حينما تتحول الغربة من حالة عابرة الى كائن حي ينمو
في هذه الأسطر ينجح الشاعر ناظم رشيد في تحويل الغربة من حالة عابرة إلى كائن حيّ ينمو معه ويشيخ داخله. إنها تآكل بطيء للذاكرة والانتماء والملامح الشخصية. فحين يقول: “كبرت الغربة فصارت جلدي” يمنح المنفى سلطة كاملة على الجسد والروح، حتى يغدو الإنسان مغطّى بوحدته كما يُغطّى الجلدُ الجسدَ.
القصيدة مشحونة بصور مؤلمة وهادئة في آنٍ واحد؛ حذف الصور القديمة وقصاصات الورق من الذاكرة يوحي بمحاولة التخفف من ماضٍ لم يعد قادراً على إنقاذ صاحبه من العزلة. أما الصورة الأكثر وجعاً فهي: “وجدتها عاريةً من بصماتها”، وكأن الغربة لم تسرق المكان فقط، بل نزعت الهوية نفسها، فلم تعد للأصابع علامات تدل على صاحبها.
ويبلغ النص ذروته الإنسانية في هذا الانكسار الصامت: “أسمع الأغاني القديمة… دون صوت”، فالأغاني هنا ليست موسيقى، بل ذاكرة وطن وأصدقاء وأزمنة دافئة، لكنها أصبحت تُستعاد بلا قدرة حقيقية على الحياة. حتى الحنجرة غابت، وبقيت الشفتان ترددان ما يشبه الحنين المكسور.
أما النهاية فهي من أجمل مفارقات النص وأكثرها مرارة: “وما زلت أكتب: القادم أجمل / لأقنع الناس بوجود الوطن”. هنا يتحول الأمل إلى فعل دفاع أخير، لا عن المستقبل فقط، بل عن فكرة الوطن نفسها. وكأن الشاعر يعرف أن الوطن حين يبتعد طويلاً يصبح بحاجة إلى من يثبت وجوده بالكلمات.
إنها قصيدة تكتب الغربة بوصفها فقداناً تدريجياً للصوت والملامح واليقين، لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بشرارة مقاومة صغيرة اسمها: الكتابة.
كبرتْ الغُربةُ، فصارت جلدي
شابتْ معي، ترهّلتْ،
وأخذتني إلى شوارعها
فحذفتُ معظم صوري
وقصاصاتِ الورقِ القديمة
من رفوفِ ذاكرتي.
كبرتْ غربتي، ومعها نظّاراتي
فضيّعتُ أقلامي
وبحثتُ بين القشِّ عن أناملي
فوجدتُها عاريةً من بصماتها.
صرتُ أسمع الأغاني القديمة… دون صوت،
أُردّدها بشفتيّ، دون حنجرتي.
وما زلتُ أكتب:
“القادم أجمل”
لأُقنع الناسَ بوجود الوطن،.
حينما تتحول الغربة من حالة عابرة الى كائن حي ينمو
حينما تتحول الغربة من حالة عابرة الى كائن حي ينمو
في هذه الأسطر ينجح الشاعر ناظم رشيد في تحويل الغربة من حالة عابرة إلى كائن حيّ ينمو معه ويشيخ داخله. إنها تآكل بطيء للذاكرة والانتماء والملامح الشخصية. فحين يقول: “كبرت الغربة فصارت جلدي” يمنح المنفى سلطة كاملة على الجسد والروح، حتى يغدو الإنسان مغطّى بوحدته كما يُغطّى الجلدُ الجسدَ.
القصيدة مشحونة بصور مؤلمة وهادئة في آنٍ واحد؛ حذف الصور القديمة وقصاصات الورق من الذاكرة يوحي بمحاولة التخفف من ماضٍ لم يعد قادراً على إنقاذ صاحبه من العزلة. أما الصورة الأكثر وجعاً فهي: “وجدتها عاريةً من بصماتها”، وكأن الغربة لم تسرق المكان فقط، بل نزعت الهوية نفسها، فلم تعد للأصابع علامات تدل على صاحبها.
ويبلغ النص ذروته الإنسانية في هذا الانكسار الصامت: “أسمع الأغاني القديمة… دون صوت”، فالأغاني هنا ليست موسيقى، بل ذاكرة وطن وأصدقاء وأزمنة دافئة، لكنها أصبحت تُستعاد بلا قدرة حقيقية على الحياة. حتى الحنجرة غابت، وبقيت الشفتان ترددان ما يشبه الحنين المكسور.
أما النهاية فهي من أجمل مفارقات النص وأكثرها مرارة: “وما زلت أكتب: القادم أجمل / لأقنع الناس بوجود الوطن”. هنا يتحول الأمل إلى فعل دفاع أخير، لا عن المستقبل فقط، بل عن فكرة الوطن نفسها. وكأن الشاعر يعرف أن الوطن حين يبتعد طويلاً يصبح بحاجة إلى من يثبت وجوده بالكلمات.
إنها قصيدة تكتب الغربة بوصفها فقداناً تدريجياً للصوت والملامح واليقين، لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بشرارة مقاومة صغيرة اسمها: الكتابة.
كبرتْ الغُربةُ، فصارت جلدي
شابتْ معي، ترهّلتْ،
وأخذتني إلى شوارعها
فحذفتُ معظم صوري
وقصاصاتِ الورقِ القديمة
من رفوفِ ذاكرتي.
كبرتْ غربتي، ومعها نظّاراتي
فضيّعتُ أقلامي
وبحثتُ بين القشِّ عن أناملي
فوجدتُها عاريةً من بصماتها.
صرتُ أسمع الأغاني القديمة… دون صوت،
أُردّدها بشفتيّ، دون حنجرتي.
وما زلتُ أكتب:
“القادم أجمل”
لأُقنع الناسَ بوجود الوطن،.
التعليقات