بين المقال الفلسفي و التأمل الادبي في (قراءات من اجل النسيان)
كتاب (قراءات من أجل النسيان) لعبد السلام بنعبد العالي ليس مجموعة مقالات بقدر ما هو تمرين فلسفي على تفكيك الذاكرة ذاتها، وعلى مساءلة ما نعدّه بديهيًا في فعل القراءة والكتابة والتذكّر. هنا لا يتعامل بنعبد العالي مع النسيان بوصفه نقصًا أو خللًا في الوعي، بل يرفعه إلى مرتبة الفعل الخلّاق، ويمنحه قيمة معرفية وجمالية توازي – وربما تتفوّق على – فعل التذكّر.
ينطلق الكتاب من أفق فلسفي متشعّب، يستعير أدواته من التفكيك، ومن الفلسفة المعاصرة، ومن نقد الخطاب، دون أن يقع في أسر الاصطلاح الأكاديمي الجاف. لغة بنعبد العالي مشغولة بعناية: لغة هادئة، متأنية، تميل إلى الإيحاء أكثر من التصريح، وتراهن على القارئ بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى لا متلقيًا سلبيًا. وهذا ما يجعل القراءة فعلًا إشكاليًا بحد ذاته، قراءة تُجبر القارئ على أن يتوقّف، أن يعيد النظر، وأن يشكّ في ما ظنّ أنه فهمه.
النصوص التي يضمّها الكتاب تتحرّك في منطقة وسطى بين المقال الفلسفي والتأمل الأدبي. فـ(النسيان) هنا ليس موضوعًا مستقلًا، بل هو عدسة يُعاد من خلالها النظر في مفاهيم مثل الهوية، والكتابة، والذاكرة الثقافية، وسلطة النص. يطرح بنعبد العالي سؤالًا مركزيًا: هل نحن ما نتذكّره، أم ما ننجح في نسيانه؟ ومن هذا السؤال تتفرّع إشكالات تتعلّق بتاريخ الفكر، وبعلاقة الذات بتراثها، وبكيفية قراءة النصوص المؤسسة دون الوقوع في عبادة الماضي أو القطيعة معه.
أحد أبرز مكامن قوة الكتاب هو مقاومته للنزعة التقديسية للذاكرة. فبنعبد العالي لا يدعو إلى محو الذاكرة، بل إلى تحريرها من ثقلها السلطوي، إلى نسيانٍ واعٍ يفتح أفقًا جديدًا للفهم. النسيان هنا شرط للإبداع، وضرورة لإعادة القراءة، وطريقة لمساءلة ما استقرّ في الوعي الجمعي بوصفه حقيقة نهائية. بهذا المعنى، يصبح النسيان فعلًا نقديًا، لا هروبًا من الماضي بل مواجهة غير مباشرة معه.
غير أن هذا الطابع التأملي العميق قد يشكّل في الوقت ذاته أحد تحديات الكتاب؛ فالقارئ غير المتمرّس على الكتابة الفلسفية قد يشعر بشيء من التشتّت أو الغموض، خاصة أن بنعبد العالي يتعمّد كسر الخطية وتفادي الخلاصات الجاهزة. لكن هذا الغموض ليس ضعفًا، بل خيارًا جماليًا ومعرفيًا ينسجم مع مشروع الكتاب نفسه: زعزعة اليقين، وإبقاء الأسئلة مفتوحة.
في المحصلة، (قراءات من أجل النسيان) كتاب يراهن على قارئ يقظ، مستعد لأن يقرأ ضد العادة، وأن يتخلى عن وهم الامتلاك النهائي للمعنى. إنه نص يشتغل في المسافة بين الفلسفة والأدب، ويقترح النسيان لا كخسارة، بل كإمكانية للفهم، وكشرطٍ أولي لولادة قراءة جديدة، أكثر حرية وأقل خضوعًا لسلطة الذاكرة.
علاء أحمد الشاهين
بين المقال الفلسفي و التأمل الادبي في (قراءات من اجل النسيان)
بين المقال الفلسفي و التأمل الادبي في (قراءات من اجل النسيان)
كتاب (قراءات من أجل النسيان) لعبد السلام بنعبد العالي ليس مجموعة مقالات بقدر ما هو تمرين فلسفي على تفكيك الذاكرة ذاتها، وعلى مساءلة ما نعدّه بديهيًا في فعل القراءة والكتابة والتذكّر. هنا لا يتعامل بنعبد العالي مع النسيان بوصفه نقصًا أو خللًا في الوعي، بل يرفعه إلى مرتبة الفعل الخلّاق، ويمنحه قيمة معرفية وجمالية توازي – وربما تتفوّق على – فعل التذكّر.
ينطلق الكتاب من أفق فلسفي متشعّب، يستعير أدواته من التفكيك، ومن الفلسفة المعاصرة، ومن نقد الخطاب، دون أن يقع في أسر الاصطلاح الأكاديمي الجاف. لغة بنعبد العالي مشغولة بعناية: لغة هادئة، متأنية، تميل إلى الإيحاء أكثر من التصريح، وتراهن على القارئ بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى لا متلقيًا سلبيًا. وهذا ما يجعل القراءة فعلًا إشكاليًا بحد ذاته، قراءة تُجبر القارئ على أن يتوقّف، أن يعيد النظر، وأن يشكّ في ما ظنّ أنه فهمه.
النصوص التي يضمّها الكتاب تتحرّك في منطقة وسطى بين المقال الفلسفي والتأمل الأدبي. فـ(النسيان) هنا ليس موضوعًا مستقلًا، بل هو عدسة يُعاد من خلالها النظر في مفاهيم مثل الهوية، والكتابة، والذاكرة الثقافية، وسلطة النص. يطرح بنعبد العالي سؤالًا مركزيًا: هل نحن ما نتذكّره، أم ما ننجح في نسيانه؟ ومن هذا السؤال تتفرّع إشكالات تتعلّق بتاريخ الفكر، وبعلاقة الذات بتراثها، وبكيفية قراءة النصوص المؤسسة دون الوقوع في عبادة الماضي أو القطيعة معه.
أحد أبرز مكامن قوة الكتاب هو مقاومته للنزعة التقديسية للذاكرة. فبنعبد العالي لا يدعو إلى محو الذاكرة، بل إلى تحريرها من ثقلها السلطوي، إلى نسيانٍ واعٍ يفتح أفقًا جديدًا للفهم. النسيان هنا شرط للإبداع، وضرورة لإعادة القراءة، وطريقة لمساءلة ما استقرّ في الوعي الجمعي بوصفه حقيقة نهائية. بهذا المعنى، يصبح النسيان فعلًا نقديًا، لا هروبًا من الماضي بل مواجهة غير مباشرة معه.
غير أن هذا الطابع التأملي العميق قد يشكّل في الوقت ذاته أحد تحديات الكتاب؛ فالقارئ غير المتمرّس على الكتابة الفلسفية قد يشعر بشيء من التشتّت أو الغموض، خاصة أن بنعبد العالي يتعمّد كسر الخطية وتفادي الخلاصات الجاهزة. لكن هذا الغموض ليس ضعفًا، بل خيارًا جماليًا ومعرفيًا ينسجم مع مشروع الكتاب نفسه: زعزعة اليقين، وإبقاء الأسئلة مفتوحة.
في المحصلة، (قراءات من أجل النسيان) كتاب يراهن على قارئ يقظ، مستعد لأن يقرأ ضد العادة، وأن يتخلى عن وهم الامتلاك النهائي للمعنى. إنه نص يشتغل في المسافة بين الفلسفة والأدب، ويقترح النسيان لا كخسارة، بل كإمكانية للفهم، وكشرطٍ أولي لولادة قراءة جديدة، أكثر حرية وأقل خضوعًا لسلطة الذاكرة.
علاء أحمد الشاهين
التعليقات