“تداخلُ الأصداء”

صورة الكاتب
بقلم: عباس علي
التاريخ: 7 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2660
“تداخلُ الأصداء”

تداخلُ الأصداء

قارئي العزيزْ،
لا تقرأ…
فالقصيدةُ التي بين يديكْ
احترقتْ قبلَ أن ترتديكْ
ألم أقلْ لكَ:
بعضُ المجازِ يموتُ من فرطِ التحديقْ؟
ها أنا أُخيطُ فمَ ورقتي…
كي لا ترى دمعتي
لكنَّكَ تفتقُ الحروفْ،
وتُعيدُ ترتيبَ حربكَ على هيئةِ حربي!
أرجوكَ.. لا تقتحمْ أندلسي
فالنهرُ يلفظُ لُذريقْ
وليسَ يغرقُ فيَّ شيءٌ،
أغرقُ أنا
وليس يموتُ فيَّ أحدٌ،
أموتُ أنا مكانَ الجميعْ..
أكتبُ الآنَ، وأنا أعلمُ أنك تقرؤني..
وتخافُ الغرقَ في هذا المضيقْ..
فأراكَ الحطبَ.. عائماً في الحريقْ!
تعالَ لنلتقيْ..
في منتصفِ الطريقْ
بينَ المهدِ واللحدِ،
حيثُ أموتُ.. وأولدُ في ذاكرتِكْ،
وحينَ تولدُ.. أموتُ في ماضيكْ،
وفي اللحظةِ التي تقرأُ فيها هذهِ القصيدة
أكونُ قد متُّ منذُ ألفِ عامْ،
وحيـنَ تموتُ أنتَ
أكونُ قد ولدتُ في ذاكرةِ حفيدِكْ،
نحنُ أصداءٌ نتبادلُ الأدوارْ
في مسرحيةٍ بلا كاتبْ
كصفحةِ كتابٍ قُرِئَتْ.. قبلَ أن تُكتبْ
قارئي العزيزْ،
هذهِ الورقةُ بياضٌ وُلِدَ من فراغِنا..
بياضٌ يقتاتُ على أصابعِنا
أرأيتَ الفراغَ الذي خلَّفتْهُ كلمةُ الموتْ؟
هلمَّ… ندخلُ إليهِ، ثم نذوبُ فيهِ
نحنُ
الضئيلانِ
اللذانِ
يسكنانِ
الفراغْ
وحيـنَ تسمعني الآنْ..
نكونُ في هذا الفراغِ نتجزأ،
تتبادلُ حواسنا أماكنَها؛
فَنَسْمَعُ ألوانَ المتاهاتْ،
وَنَرى روائحَ الذكرياتْ،
تتداخلُ حواسّي بحواسِّكْ؛
أرى صوتَكَ.. أتشربُ أنفاسَكْ،
ألمسُ صمتَكَ وهو يتذوقُ ندبي،
وأصيرُ مسافةً.. بينَ هُدبِكَ وهُدبي
والآنْ…
تابِعْ…
القراءةَ،
وكُنْ شاهداً على ذنبي
أَوْ…
أغلقْ…
الصفحةَ،
ودعني أموتُ بصمتْ
الخيارُ لكَ،
أما أنا…
فَقَدْ اخترتُ أن أخترقْ،
كلمةً… كلمة،
كي لا أقعَ في فراغِنا..
مرةً أخرى.

عن الکاتب / الکاتبة

عباس علي
عباس علي
شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“سِينيَّةُ الوَفَاءِ”

“سِينيَّةُ الوَفَاءِ”

سِينيَّةُ الوَفَاءِ لِوَقْعِكَ فِي رَعْدِ السَّمَاءِ جُرُوسُ وَمِنْكَ ارْتَوَتْ قَبْلَ الغُيُومِ نُفُوسُ بَشُوشٌ لِوَجْهِ السِّبْطِ…

صورة الكاتب عباس علي
28 يونيو 2026
اقرأ المزيد
خُسُوف

خُسُوف

خُسُوف نَفَضْتَ غُبَارَ الصِّبَا عَنْ يَدَيْكْ وَتَبْكِي الْحُشَاشَةُ مِنْ شَمْعَتَيْكْ تَخُونُ الْمَرَايَا بَقَايَا شَبَابٍ وَيَهْرُبُ…

صورة الكاتب عباس علي
9 يونيو 2026
اقرأ المزيد
“أَمُرُّ عَلَى نَفْسِي”

“أَمُرُّ عَلَى نَفْسِي”

  أَمُرُّ عَلَى نَفْسِي   أَمُرُّ عَلَى نَفْسِي كَأَنِّيَ زَائِرٌ وَفِي صَدْرِ مِحْرَابِ الحَنِينِ مَنَازِلُ…

صورة الكاتب عباس علي
11 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“تداخلُ الأصداء”

بقلم: عباس علي | التاريخ: 7 يوليو 2026

التصنيف: الشعر

تداخلُ الأصداء

قارئي العزيزْ،
لا تقرأ…
فالقصيدةُ التي بين يديكْ
احترقتْ قبلَ أن ترتديكْ
ألم أقلْ لكَ:
بعضُ المجازِ يموتُ من فرطِ التحديقْ؟
ها أنا أُخيطُ فمَ ورقتي…
كي لا ترى دمعتي
لكنَّكَ تفتقُ الحروفْ،
وتُعيدُ ترتيبَ حربكَ على هيئةِ حربي!
أرجوكَ.. لا تقتحمْ أندلسي
فالنهرُ يلفظُ لُذريقْ
وليسَ يغرقُ فيَّ شيءٌ،
أغرقُ أنا
وليس يموتُ فيَّ أحدٌ،
أموتُ أنا مكانَ الجميعْ..
أكتبُ الآنَ، وأنا أعلمُ أنك تقرؤني..
وتخافُ الغرقَ في هذا المضيقْ..
فأراكَ الحطبَ.. عائماً في الحريقْ!
تعالَ لنلتقيْ..
في منتصفِ الطريقْ
بينَ المهدِ واللحدِ،
حيثُ أموتُ.. وأولدُ في ذاكرتِكْ،
وحينَ تولدُ.. أموتُ في ماضيكْ،
وفي اللحظةِ التي تقرأُ فيها هذهِ القصيدة
أكونُ قد متُّ منذُ ألفِ عامْ،
وحيـنَ تموتُ أنتَ
أكونُ قد ولدتُ في ذاكرةِ حفيدِكْ،
نحنُ أصداءٌ نتبادلُ الأدوارْ
في مسرحيةٍ بلا كاتبْ
كصفحةِ كتابٍ قُرِئَتْ.. قبلَ أن تُكتبْ
قارئي العزيزْ،
هذهِ الورقةُ بياضٌ وُلِدَ من فراغِنا..
بياضٌ يقتاتُ على أصابعِنا
أرأيتَ الفراغَ الذي خلَّفتْهُ كلمةُ الموتْ؟
هلمَّ… ندخلُ إليهِ، ثم نذوبُ فيهِ
نحنُ
الضئيلانِ
اللذانِ
يسكنانِ
الفراغْ
وحيـنَ تسمعني الآنْ..
نكونُ في هذا الفراغِ نتجزأ،
تتبادلُ حواسنا أماكنَها؛
فَنَسْمَعُ ألوانَ المتاهاتْ،
وَنَرى روائحَ الذكرياتْ،
تتداخلُ حواسّي بحواسِّكْ؛
أرى صوتَكَ.. أتشربُ أنفاسَكْ،
ألمسُ صمتَكَ وهو يتذوقُ ندبي،
وأصيرُ مسافةً.. بينَ هُدبِكَ وهُدبي
والآنْ…
تابِعْ…
القراءةَ،
وكُنْ شاهداً على ذنبي
أَوْ…
أغلقْ…
الصفحةَ،
ودعني أموتُ بصمتْ
الخيارُ لكَ،
أما أنا…
فَقَدْ اخترتُ أن أخترقْ،
كلمةً… كلمة،
كي لا أقعَ في فراغِنا..
مرةً أخرى.