“سيدةُ البحرِ”

صورة الكاتب
بقلم: نور سليمان
التاريخ: 5 مايو 2026 عدد المشاهدات: 1560
“سيدةُ البحرِ”

سيدةُ البحرِ

​كانتِ السيدةُ التي تجلسُ قُدَّامَ البحرِ
تنسِجُ الأحلامَ أمواجًا
وأسرابَ نوارسَ
ومقاطعَ دافئةً ..
عنِ الرجلِ الذي سافرَ بعيدًا
ولمْ يعُدْ بعدُ
يستهويها كثيرًا
أنْ ترسمَ على الرمالِ خطوطًا
وتعاريجَ على هيئةِ بيوتٍ
ثم تعودُ فتمسحُها ..
تتحدثُ في حسرةٍ
عنِ النورسِ الذي تابعَهُ ..
حتى شواطئِ المدنِ البعيدةِ
ثم عادَ محمَّلًا بالوجْدِ .
وعنِ النساءِ الأخرياتِ
اللواتي قطعْنَ أيدِيَهُنَّ كثيرًا
تحملُ بينَ يدَيها غيماتِ الوحدةِ
وسماءاتِ الفقدِ .
شافتْ رجلًا يشبهُهُ
قفزَ فؤادُها الذي
لازالَتْ تعصُرُهُ فينزُّ خيالاتٍ
لرجالٍ مرُّوا منْ خلالِ السنواتِ
السيدةُ التي تحملُ مِغْزَلًا
تنسِجُ بهِ الأيامَ الميتةَ
لازالَ قلبُها ينزُّ دقاتٍ خافتةً تذكرُها بهِ
هيَ الآنَ تحصي الموجَ
ليسَ لديها ما تفعلُهُ
سوى أنْ تُحصيَ الأمواجَ
الذاهبةَ والعائدةَ ببقايا السفرِ
كيفَ لقلبِها الواهنِ
أنَّهُ مازالَ يتذكرُ تلكَ الصخرةَ
التي كادتْ أنْ تقطعَ قدمَها على الشاطئِ
وهيَ تجري أمامَهُ
كيفَ حملَها إلى أقربِ مشفى
ليضمِّدَ جرحَ قدمِها
هيَ الآنَ تحتاجُهُ كثيرًا
ليضمِّدَ جرحَ قلبِها
أربعةُ أماكنَ اعتادَ أنْ يأخذَها إليها
مطعمُ الشاطئِ
والحديقةُ المجاورةُ
ومحلُّ الزهورِ
وقلبُهُ الذي تسكُنُهُ
حتى الإطارُ المطاطيُّ
الذي كانتْ تجلسُ بداخِلِهِ في البحرِ
مازالتْ تحتفظُ بأنفاسِهِ داخلَهُ
لمْ تشأْ أنْ تُفرغَ الهواءَ منهُ
حتى يكونَ لديها بعضٌ مِنْ رائحتِهِ
آهٍ مِنْ لوعةِ التذكُّرِ
البحرُ مازالَ يذكرُهُ
كلَّ يومٍ يُلقي إليها بعضَ الأوراقِ
وبداخلِ رمالِ الشاطئِ
عملاتٌ نقديةٌ وولاعةُ سجائرَ
ومفاتيحُ
ووردةٌ ذابلةٌ تظنُّ هيَ أنَّها لَهُ
يا لهذا الصَّقيعِ
الصيفُ على وشكِ مُغادرةِ الشاطئِ
ولفحةُ صقيعٍ تأخذُها إلى هناكَ
المطعمُ المجاورُ للشاطئِ.
كانَ يقدمُ لهما في أوقاتِ الصقيعِ هذهِ
طعامًا ساخنًا
ومشروبًا ساخنًا
وقلوبًا دافئةً
بعضَ المحارِ مع حساءِ الأسماكِ
وعيونًا ترقبُ الوجدَ
وورودٌ كثيرةٌ مُوَزَّعةٌ بانتظامٍ
على فؤادَيْهِما
يظلانِ هكذا حتى الساعاتِ الأولى منَ الفجرِ
ثم يخرجانِ معًا
يطويانِ الوقتَ
محمَّلَيْنِ بكلِّ الحكاياتِ
تجلسُ قُدَّامَ البحرِ
تحكي عنْ رجلٍ شاركَها الأحلامَ وسافرَ
ومازالتْ أنفاسُهُ تملأُ الإطارَ المطاطيَّ
الذي يحملُها إلى هناكَ
لمْ تشأْ بعدُ أنْ تُفرِغَهُ منَ الهواءِ
حتى يعودَ

عن الکاتب / الکاتبة

نور سليمان
نور سليمان
شاعر وكاتب/ مصر

مقالات أخرى للكاتب

“فصل في باب الشهداء”

“فصل في باب الشهداء”

فصل في باب الشهداء وقفت تسأل فى استحياء عن مسكنها لما إغتربت تحسب أن جدار…

صورة الكاتب نور سليمان
9 مايو 2026
اقرأ المزيد
صالون العقاد  منارة الفكر .. وفكرة التنوير

صالون العقاد  منارة الفكر .. وفكرة التنوير

صالون العقاد منارة الفكر .. وفكرة التنوير ​يُعد صالون عباس محمود العقاد الأدبي أكثر من…

صورة الكاتب نور سليمان
2 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“سيدةُ البحرِ”

بقلم: نور سليمان | التاريخ: 5 مايو 2026

التصنيف: الشعر

سيدةُ البحرِ

​كانتِ السيدةُ التي تجلسُ قُدَّامَ البحرِ
تنسِجُ الأحلامَ أمواجًا
وأسرابَ نوارسَ
ومقاطعَ دافئةً ..
عنِ الرجلِ الذي سافرَ بعيدًا
ولمْ يعُدْ بعدُ
يستهويها كثيرًا
أنْ ترسمَ على الرمالِ خطوطًا
وتعاريجَ على هيئةِ بيوتٍ
ثم تعودُ فتمسحُها ..
تتحدثُ في حسرةٍ
عنِ النورسِ الذي تابعَهُ ..
حتى شواطئِ المدنِ البعيدةِ
ثم عادَ محمَّلًا بالوجْدِ .
وعنِ النساءِ الأخرياتِ
اللواتي قطعْنَ أيدِيَهُنَّ كثيرًا
تحملُ بينَ يدَيها غيماتِ الوحدةِ
وسماءاتِ الفقدِ .
شافتْ رجلًا يشبهُهُ
قفزَ فؤادُها الذي
لازالَتْ تعصُرُهُ فينزُّ خيالاتٍ
لرجالٍ مرُّوا منْ خلالِ السنواتِ
السيدةُ التي تحملُ مِغْزَلًا
تنسِجُ بهِ الأيامَ الميتةَ
لازالَ قلبُها ينزُّ دقاتٍ خافتةً تذكرُها بهِ
هيَ الآنَ تحصي الموجَ
ليسَ لديها ما تفعلُهُ
سوى أنْ تُحصيَ الأمواجَ
الذاهبةَ والعائدةَ ببقايا السفرِ
كيفَ لقلبِها الواهنِ
أنَّهُ مازالَ يتذكرُ تلكَ الصخرةَ
التي كادتْ أنْ تقطعَ قدمَها على الشاطئِ
وهيَ تجري أمامَهُ
كيفَ حملَها إلى أقربِ مشفى
ليضمِّدَ جرحَ قدمِها
هيَ الآنَ تحتاجُهُ كثيرًا
ليضمِّدَ جرحَ قلبِها
أربعةُ أماكنَ اعتادَ أنْ يأخذَها إليها
مطعمُ الشاطئِ
والحديقةُ المجاورةُ
ومحلُّ الزهورِ
وقلبُهُ الذي تسكُنُهُ
حتى الإطارُ المطاطيُّ
الذي كانتْ تجلسُ بداخِلِهِ في البحرِ
مازالتْ تحتفظُ بأنفاسِهِ داخلَهُ
لمْ تشأْ أنْ تُفرغَ الهواءَ منهُ
حتى يكونَ لديها بعضٌ مِنْ رائحتِهِ
آهٍ مِنْ لوعةِ التذكُّرِ
البحرُ مازالَ يذكرُهُ
كلَّ يومٍ يُلقي إليها بعضَ الأوراقِ
وبداخلِ رمالِ الشاطئِ
عملاتٌ نقديةٌ وولاعةُ سجائرَ
ومفاتيحُ
ووردةٌ ذابلةٌ تظنُّ هيَ أنَّها لَهُ
يا لهذا الصَّقيعِ
الصيفُ على وشكِ مُغادرةِ الشاطئِ
ولفحةُ صقيعٍ تأخذُها إلى هناكَ
المطعمُ المجاورُ للشاطئِ.
كانَ يقدمُ لهما في أوقاتِ الصقيعِ هذهِ
طعامًا ساخنًا
ومشروبًا ساخنًا
وقلوبًا دافئةً
بعضَ المحارِ مع حساءِ الأسماكِ
وعيونًا ترقبُ الوجدَ
وورودٌ كثيرةٌ مُوَزَّعةٌ بانتظامٍ
على فؤادَيْهِما
يظلانِ هكذا حتى الساعاتِ الأولى منَ الفجرِ
ثم يخرجانِ معًا
يطويانِ الوقتَ
محمَّلَيْنِ بكلِّ الحكاياتِ
تجلسُ قُدَّامَ البحرِ
تحكي عنْ رجلٍ شاركَها الأحلامَ وسافرَ
ومازالتْ أنفاسُهُ تملأُ الإطارَ المطاطيَّ
الذي يحملُها إلى هناكَ
لمْ تشأْ بعدُ أنْ تُفرِغَهُ منَ الهواءِ
حتى يعودَ