الواقعية في المسرح العراقي

صورة الكاتب
بقلم: محمد محسن السید
التاريخ: 13 ديسمبر 2025 عدد المشاهدات: 2072
الواقعية في المسرح العراقي

الواقعية في المسرح العراقي
شخصيات مسرحية عراقية وتجربتي في الاخراج الواقعي

كثيرة هي الجهود التي سطرت وتناولت التجربة الابداعية للفنانين المسرحيين وسلطت الضوء على تجاربهم الفنية . ومن بين اهم هذه الجهود يبرز دور الاكاديمي المرموق الدكتور عقيل مهدي يوسف في كتابه الموسوم(الواقعية في المسرح العراقي .. شخصيات مسرحية عراقية وتجربتي في الاخراج الواقعي) الصادر في بغداد -1990 . ظهر الكتاب كما هو معتاد بمقدمة وجيزة. اكد فيها الباحث ان الواقعية تميّز بها مسرحنا العراقي اتخذت صيغة انطباعية ، كضرورة حضارية وذوقية اتسم بها المسرح العراقي، اذ لا يمكن الحديث عن متطابقات حرفية بين التراث المسرحي الغربي، والعربي وفيه العراقي بهذا الشان ، اذ ثمة طروحات عراقية خاصة بشخصيتنا العراقية، تفرض حلولها على تجارب الفنانين العراقيين جميعا .
وقد قسم الباحث كتابه الى قسمين رئيسين: الاول تناول تجارب مسرحية مميزة عملت على ترسيخ هوية مسرحية عراقية خالصة في مجالات المسرح المتعددة:
كالاخراج والتمثيل والنقد والتاليف من امثال: حقي الشبلي/يوسف العاني/جاسم العبودي/ابراهيم جلال/ جعفر السعدي/بدري حسون فريد/ابراهيم الخطيب/بهنام منجائيل/ جعفر علي ، اضافة الى الباحث الذي خص تجربته بقسم خاص به من هذا الكتاب .
فقد استهل الموضوع الاول من هذا الكتاب بعنوان احقي الشبلي .. موضوعا مسرحيا) وفي سطورها الاولى نقرا: (… ما كان الراحل فردا داخل تجربة مقطوعة، او ذا تابلا تاريخ ، انما كان عنصرا مؤثرا الاجيال مسرحية مختلفة، ولو تجاوزنا عام -1993- حيث ولد في بغداد بمنطقة الحيدر خانة من اسرة متوسطة الحال ومحافظة الى عام (1926) عندما زار(جورج ابيض) العراق ، لاصبح بامكاننا تاشير بداية زمنه الفني الذي جعله يؤسس ومجموعة من اصدقاءه ، فرقته الوطنية التمثيلية)بعد تسع سنوات . ويقوده طموحه الى مصر لدراسة المسرح ، ويرجع الى العراق، ويوفد الى باريس، ليعود ثانية مؤسسا: لقسم المسرح في معهد الفنون الجميلة(1940) وللفرقة القومية للتمثيل ، وللرقص الشعبي ، ويطمح لتاسيس مسرح اوبرالي غنائي ولكن!).
وحول اعتزازه بهويته المسرحية العراقية يذكر الباحث: (.. وقبل وفاته بشهر اي الراحل حقي الشبلي – جمعتنا مناسبة معه وكان فيها متالما لان هناك من يرجع مصادر مسرحنا العراقي الى غير مضانها والتي ماكانت لتثمر لولا انها اشترطت ضميرنا الوطني والقومي والانساني)ومن الطرائف التي ينقلها الباحث قوله: (… ومن طرائف المرحوم عبدالله العزاوي، التي يذكرها حقي الشبلي في بداية الثلاثينات ، انهم بينما كانوا يمثلون(يوليوس قيصر) كان عبدالله العزاوي بضخامة قامته يقطع الحبال التي تشد الواح المسرح حين يعتليها ، وفي احدى المرات هوى لوح منها على راس صياد سمك كان مستظلا بها ليقوم بعدها وهو يرغي ويزيد : اللعنة عليكم وعلى اشراف روما ، لان العزاوي كان ينادي – اشراف روما وهو يؤدي دوره).
وحول علاقة الباحث باستاذه ، وعلاقته بطلبته يقول(… عرفت حقي انسانا محبا للجمال ، عاشقا للحياة، حتى تحفظت من قراءة مسرحيتي التي كتبتها عنه، وان كنت اتمنى ان يقدم لي ملاحظاته عنها . كان يحزن كثيرا وهو يتذكر ماضيه الحافل … وان كان يشير لي من طرف خفي عن الموقف الفلاني والحادثة الفلانية وذاك التاريخ ، وكنت اجيبه بالايجاب ، لارى امارات الاطمئنان بادية على ملامحه الانقية! … اننا التلاميذ نحار في فهم عمق العلاقة التي تربطنا بالفنان الراحل الاستاذ حقي – وهل نرجعها لرديادته اوالى انسانيته واريجة وسموه عن الصغائر؟ اوالى تلك الاسباب مجتمعة!! ويكفي انه كان واحدا كبيرا بينا ، ونحن نصوغ مقترحاتنا للتحضير للمؤتمر القطري الاول للمسرح ، نستشيره في الصغيرة والكبيرة، وكانت الدعوات تنهال عليه من اقطار عربية واجنبية).
وحول نصه(مسرح ايام زمان) وذكرياته عنه يذكر الباحث: (يا بطت النص الذي اسميته – مسرح ايام زمان – وفاتحت الفنان يوسف العاني والاستاذ سامي عبد الحميد وكنت اسارع الزمن لكي يظهر على خشبة مسرح عراقي، وجلسنا جلسات مشتركة انا وسامي، وكامت ملاحظات يوسف مشجعة لي، وطموحهما ان يتوفر النص على اصوات وذكريات اخرى لكي نحصر التيارات. الفنية لتبني من خلالها جهادية الفنان حقي، والصعوبات التي رافقت المسيرة المسرحية في القطر . وحينما كلفت من قبل فرقة المسرح الجامعي وجدت الفرصة مواتية في مسرح جاد يطرح افكارا وطنية مطوية، ويربط الجامعة بالمجتمع ، وشاطرني حماستي طلاب المسرح الذين لا يلتفتون للمحفزات التجارية والنجومية ، انما همهم الاول خدمة الثقافة الوطنية والحقيقة، وكنا جميعا نتفانى لتقديم العرض جاهزا بعد ثلاثة اسابيع بفترة. قياسية، وعلم الفنان حقي الشبلي بعملنا وهو بالمستشفى ، ثم رحل عنا وهو مطمئن الى ان الخير الذي زرعه بنا سيمكن في الارض ، وان الوفاء صفة قومية وحضارية لهنا الشعب العريق).
والملاحظة الاجرائية المهمة هنا في هذا الكتاب والتي دونها الباحث في صفحاته الاولى هي ان الباحث عمل على ايراد ملاحظاته عن الرواد -وهم الذين ذكرهم في كتابه هذا – معتمدا على محاوراته الشخصية معهم وعلى فترات زمنية متفاوتة ومتباعدة، فيما عدا محاورته مع الفنان، ابراهيم الخطيب الذي آثر على تسجيلها بقلمه، وهي محفوظة لدى الباحث . والفترة هذه من عام(1988-1972). وهنا نصل الى موضوع(حول التوثيق والفن في مسرحية (يوسف العاني يغني) ومما جاء في سطورها الاولى: (.. نحن نفهم ان العملية الفنية لها اليتها الخاصة، ولها ديناميكيتها المتفردة ، وهي وان تفيد من البيئة والمجتمع، وترتكز على الارضية ذاتها، يبقى هناك القانون الجمالي الذي يحكمها ودوره الحاسم في الصياغة الفنية ، والا لانتجت البيئة الواحدة فنانين متشابهين وانماطا مكررة!!).. ومن المعلوم ان الية التاثير والتاثر عند كل انسان تؤطرها المعادلة التالية: التعرف على الواقع /ادراك الواقع/ اتخاذ موقف عملي منه سواء اكان سلبيا ام ايجابيا، اي ان الانسان اما ان يغير الواقع ويحوله، او يذعن له ويباركه، وهذا ما حدث(للعاني)اي في المرحلة الاولى وقبل ان تنمو عنده بذرة

 

عن الکاتب / الکاتبة

محمد محسن السید
محمد محسن السید
الناقد المسرحي والادبي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

انا وجهي : انا الذات المتشظية…   قراءة في كتاب: (انا وجهي) للدكتورة عواطف نعيم

انا وجهي : انا الذات المتشظية… قراءة في كتاب: (انا وجهي) للدكتورة عواطف نعيم

انا وجهي : انا الذات المتشظية قراءة في كتاب: (انا وجهي) للدكتورة عواطف نعيم مداد…

صورة الكاتب محمد محسن السید
14 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد
اللعب في حياة الطفل

اللعب في حياة الطفل

اللعب في حياة الطفل الطفولة نوم العقل .(جان جاك روسو) مهاد أولي: يحتل اللعب في…

صورة الكاتب محمد محسن السید
14 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الواقعية في المسرح العراقي

بقلم: محمد محسن السید | التاريخ: 13 ديسمبر 2025

التصنيف: الثقافة والفنون

الواقعية في المسرح العراقي
شخصيات مسرحية عراقية وتجربتي في الاخراج الواقعي

كثيرة هي الجهود التي سطرت وتناولت التجربة الابداعية للفنانين المسرحيين وسلطت الضوء على تجاربهم الفنية . ومن بين اهم هذه الجهود يبرز دور الاكاديمي المرموق الدكتور عقيل مهدي يوسف في كتابه الموسوم(الواقعية في المسرح العراقي .. شخصيات مسرحية عراقية وتجربتي في الاخراج الواقعي) الصادر في بغداد -1990 . ظهر الكتاب كما هو معتاد بمقدمة وجيزة. اكد فيها الباحث ان الواقعية تميّز بها مسرحنا العراقي اتخذت صيغة انطباعية ، كضرورة حضارية وذوقية اتسم بها المسرح العراقي، اذ لا يمكن الحديث عن متطابقات حرفية بين التراث المسرحي الغربي، والعربي وفيه العراقي بهذا الشان ، اذ ثمة طروحات عراقية خاصة بشخصيتنا العراقية، تفرض حلولها على تجارب الفنانين العراقيين جميعا .
وقد قسم الباحث كتابه الى قسمين رئيسين: الاول تناول تجارب مسرحية مميزة عملت على ترسيخ هوية مسرحية عراقية خالصة في مجالات المسرح المتعددة:
كالاخراج والتمثيل والنقد والتاليف من امثال: حقي الشبلي/يوسف العاني/جاسم العبودي/ابراهيم جلال/ جعفر السعدي/بدري حسون فريد/ابراهيم الخطيب/بهنام منجائيل/ جعفر علي ، اضافة الى الباحث الذي خص تجربته بقسم خاص به من هذا الكتاب .
فقد استهل الموضوع الاول من هذا الكتاب بعنوان احقي الشبلي .. موضوعا مسرحيا) وفي سطورها الاولى نقرا: (… ما كان الراحل فردا داخل تجربة مقطوعة، او ذا تابلا تاريخ ، انما كان عنصرا مؤثرا الاجيال مسرحية مختلفة، ولو تجاوزنا عام -1993- حيث ولد في بغداد بمنطقة الحيدر خانة من اسرة متوسطة الحال ومحافظة الى عام (1926) عندما زار(جورج ابيض) العراق ، لاصبح بامكاننا تاشير بداية زمنه الفني الذي جعله يؤسس ومجموعة من اصدقاءه ، فرقته الوطنية التمثيلية)بعد تسع سنوات . ويقوده طموحه الى مصر لدراسة المسرح ، ويرجع الى العراق، ويوفد الى باريس، ليعود ثانية مؤسسا: لقسم المسرح في معهد الفنون الجميلة(1940) وللفرقة القومية للتمثيل ، وللرقص الشعبي ، ويطمح لتاسيس مسرح اوبرالي غنائي ولكن!).
وحول اعتزازه بهويته المسرحية العراقية يذكر الباحث: (.. وقبل وفاته بشهر اي الراحل حقي الشبلي – جمعتنا مناسبة معه وكان فيها متالما لان هناك من يرجع مصادر مسرحنا العراقي الى غير مضانها والتي ماكانت لتثمر لولا انها اشترطت ضميرنا الوطني والقومي والانساني)ومن الطرائف التي ينقلها الباحث قوله: (… ومن طرائف المرحوم عبدالله العزاوي، التي يذكرها حقي الشبلي في بداية الثلاثينات ، انهم بينما كانوا يمثلون(يوليوس قيصر) كان عبدالله العزاوي بضخامة قامته يقطع الحبال التي تشد الواح المسرح حين يعتليها ، وفي احدى المرات هوى لوح منها على راس صياد سمك كان مستظلا بها ليقوم بعدها وهو يرغي ويزيد : اللعنة عليكم وعلى اشراف روما ، لان العزاوي كان ينادي – اشراف روما وهو يؤدي دوره).
وحول علاقة الباحث باستاذه ، وعلاقته بطلبته يقول(… عرفت حقي انسانا محبا للجمال ، عاشقا للحياة، حتى تحفظت من قراءة مسرحيتي التي كتبتها عنه، وان كنت اتمنى ان يقدم لي ملاحظاته عنها . كان يحزن كثيرا وهو يتذكر ماضيه الحافل … وان كان يشير لي من طرف خفي عن الموقف الفلاني والحادثة الفلانية وذاك التاريخ ، وكنت اجيبه بالايجاب ، لارى امارات الاطمئنان بادية على ملامحه الانقية! … اننا التلاميذ نحار في فهم عمق العلاقة التي تربطنا بالفنان الراحل الاستاذ حقي – وهل نرجعها لرديادته اوالى انسانيته واريجة وسموه عن الصغائر؟ اوالى تلك الاسباب مجتمعة!! ويكفي انه كان واحدا كبيرا بينا ، ونحن نصوغ مقترحاتنا للتحضير للمؤتمر القطري الاول للمسرح ، نستشيره في الصغيرة والكبيرة، وكانت الدعوات تنهال عليه من اقطار عربية واجنبية).
وحول نصه(مسرح ايام زمان) وذكرياته عنه يذكر الباحث: (يا بطت النص الذي اسميته – مسرح ايام زمان – وفاتحت الفنان يوسف العاني والاستاذ سامي عبد الحميد وكنت اسارع الزمن لكي يظهر على خشبة مسرح عراقي، وجلسنا جلسات مشتركة انا وسامي، وكامت ملاحظات يوسف مشجعة لي، وطموحهما ان يتوفر النص على اصوات وذكريات اخرى لكي نحصر التيارات. الفنية لتبني من خلالها جهادية الفنان حقي، والصعوبات التي رافقت المسيرة المسرحية في القطر . وحينما كلفت من قبل فرقة المسرح الجامعي وجدت الفرصة مواتية في مسرح جاد يطرح افكارا وطنية مطوية، ويربط الجامعة بالمجتمع ، وشاطرني حماستي طلاب المسرح الذين لا يلتفتون للمحفزات التجارية والنجومية ، انما همهم الاول خدمة الثقافة الوطنية والحقيقة، وكنا جميعا نتفانى لتقديم العرض جاهزا بعد ثلاثة اسابيع بفترة. قياسية، وعلم الفنان حقي الشبلي بعملنا وهو بالمستشفى ، ثم رحل عنا وهو مطمئن الى ان الخير الذي زرعه بنا سيمكن في الارض ، وان الوفاء صفة قومية وحضارية لهنا الشعب العريق).
والملاحظة الاجرائية المهمة هنا في هذا الكتاب والتي دونها الباحث في صفحاته الاولى هي ان الباحث عمل على ايراد ملاحظاته عن الرواد -وهم الذين ذكرهم في كتابه هذا – معتمدا على محاوراته الشخصية معهم وعلى فترات زمنية متفاوتة ومتباعدة، فيما عدا محاورته مع الفنان، ابراهيم الخطيب الذي آثر على تسجيلها بقلمه، وهي محفوظة لدى الباحث . والفترة هذه من عام(1988-1972). وهنا نصل الى موضوع(حول التوثيق والفن في مسرحية (يوسف العاني يغني) ومما جاء في سطورها الاولى: (.. نحن نفهم ان العملية الفنية لها اليتها الخاصة، ولها ديناميكيتها المتفردة ، وهي وان تفيد من البيئة والمجتمع، وترتكز على الارضية ذاتها، يبقى هناك القانون الجمالي الذي يحكمها ودوره الحاسم في الصياغة الفنية ، والا لانتجت البيئة الواحدة فنانين متشابهين وانماطا مكررة!!).. ومن المعلوم ان الية التاثير والتاثر عند كل انسان تؤطرها المعادلة التالية: التعرف على الواقع /ادراك الواقع/ اتخاذ موقف عملي منه سواء اكان سلبيا ام ايجابيا، اي ان الانسان اما ان يغير الواقع ويحوله، او يذعن له ويباركه، وهذا ما حدث(للعاني)اي في المرحلة الاولى وقبل ان تنمو عنده بذرة