حين يتمرد المكان على السيرة: قراءة نقدية في كتاب جمال العتابي

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 15 فبراير 2026 عدد المشاهدات: 3089
حين يتمرد المكان على السيرة: قراءة نقدية في كتاب جمال العتابي

حين يتمرد المكان على السيرة: قراءة نقدية في كتاب جمال العتابي

في الوقت الذي اعتادت فيه السيرة الذاتية أن تتمركز حول الفرد وتجربته، يأتي كتاب جمال العتابي «داخل المكان – المدن روح ومعنى» ليقلب هذه المعادلة، جاعلا من المكان سلطة سردية تتقدم على الإنسان نفسه. هنا لا يعود المكان مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى بنية مهيمنة تعيد تشكيل الذاكرة وتفرض رؤيتها على السرد، في تجربة يمكن قراءتها بوصفها محاولة واعية لإعادة تعريف العلاقة بين الذات والجغرافيا.
العتابي لا يتعامل مع المكان بوصفه إطارا محايدا، بل يمنحه مركز القيادة في النص، حتى تكاد الشخصيات تبدو منقادة لسطوته. وهذا الخيار السردي يضع الكتاب في مواجهة ضمنية مع تقاليد سردية رسخت مركزية الإنسان. فالمكان هنا ليس ديكورا روائيا، بل ذاكرة فاعلة تعيد إنتاج التاريخ الشخصي والاجتماعي، وتكشف — بوعي نقدي — هشاشة التصورات البيروقراطية عن الهوية والانتماء، كما يتجلى بوضوح في نصوص مثل «غشيم جد أبي»، حيث تتحول المفارقة إلى أداة نقد اجتماعي لاذع.
ما ينجزه العتابي لا يقتصر على التوثيق الحميم للأمكنة، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة التحولات التي أصابت هذه الفضاءات. فالمقارنة بين أمكنة الماضي والحاضر ليست مجرد حنين، بل نقد ضمني لانحسار الدور الثقافي والإنساني للمكان. وهنا يطرح الكتاب سؤالا جوهريا: هل تغير المكان فعلا، أم أننا فقدنا القدرة على العيش داخله بوصفه فضاء جامعا للهوية والمعنى؟
في النهاية، يقدّم «داخل المكان» أكثر من سيرة ذاتية؛ إنه موقف فكري من علاقة الإنسان بفضائه. فالعتابي يكتب دفاعا عن المكان بوصفه ذاكرة حية، لكنه في الوقت نفسه يفتح باب التساؤل حول ما الذي خسرناه حين تراجعت هذه الأمكنة عن دورها الثقافي والإنساني. وهكذا يغدو الكتاب شهادة حب، نعم — لكنه أيضا مراجعة نقدية لزمن تغير فيه معنى الانتماء.

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

«عرضحال بغدادي»… قراءة نقدية في منجز القاص خضير فليح الزيدي

«عرضحال بغدادي»… قراءة نقدية في منجز القاص خضير فليح الزيدي

«عرضحال بغدادي»… قراءة نقدية في منجز القاص خضير فليح الزيدي في المركز الثقافي البغدادي مقدمة…

صورة الكاتب حمدي العطار
18 أبريل 2026
اقرأ المزيد
“القص المعرفي بين غواية الفكرة وإشكالية التشكيل السردي

“القص المعرفي بين غواية الفكرة وإشكالية التشكيل السردي

الورقة النقدية التي قدمت في جلسة ( نادي الكتاب في بغداد مدينة الابداع -اليونسكو) اليوم…

صورة الكاتب حمدي العطار
17 أبريل 2026
اقرأ المزيد
المثقف والسلطة… جدلية التأثير والقدرة المحيدة

المثقف والسلطة… جدلية التأثير والقدرة المحيدة

المثقف والسلطة… جدلية التأثير والقدرة المحيدة مقدمة في سياق البحث المتواصل عن دور المثقف في…

صورة الكاتب حمدي العطار
12 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حين يتمرد المكان على السيرة: قراءة نقدية في كتاب جمال العتابي

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 15 فبراير 2026

التصنيف: الأدب

حين يتمرد المكان على السيرة: قراءة نقدية في كتاب جمال العتابي

في الوقت الذي اعتادت فيه السيرة الذاتية أن تتمركز حول الفرد وتجربته، يأتي كتاب جمال العتابي «داخل المكان – المدن روح ومعنى» ليقلب هذه المعادلة، جاعلا من المكان سلطة سردية تتقدم على الإنسان نفسه. هنا لا يعود المكان مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى بنية مهيمنة تعيد تشكيل الذاكرة وتفرض رؤيتها على السرد، في تجربة يمكن قراءتها بوصفها محاولة واعية لإعادة تعريف العلاقة بين الذات والجغرافيا.
العتابي لا يتعامل مع المكان بوصفه إطارا محايدا، بل يمنحه مركز القيادة في النص، حتى تكاد الشخصيات تبدو منقادة لسطوته. وهذا الخيار السردي يضع الكتاب في مواجهة ضمنية مع تقاليد سردية رسخت مركزية الإنسان. فالمكان هنا ليس ديكورا روائيا، بل ذاكرة فاعلة تعيد إنتاج التاريخ الشخصي والاجتماعي، وتكشف — بوعي نقدي — هشاشة التصورات البيروقراطية عن الهوية والانتماء، كما يتجلى بوضوح في نصوص مثل «غشيم جد أبي»، حيث تتحول المفارقة إلى أداة نقد اجتماعي لاذع.
ما ينجزه العتابي لا يقتصر على التوثيق الحميم للأمكنة، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة التحولات التي أصابت هذه الفضاءات. فالمقارنة بين أمكنة الماضي والحاضر ليست مجرد حنين، بل نقد ضمني لانحسار الدور الثقافي والإنساني للمكان. وهنا يطرح الكتاب سؤالا جوهريا: هل تغير المكان فعلا، أم أننا فقدنا القدرة على العيش داخله بوصفه فضاء جامعا للهوية والمعنى؟
في النهاية، يقدّم «داخل المكان» أكثر من سيرة ذاتية؛ إنه موقف فكري من علاقة الإنسان بفضائه. فالعتابي يكتب دفاعا عن المكان بوصفه ذاكرة حية، لكنه في الوقت نفسه يفتح باب التساؤل حول ما الذي خسرناه حين تراجعت هذه الأمكنة عن دورها الثقافي والإنساني. وهكذا يغدو الكتاب شهادة حب، نعم — لكنه أيضا مراجعة نقدية لزمن تغير فيه معنى الانتماء.