القرآن الكريم: أحرف وقراءات

صورة الكاتب
بقلم: سعيد يقطين
التاريخ: 2 مارس 2026 عدد المشاهدات: 2892
القرآن الكريم: أحرف وقراءات

القرآن الكريم: أحرف وقراءات

 

اهتم العرب قبل الإسلام بالشعر، واعتبروه ديوانهم الذي سجلوا فيه أخبارهم وآثارهم وأيامهم وحياتهم في مختلف تجلياتها. ومتى نبغ لدى قبيلة من القبائل شاعر أقاموا الأفراح والولائم احتفاء باللسان الذي ينطق بمناقبهم. وكان لكل شاعر راو يروي قصائده، وينشرها على الناس حيثما وجد. ولكننا مع ذلك لا نعرف اليوم كيف كان يلقي الشاعر قصيدته، ولا كيف كان يؤديها الراوي نيابة عنه.
قد نجد في صنعات بعض الدواوين الشعرية ما قبل الإسلامية، وحتى بعد الإسلام، اختلافات في تدوين بعض الكلمات وروايتها، ولكننا لا نعرف كيفية النطق بها حسب اللهجة التي كان يستعملها الشاعر تبعا للقبيلة التي ينتمي إليها. لكننا مع القرآن الكريم أمام وضع مختلف جذريا. فنحن نقرأ القرآن الكريم، إلى اليوم، بالطريقة التي قرأ بها الرسول (صلى الله عليه وسلم) القرآن الكريم للصحابة الذين تلقوا عنه هذه القراءات، وهي متعددة بتعدد الأحرف والقراءات التي أنزل بها القرآن الكريم. لا يتعلق الأمر فقط بخصوصية القرآن الكريم في هذه المسألة مقارنة مع الشعر العربي، ولكن أيضا عن كل النصوص التي وصلتنا، بلغات متعددة، من عصور غابرة. فلا نجد أمامنا سوى الصورة التي انتهت إليها مع الكتابة والتدوين.
لا بد لنا للوقوف على هذه الخاصية «القرآنية» المميزة من الانطلاق، من إبراز الفرق، أيضا، بين الحديث النبوي والقرآن الكريم على هذا المستوى. إن مقارنتنا القرآن الكريم بالشعر العربي، يمكن أن نوسعها للتمييز بين القرآن الكريم والحديث النبوي، إذ لم نعرف الطريقة التي كان يؤدى بها الحديث النبوي، ولا نجد الحديث عن الأحرف السبعة، والقراءات العشر، عندما نتحدث عن الحديث النبوي إسوة بما ألفناه متعلقا بالقرآن الكريم، وبغيره من النصوص البشرية.
يتجلى لنا هذا التمييز بجلاء بين صوتين تم من خلالهما نقل النص القرآني والحديثي. هذان الصوتان هما: القارئ بالنسبة للقرآن الكريم، والراوي بخصوص الحديث النبوي. إن القارئ هو من سمع من الرسول الآية، أو السورة، كما أنزلت عليه. أما الراوي فهو من يروي الحديث عمن سمعه منه متصلا بالرسول الكريم. وكان المسلمون يكتبون القرآن الكريم، ولم يكتبوا الحديث النبوي بأمر من الرسول كيلا يختلط بالقرآن الكريم. وكان طبيعيا أن يتعدد قراء القرآن الكريم وفق ما أقرأهم إياه الرسول في حياته، وأن تتعدد روايات الحديث تبعا للرواة الذين سمعوه مرفوعا إلى الرسول بعد وفاته، من عدة رواة انتهى إليهم هذا الحديث أو ذاك. ومن هنا يبرز لنا الفرق بين القارئ والراوي. ولهذا السبب كان من الضروري بروز علوم القرآن، ومن بينها علم القراءات، وعلوم الحديث التي تشدد في أصناف الرواة وأنواعهم ودرجة الثقة التي يمكن أن يحظوا بها في تدوين الحديث.

لقد تعدد متلقو القرآن الكريم مباشرة من الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأنهم كانوا من قبائل شتى. ولذلك تعددت القراءات القرآنية. «عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (رضي الله عنه) قال: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ، لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَقْرأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَذَلِكَ أنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَني، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنْه».

تعددت مواقف العلماء المسلمين واختلفت من الأحرف السبعة، وتباينت مواقفهم من تفسيرها، وصنفت عشرات الكتب التي تدقق فيها، وفي علاقتها بالقراءات السبع أو العشر، من لدن المسلمين والمستشرقين قديما وحديثا.

عن الکاتب / الکاتبة

سعيد يقطين
سعيد يقطين
ناقد وباحث / المغرب

مقالات أخرى للكاتب

مفهوم المثقف والوسيط الثقافي

مفهوم المثقف والوسيط الثقافي

مفهوم المثقف والوسيط الثقافي   إن مفهوم المثقف حديث في اللغة العربية، لأنه لم يشرع…

صورة الكاتب سعيد يقطين
15 أبريل 2026
اقرأ المزيد
السيرة الشعبية والتاريخ الشعبي

السيرة الشعبية والتاريخ الشعبي

السيرة الشعبية والتاريخ الشعبي   إن أهم الموسوعات العربية ظهرت في الحقبة التي يسميها المؤرخون…

صورة الكاتب سعيد يقطين
26 مارس 2026
اقرأ المزيد
هوس البحث في الأصول

هوس البحث في الأصول

هوس البحث في الأصول أتعجب كثيرا مما صار بعض المثقفين العرب والمغاربة يخوضون فيه من…

صورة الكاتب سعيد يقطين
9 فبراير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


القرآن الكريم: أحرف وقراءات

بقلم: سعيد يقطين | التاريخ: 2 مارس 2026

التصنيف: الأدب

القرآن الكريم: أحرف وقراءات

 

اهتم العرب قبل الإسلام بالشعر، واعتبروه ديوانهم الذي سجلوا فيه أخبارهم وآثارهم وأيامهم وحياتهم في مختلف تجلياتها. ومتى نبغ لدى قبيلة من القبائل شاعر أقاموا الأفراح والولائم احتفاء باللسان الذي ينطق بمناقبهم. وكان لكل شاعر راو يروي قصائده، وينشرها على الناس حيثما وجد. ولكننا مع ذلك لا نعرف اليوم كيف كان يلقي الشاعر قصيدته، ولا كيف كان يؤديها الراوي نيابة عنه.
قد نجد في صنعات بعض الدواوين الشعرية ما قبل الإسلامية، وحتى بعد الإسلام، اختلافات في تدوين بعض الكلمات وروايتها، ولكننا لا نعرف كيفية النطق بها حسب اللهجة التي كان يستعملها الشاعر تبعا للقبيلة التي ينتمي إليها. لكننا مع القرآن الكريم أمام وضع مختلف جذريا. فنحن نقرأ القرآن الكريم، إلى اليوم، بالطريقة التي قرأ بها الرسول (صلى الله عليه وسلم) القرآن الكريم للصحابة الذين تلقوا عنه هذه القراءات، وهي متعددة بتعدد الأحرف والقراءات التي أنزل بها القرآن الكريم. لا يتعلق الأمر فقط بخصوصية القرآن الكريم في هذه المسألة مقارنة مع الشعر العربي، ولكن أيضا عن كل النصوص التي وصلتنا، بلغات متعددة، من عصور غابرة. فلا نجد أمامنا سوى الصورة التي انتهت إليها مع الكتابة والتدوين.
لا بد لنا للوقوف على هذه الخاصية «القرآنية» المميزة من الانطلاق، من إبراز الفرق، أيضا، بين الحديث النبوي والقرآن الكريم على هذا المستوى. إن مقارنتنا القرآن الكريم بالشعر العربي، يمكن أن نوسعها للتمييز بين القرآن الكريم والحديث النبوي، إذ لم نعرف الطريقة التي كان يؤدى بها الحديث النبوي، ولا نجد الحديث عن الأحرف السبعة، والقراءات العشر، عندما نتحدث عن الحديث النبوي إسوة بما ألفناه متعلقا بالقرآن الكريم، وبغيره من النصوص البشرية.
يتجلى لنا هذا التمييز بجلاء بين صوتين تم من خلالهما نقل النص القرآني والحديثي. هذان الصوتان هما: القارئ بالنسبة للقرآن الكريم، والراوي بخصوص الحديث النبوي. إن القارئ هو من سمع من الرسول الآية، أو السورة، كما أنزلت عليه. أما الراوي فهو من يروي الحديث عمن سمعه منه متصلا بالرسول الكريم. وكان المسلمون يكتبون القرآن الكريم، ولم يكتبوا الحديث النبوي بأمر من الرسول كيلا يختلط بالقرآن الكريم. وكان طبيعيا أن يتعدد قراء القرآن الكريم وفق ما أقرأهم إياه الرسول في حياته، وأن تتعدد روايات الحديث تبعا للرواة الذين سمعوه مرفوعا إلى الرسول بعد وفاته، من عدة رواة انتهى إليهم هذا الحديث أو ذاك. ومن هنا يبرز لنا الفرق بين القارئ والراوي. ولهذا السبب كان من الضروري بروز علوم القرآن، ومن بينها علم القراءات، وعلوم الحديث التي تشدد في أصناف الرواة وأنواعهم ودرجة الثقة التي يمكن أن يحظوا بها في تدوين الحديث.

لقد تعدد متلقو القرآن الكريم مباشرة من الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأنهم كانوا من قبائل شتى. ولذلك تعددت القراءات القرآنية. «عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (رضي الله عنه) قال: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ، لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَقْرأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَذَلِكَ أنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَني، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنْه».

تعددت مواقف العلماء المسلمين واختلفت من الأحرف السبعة، وتباينت مواقفهم من تفسيرها، وصنفت عشرات الكتب التي تدقق فيها، وفي علاقتها بالقراءات السبع أو العشر، من لدن المسلمين والمستشرقين قديما وحديثا.