حين يتمرد المكان على السيرة: قراءة نقدية في كتاب جمال العتابي
في الوقت الذي اعتادت فيه السيرة الذاتية أن تتمركز حول الفرد وتجربته، يأتي كتاب جمال العتابي «داخل المكان – المدن روح ومعنى» ليقلب هذه المعادلة، جاعلا من المكان سلطة سردية تتقدم على الإنسان نفسه. هنا لا يعود المكان مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى بنية مهيمنة تعيد تشكيل الذاكرة وتفرض رؤيتها على السرد، في تجربة يمكن قراءتها بوصفها محاولة واعية لإعادة تعريف العلاقة بين الذات والجغرافيا.
العتابي لا يتعامل مع المكان بوصفه إطارا محايدا، بل يمنحه مركز القيادة في النص، حتى تكاد الشخصيات تبدو منقادة لسطوته. وهذا الخيار السردي يضع الكتاب في مواجهة ضمنية مع تقاليد سردية رسخت مركزية الإنسان. فالمكان هنا ليس ديكورا روائيا، بل ذاكرة فاعلة تعيد إنتاج التاريخ الشخصي والاجتماعي، وتكشف — بوعي نقدي — هشاشة التصورات البيروقراطية عن الهوية والانتماء، كما يتجلى بوضوح في نصوص مثل «غشيم جد أبي»، حيث تتحول المفارقة إلى أداة نقد اجتماعي لاذع.
ما ينجزه العتابي لا يقتصر على التوثيق الحميم للأمكنة، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة التحولات التي أصابت هذه الفضاءات. فالمقارنة بين أمكنة الماضي والحاضر ليست مجرد حنين، بل نقد ضمني لانحسار الدور الثقافي والإنساني للمكان. وهنا يطرح الكتاب سؤالا جوهريا: هل تغير المكان فعلا، أم أننا فقدنا القدرة على العيش داخله بوصفه فضاء جامعا للهوية والمعنى؟
في النهاية، يقدّم «داخل المكان» أكثر من سيرة ذاتية؛ إنه موقف فكري من علاقة الإنسان بفضائه. فالعتابي يكتب دفاعا عن المكان بوصفه ذاكرة حية، لكنه في الوقت نفسه يفتح باب التساؤل حول ما الذي خسرناه حين تراجعت هذه الأمكنة عن دورها الثقافي والإنساني. وهكذا يغدو الكتاب شهادة حب، نعم — لكنه أيضا مراجعة نقدية لزمن تغير فيه معنى الانتماء.
حين يتمرد المكان على السيرة: قراءة نقدية في كتاب جمال العتابي
حين يتمرد المكان على السيرة: قراءة نقدية في كتاب جمال العتابي
في الوقت الذي اعتادت فيه السيرة الذاتية أن تتمركز حول الفرد وتجربته، يأتي كتاب جمال العتابي «داخل المكان – المدن روح ومعنى» ليقلب هذه المعادلة، جاعلا من المكان سلطة سردية تتقدم على الإنسان نفسه. هنا لا يعود المكان مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى بنية مهيمنة تعيد تشكيل الذاكرة وتفرض رؤيتها على السرد، في تجربة يمكن قراءتها بوصفها محاولة واعية لإعادة تعريف العلاقة بين الذات والجغرافيا.
العتابي لا يتعامل مع المكان بوصفه إطارا محايدا، بل يمنحه مركز القيادة في النص، حتى تكاد الشخصيات تبدو منقادة لسطوته. وهذا الخيار السردي يضع الكتاب في مواجهة ضمنية مع تقاليد سردية رسخت مركزية الإنسان. فالمكان هنا ليس ديكورا روائيا، بل ذاكرة فاعلة تعيد إنتاج التاريخ الشخصي والاجتماعي، وتكشف — بوعي نقدي — هشاشة التصورات البيروقراطية عن الهوية والانتماء، كما يتجلى بوضوح في نصوص مثل «غشيم جد أبي»، حيث تتحول المفارقة إلى أداة نقد اجتماعي لاذع.
ما ينجزه العتابي لا يقتصر على التوثيق الحميم للأمكنة، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة التحولات التي أصابت هذه الفضاءات. فالمقارنة بين أمكنة الماضي والحاضر ليست مجرد حنين، بل نقد ضمني لانحسار الدور الثقافي والإنساني للمكان. وهنا يطرح الكتاب سؤالا جوهريا: هل تغير المكان فعلا، أم أننا فقدنا القدرة على العيش داخله بوصفه فضاء جامعا للهوية والمعنى؟
في النهاية، يقدّم «داخل المكان» أكثر من سيرة ذاتية؛ إنه موقف فكري من علاقة الإنسان بفضائه. فالعتابي يكتب دفاعا عن المكان بوصفه ذاكرة حية، لكنه في الوقت نفسه يفتح باب التساؤل حول ما الذي خسرناه حين تراجعت هذه الأمكنة عن دورها الثقافي والإنساني. وهكذا يغدو الكتاب شهادة حب، نعم — لكنه أيضا مراجعة نقدية لزمن تغير فيه معنى الانتماء.
التعليقات