في المشهد الثقافي والفني، ما أكثر من نالوا حب الناس وتصفيقهم، وما أندر من استحقوا ذلك حقًا. فما الذي يجعل شاعرًا يُحب ويُحتفى به حتى يُظن أنه صوت الأمة، ثم تكتشف بعد سنين أنه مجرد مثير للعاطفة؟ ولماذا يُرفع ممثل بسبب وسامته بينما يُهمل آخر لأنه لا يجيد التجمّل، وإن تفوق عليه في الصدق والتقمّص؟ هل ذائقة المجتمع سليمة في أحكامها، أم أنها تخضع لانفعالات ظرفية، تغرر بها الصورة واللحظة؟
يبدأ الخلل حين تُستبدل الكفاءة بالجاذبية. فالمجتمع بطبيعته يميل إلى من “يبدو جيدًا”، لا من “يُجيد فعلاً”. لهذا، كثيرًا ما يُقدَّم الشاعر الذي يجيد دغدغة المشاعر، لا من يبتكر الصورة والمعنى. ويُصفَّق للممثلةاو للممثل الوسيم، لا للذي يحفر في الشخصية حتى يُقنع بها. فالتأثير البصري أو الخطابي، في لحظته، أقوى من المضمون – على الأقل عند الجمهور العام.
وسائل الإعلام تلعب دورًا أساسيًا في توجيه الذائقة، وغالبًا ما تُسوِّق الأسماء القابلة للترويج أكثر من تلك التي تحمل رؤى أو مشاريع جادة. وبهذا، لا يعود التقييم الفني نابعًا من وعي جماعي ناضج، بل من تكرار الاسم، الصورة، أو الأغنية حتى تترسخ في الأذهان كـ”نجم”، دون أن يكون كذلك بالمعنى الفني الحقيقي.
كم مرة صفق الجمهور لفنان ثم تجاهله الزمن؟ وكم من فنان مرّ دون ضجيج، لكنه ترك أثراً لا يمحى؟
التصفيق اللحظي غالبًا ما يكون انفعالًا جمعيًا، لا حكمًا واعيًا. فالجمهور أحيانًا يحتاج إلى رمز يُفرغ فيه مشاعره أو يعلّق عليه آماله، لا إلى فنان حقيقي. وهنا تكمن المفارقة: أن يُحب الإنسان فنانًا، لا لأنه عظيم، بل لأنه صادف زمنًا مناسبًا وفراغًا
تدخل عوامل الهوية، والانتماء السياسي أو الاجتماعي، أحيانًا لتُفسد الذائقة. فيُرفع فنان لأنه “من جماعتنا”، ويُقصى آخر لأنه يمثل “الآخر”. وهذا يعني أن الحكم الفني صار رهينة الاصطفافات، لا معيار الجودة أو الإبداع.
حين تهدأ الضوضاء وتغيب الكاميرات وتُمحى اللافتات، يبقى الزمن هو الحكم الحقيقي. عندها فقط يتبين الذهب من الطلاء، وتظهر حقيقة من أُحبوا لأنهم عبّروا، لا لأنهم بهروا، ومن كُرهوا لأنهم تجاوزوا المألوف، لا لأنهم كانوا دون مستوى.
إن المجتمع – أي مجتمع – ليس معصومًا في أحكامه على الفنانين والمبدعين. فهو يحب ويكره، يصفق ويُشيح، بناءً على مزيج من العاطفة، الانتماء، التأثر اللحظي، والمحيط الإعلامي.
ولذا، لا يجب أن تُؤخذ ذائقته دائمًا كمعيار للخلود أو القيمة. بل ينبغي، على النقّاد والمتخصصين، أن يميزوا بين التصفيق العاطفي وبين الاحتفاء المستحق، بين من أَسَرَ اللحظة، ومن صنع أثرًا لا يزول.
فالحب الجماهيري وحده لا يخلّد فنانًا، ولا الكره يلغيه.
وحدها الحقيقة الإبداعية تبقى، وإن تأخرت في الوصول.
معايير الحب والكره في ذائقة الجماهير
في المشهد الثقافي والفني، ما أكثر من نالوا حب الناس وتصفيقهم، وما أندر من استحقوا ذلك حقًا. فما الذي يجعل شاعرًا يُحب ويُحتفى به حتى يُظن أنه صوت الأمة، ثم تكتشف بعد سنين أنه مجرد مثير للعاطفة؟ ولماذا يُرفع ممثل بسبب وسامته بينما يُهمل آخر لأنه لا يجيد التجمّل، وإن تفوق عليه في الصدق والتقمّص؟ هل ذائقة المجتمع سليمة في أحكامها، أم أنها تخضع لانفعالات ظرفية، تغرر بها الصورة واللحظة؟
يبدأ الخلل حين تُستبدل الكفاءة بالجاذبية. فالمجتمع بطبيعته يميل إلى من “يبدو جيدًا”، لا من “يُجيد فعلاً”. لهذا، كثيرًا ما يُقدَّم الشاعر الذي يجيد دغدغة المشاعر، لا من يبتكر الصورة والمعنى. ويُصفَّق للممثلةاو للممثل الوسيم، لا للذي يحفر في الشخصية حتى يُقنع بها. فالتأثير البصري أو الخطابي، في لحظته، أقوى من المضمون – على الأقل عند الجمهور العام.
وسائل الإعلام تلعب دورًا أساسيًا في توجيه الذائقة، وغالبًا ما تُسوِّق الأسماء القابلة للترويج أكثر من تلك التي تحمل رؤى أو مشاريع جادة. وبهذا، لا يعود التقييم الفني نابعًا من وعي جماعي ناضج، بل من تكرار الاسم، الصورة، أو الأغنية حتى تترسخ في الأذهان كـ”نجم”، دون أن يكون كذلك بالمعنى الفني الحقيقي.
كم مرة صفق الجمهور لفنان ثم تجاهله الزمن؟ وكم من فنان مرّ دون ضجيج، لكنه ترك أثراً لا يمحى؟
التصفيق اللحظي غالبًا ما يكون انفعالًا جمعيًا، لا حكمًا واعيًا. فالجمهور أحيانًا يحتاج إلى رمز يُفرغ فيه مشاعره أو يعلّق عليه آماله، لا إلى فنان حقيقي. وهنا تكمن المفارقة: أن يُحب الإنسان فنانًا، لا لأنه عظيم، بل لأنه صادف زمنًا مناسبًا وفراغًا
تدخل عوامل الهوية، والانتماء السياسي أو الاجتماعي، أحيانًا لتُفسد الذائقة. فيُرفع فنان لأنه “من جماعتنا”، ويُقصى آخر لأنه يمثل “الآخر”. وهذا يعني أن الحكم الفني صار رهينة الاصطفافات، لا معيار الجودة أو الإبداع.
حين تهدأ الضوضاء وتغيب الكاميرات وتُمحى اللافتات، يبقى الزمن هو الحكم الحقيقي. عندها فقط يتبين الذهب من الطلاء، وتظهر حقيقة من أُحبوا لأنهم عبّروا، لا لأنهم بهروا، ومن كُرهوا لأنهم تجاوزوا المألوف، لا لأنهم كانوا دون مستوى.
إن المجتمع – أي مجتمع – ليس معصومًا في أحكامه على الفنانين والمبدعين. فهو يحب ويكره، يصفق ويُشيح، بناءً على مزيج من العاطفة، الانتماء، التأثر اللحظي، والمحيط الإعلامي.
ولذا، لا يجب أن تُؤخذ ذائقته دائمًا كمعيار للخلود أو القيمة. بل ينبغي، على النقّاد والمتخصصين، أن يميزوا بين التصفيق العاطفي وبين الاحتفاء المستحق، بين من أَسَرَ اللحظة، ومن صنع أثرًا لا يزول.
فالحب الجماهيري وحده لا يخلّد فنانًا، ولا الكره يلغيه.
وحدها الحقيقة الإبداعية تبقى، وإن تأخرت في الوصول.
التعليقات