السرد. فعلاوة على ما أحاط بأطروحتي من تحقيق، وشبه تجريم، ومنع دينيّ، وتنكّر من المشرف عليها، بل واستعداء صريح ضدّي من قبل بعض المثقفين كسامي مهدي، فإنّ المؤسّسة الأكاديميّة، ممثَّلة في مجلس كليّة الآداب بجامعة بغداد، لم تقبل بعنوانها حينما قدّمته للموافقة عليه، وأرغمتني على الانتظار طويلا قبل إقراره. فكان المجلس يطلب منّي مزيدًا من التوضيح حول دلالة العنوان وفحوى البحث، فأنكبّ على كتابة توضيح بعد آخر، كمن يحفر في صخر غير عابئ بالصعاب، إلى أن بشّرني، ساخرًا، عميد الكلّية بأنّ أعضاء المجلس وافقوا على العنوان مع أنّهم لم يفهموا دلالته؛ فقد كان مصطلح «السرديّة» من اقتراحي، وبه أردت تمييزه من «علم السرد». ولم يأبه الدكتور عبد الإله أحمد بذلك الرهان، ولم يقدّره حقّ قدره، ولم يمهّد لي طريق البحث فيه.
وفي منأى عن المشرف، الذي طلب إليّ الانصراف إلى البحث من دونه، شرعتُ في الكتابة في أوج سطوة المناهج الشكليّة التي غزت الثقافة العربيّة، فكأنّها تجتثّ تركة نقديّة فقدت بوصلتها، وتطويها في سجلّ التاريخ الثقافي وتغلقه عليها. ورافق ذلك احتفاء بتلك المناهج، رافقه زهو وخيلاء. لم آخذ بالمفاهيم التي حملتها تلك المناهج في أصلها إلّا عند الضرورة القصوى، بعد الاستيعاب والتحقّق من السياق الثقافيّ للمفهوم، وفائدته في تحليل النصوص التي أعمل عليها. فتعرّضت المفاهيم التي استبطنتها تلك المناهج إلى التعديل، والتنقيح، والتقليب، وأُعيد توظيف بعضها بما يُوافق سياق عملي النقديّ. وبهذه الطريقة فهمت أهمّية المشترك الثقافيّ للمفاهيم السرديّة في الآداب الإنسانيّة؛ فهي لا تثبت على حال واحدة، إنّما تتطوّر بحسب السياق الذي تُستخدم فيه. وغايتي من ذلك اتّخاذ المفاهيم وسيلة مساعدة في تحليل النصوص السرديّة، وليس قسر النصوص لكي تستجيب لشروط مفاهيم استُحدثت في آداب مختلفة عنها. وكنت أتمنّى أن يشاركني المشرف في تمحيص ذلك، لكنّه أعرض عنّي بكلّ معنى الكلمة.
٦
كان مدخلي إلى الدراسات السرديّة منفتحًا، وقد مهّدت له في أطروحة الدكتوراه “السردية العربية”، واستوفيته، بعد ذلك، في “موسوعة السرد العربي” وقد تحاشيتُ الإقرار بالبُنى السرديّة العميقة التي لا يُغيّر من ثبوتها تعاقب الأزمان. ووجدتُ في حيويّة السرد ما يُغريني بالأخذ بمفهوم «السرديّة» الذي يُفيد الوصف والتسمية معًا؛ فمرادي لم يكن توهّم الانخراط في صناعة «علم» من سلسلة التخيّلات البشريّة المرويّة أو المكتوبة، بل المشاركة في إثراء مدخل تحليليّ يتطوّر بتطوّر مكاسب العلوم الإنسانيّة. فأكون قد جافيتُ الانتظام في الرهط المدرسيّ الذي انصاع لإطار «علم أدبيّ»، وبدل ذلك انتبذتُ منطقة لا تعرف السكون، يغمرها وهج نصوص الأدب عبر التاريخ.
أردتُ بـ«السرديّة» المدخل الذي يستعين به الباحث لاستخلاص الطبيعة السرديّة للنصوص الأدبيّة، وفيه تترادف المعرفة النقديّة بشؤون السرد، من حيث إنّها تستخلص صفاته وتعرّف بهويّته الثقافيّة، في آن واحد. والغاية من التعالق بين الوصف والتسمية هي سبك مفهوم تحليليّ لا ينفصل عن المادّة السرديّة فيُخضعها لقواعد تجريديّة، ومن ثمّ يتعالى عليها؛ إنّما يصدر عنها ويتكيّف معها، فتحوّلاته مقيّدة بتحوّلاتها. فلا يجوز تجريد نموذج افتراضي عابر للزمان والمكان، واللغات والثقافات، والأجناس والأنواع، وإرغام المادّة السرديّة على الامتثال له؛ فذلك لاهوت سرديّ تأبى المادّة السرديّة قبوله. وعلى ذلك فالتماسك بين وظيفة هذا المدخل النقديّ وبين هويّة المادّة السرديّة ضروري كي لا تنفصم العُرى الرابطة فيما بينهما بذريعة الوظيفة العلميّة للمصطلح. ويحول ذلك التعالق دون تمييز طرف إلّا بحضور الطرف المكمّل له؛ فالتراكب بين الوصف والتسمية ينشّط التحليل النقديّ من جهة، ويراعي أعراف المادّة السرديّة من جهة أخرى.
لا ينبع ثراء «السرديّة» من كمالها، بل من نقصها؛ لأنّها تحليل محايث لظاهرة متحوّلة. فكلّما رهنت نفسها بما هو مجهول في السرد تكون قد حافظت على قدرتها في توقّع ظهور ما لم يكن معروفًا فيه. فالظاهرة السرديّة في حال ترحال دائم، ولا مستقرّ لها، ولا سبيل لاعتقالها في إطار حقبة تاريخيّة، أو في سياق ثقافيّ مخصوص، أو لغة معيّنة. ولا خوف من أخطاء السرديّة؛ لأنّها تُغامر في استكشاف الظاهرة السرديّة، ولا ينفعها اختزال مكوّناتها إلى قواعد بذريعة استخلاص وحدتها، فذلك يحول دون تجدّدها ويُعيق وظيفتها في تمثيل التجارب الإنسانيّة. ويلزم الحذر من الفرضيّات المنطقيّة في كلّ ما له علاقة بوصف الظواهر الأدبيّة، ولا يُقاس على الشذوذ بدعوى التمحّل في القول، ويقع تعميم خصائص نموذج تحليليّ مفرد على مجموع الدراسات السرديّة. وحذارِ من إغراء استعارة المفاهيم الجاهزة، واستبدالها بالاستيعاب الفاعل الذي يُعيد توطينها بما يُوافق مقتضيات السياق الثقافيّ للظاهرة السرديّة.
كشفت ملازمتي للمادّة السرديّة منذ عكفت عليها باحثا في الدكتوراه عن ضروب من التراكيب المتنوّعة، ولم أسعَ إلى اختزالها في قوانين، إنّما الوقوف على ما تضمره من غايات جماليّة تُشكّل اللّبّ الدلاليّ لها. ولطالما راودتني أفكار كثيرة حول كون صرامة النموذج اللغويّ لا تُفلح في استكشاف طبيعة الظواهر الأدبيّة الكبرى؛ الظواهر التي صقلتها أعراف التداول الشفهيّ عبر القرون، وتلك التي استجابت لشروط الحقبة الكتابيّة من التداول القائم على التدوين. ولعلّي استجمعتُ أدواتي التحليليّة من مزيج من المؤثّرات المنهجيّة التي أخضعتها لتفكير صارم أعاد توظيف المفيد فيها في التحليل. وبهذا يصحّ القول بأنّني لم ألتزم إطارًا نظريًّا جامدا لأيّ من المناهج النقديّة التي شاعت في العصر الحديث؛ فليس من أهدافي استجلاب نظريّة وإثبات فرضيّاتها، بل اجتهدتُ في اقتراح ما رأيته نافعًا لي في التحليل والتأويل.
كنتُ أروم أن أشارك أستاذي بشيء من ذلك، عساه أن يُسعفني فيما كان صعبًا عليّ في أوّل أمري، ولكنّه أعرض عنّي، فخضتُ فيه وحيدًا. وفي ذلك لا يختلف الدكتور عبد الإله أحمد عن عموم المجتمع الأكاديميّ الذي لا يمحض الثقة إلّا لمن يتّفق معه، لا لمن يختلف عنه. ومع ذلك كانت حقبة الربع الأخير من القرن العشرين خصبة في الجدالات الفكرية والمنهجية. وفي الحكم على ما مضى، أرجّح القول إنّني لم أكن لأنثني عن أمر استخلصته من الإرث السرديّ العظيم في الآداب العربيّة القديمة، حتّى لو خالفني فيه أستاذي، أو لكنتُ أقنعته بأهميّة ذلك لو صرف لي بعض وقته وجهده. لكنّ ذلك لم يحدث؛ إنّما حدث أنّه دقّق في كلّ صغيرة وكبيرة في البحث قبل تقديمه للمناقشة، وأقرّه رسميًّا، وفي ضوء إقراره جرت طباعته، وتشكّلت لجنة من كبار الأساتذة لمناقشته. وانتفعتُ من معظم ما ترك من ملاحظات على حواشيه، وهي كثيرة جدًّا، ولذلك استغربتُ منه حينما ادّعى أنّه لا يعرف ما ورد في البحث، ونفض يده عنه.