في قيلولةِ الصيف،
حينَ كانَ الغبارُ يجلسُ على الطاولة،
ونحنُ نجلسُ تحتها،
جاءَ جدي الرابعُ وجدي الخامس
جدي الخامس
كانَ يزوجُ القبائلَ بإيماءةٍ من حاجبِه،
وجدي الرابعُ كانَ يدفنُ الخيولَ واقفةً
كي لا تنسى كيفَ تموتُ بشرف
جلسا قبالتي،
يبحثانِ عن أثرٍ لهما في جبهتي،
وينفضانِ عن لحيتيهما
رمادَ إمبراطورياتٍ بائدة
نظرَ جدي الخامسُ إلى مفرقي،
ودحرجَ نحوَ فنجاني خاتمًا حديديًا باهتًا:
«ألم تظفر بغزالةٍ بعد؟»
كانَ يظنُّ أنَّ القواريرَ غزلان
لم تُغادر ماءَ الريان،
تُصادُ بالهيلِ والخناجر
ولم يفهمْ أنَّ الغزلانَ تغيّرت
منذُ عامِ 2003؛
حتى صارَ بعضُها يمرُّ أمامنا
في كاديلاكٍ عابرة،
تاركةً خلفها
رائحةَ مالٍ لا يُشمُّ من بعيد
وهناك في قصورٍ لا تطؤها الشمس،
الغزلانُ تُحبسُ خلفَ الأبواب:
غزالتان
ثلاثٌ
وثمان،
لم أقل لهُ إنَّني أهربُ منَ الغزلان
كما يهربُ الغبارُ منَ المكنسة
ثم تنهدَ قائلًا:
«هذا الخاتمُ مهرُ جدتكَ الأولى،
أمّا مهرُ جدتكَ الثانيةُ فلأخيك،
أعطها لمن تستحق»
رفعتُهُ،
كانَ باردًا كدمعةِ أرملةٍ يتيمة،
أعدتُهُ إلى الطاولةِ ببطء،
كي لا أنكسرَ أمامَه
لكنهُ لم يكن يراني
الموتى لا يرونَ الأحياءَ
إلّا كظلالٍ تتحرّكُ
خلفَ زجاجٍ معتم
ثمَّ أخرجَ جدي الرابعُ
من تحتِ عباءتِه
رقعةَ السلالةِ،
مخيطةً بخيطٍ من ذهب،
مدَّها نحوي
كأنهُ يمدُّ لي سيفًا:
«هذهِ تعويذةُ حكيمِ قريتنا..
علّقها، ولا تقرأْها،
فقد آنَ وقتُ الحصاد»
أخذتُ التعويذةَ بينَ أصابعي
كانت دافئةً، كأنها تريدُ أن تفقس
ثم نظرَ إلى يدي التي جاوزت الثلاثين
ولم تحملْ غصنًا
قلتُ في سري: أنا آسفٌ يا جدي،
لقد أحجمتُ عن زراعةِ الحطب،
كيفَ أُنجبُ غصنًا
في غابةٍ تُربي فؤوسها؟
يا للعبثِ المالحِ!
أن يولدَ الغصنُ
ليحرسَ شخيرَ السادة،
ثم تدهسهُ مواكبهم
ثم قلتُ: أنا أُنجبُ منَ الورقِ
ابنًا يحملُ في كفهِ لُغمًا
قبضتُ التعويذةَ على الطاولة،
بينَ الخاتمِ الحديديِّ وكأسي الفارغ
نظرَ الأجدادُ إلى يديَّ
لم يغضبا، لم يصرخا، لم يلعناني
فقط…ذابا في الغبار
مددتُ يدي بعدَ ذوبانهما
لأفتحَ التعويذة
أردتُ أن أرى البذرةَ التي رفضتُ،
أردتُ أن أرى الموتَ الذي اخترتُ
فككتُ الخيطَ الذهبي،
فتحتُ الجلدَ اليابس
كانتِ التعويذةُ فارغةً
فارغةً تمامًا
لكنَّ يدي،
حينَ سقطت مني التعويذة،
كانت قد صارت شجرةً بلا أوراق،
شجرةً من غبار
والغبارُ الذي كان على الطاولة
بدأَ يصعدُ نحوَ أوردتي
كأقاربَ قادمينَ من قرونٍ بعيدة؛
يدخلونَ بلا استئذان،
يجلسونَ على كرسيّي،
يشربونَ من كأسي،
يرتدونَ وجهي
ثم همسوا: «يا حفيدنا…
ألم تكن تعرفُ أننا نحنُ الغبار؟
وأنكَ في ضيافتِنا منذُ أنْ وُلدتَ؟».
ا
عبدالله نوري ألیاس
التعليقات