فاضل الكعبي.. عاشق المسرح الموجه للطفل، وحارس ذاكرته

صورة الكاتب
بقلم: د.عزيز جبرالساعدي
التاريخ: 8 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2871
فاضل الكعبي.. عاشق المسرح الموجه للطفل، وحارس ذاكرته

فاضل الكعبي.. عاشق المسرح الموجه للطفل، وحارس ذاكرته

حين نستذكر الأسماء التي كرّست حياتها لخدمة ثقافة الطفل ومسرحه في العراق، يبرز اسم فاضل الكعبي بوصفه واحداً من أكثر المبدعين إخلاصاً لهذا المشروع الإنساني والثقافي النبيل. فهو ليس كاتباً مسرحياً فحسب، بل باحث ومؤرخ ومثقف انشغل طويلاً بتوثيق مسيرة المسرح الموجّه للطفل، حتى غدا مرجعاً مهماً في هذا المجال الذي أفنى فيه سنوات عمره علماً وإبداعاً وعطاءً.
عرفتُ فاضل الكعبي في مطلع الثمانينيات، يوم كنا صحفيين شابين نحمل أحلاماً كبيرة وطموحات تتجاوز ضجيج الحرب وقسوة الواقع. كنا في جبهات القتال خلال الحرب العراقية الإيرانية، لكننا كنا نؤمن بأن الثقافة قادرة على أن تفتح نافذة للحياة حتى في أكثر الأماكن اكتظاظاً بالموت. ومن فرط شغفنا بالفن والمعرفة، راودتنا فكرة أن نقيم نشاطاً مسرحياً تحت وابل القنابل، وكأننا نعلن تمردنا على الخراب بالإبداع.
ثم جاءت محنة الأسر، فغاب فاضل مدة ليست بالقصيرة، لكن المحن الكبرى كثيراً ما تكشف المعادن الأصيلة. وحين عاد، عاد محمّلاً بالإصرار والأمل، أكثر تعلقاً بالحياة والثقافة، وأكثر إيماناً برسالة الكلمة. لم تسمح له سنوات الغياب أن ينكفئ أو يستسلم، بل انطلق بقوة نحو التأليف والبحث وإقامة الندوات والمحاضرات، مساهماً في بناء وعي ثقافي وجمالي جديد للأجيال.
لقد ترك فاضل الكعبي بصمة واضحة في أدب الطفل ومسرحه من خلال عشرات المؤلفات والدراسات التي أغنت المكتبة العراقية والعربية، ومن أبرزها كتاب «دراما الطفل» الذي يُعد من أهم الدراسات التوثيقية والنقدية لمسرح الطفل في العراق، وكتابه «مسرح الملائكة» الذي نال عنه جائزة عبد الحميد شومان لأدب الأطفال، فضلاً عن أعماله الإبداعية الموجهة للأطفال مثل «السنجاب واحتفال الغابة» و«حسان والأميرة بان» و«فخري والمصباح السحري»، إضافة إلى كتبه الفكرية والتربوية ومنها «الطفل بين التربية والثقافة» و«اللعب وأثره في ثقافة الطفل»، وغيرها من المؤلفات التي جسدت اهتمامه العميق بعالم الطفولة وحقها في الجمال والمعرفة.
ما يميز فاضل الكعبي أنه لم يتعامل مع مسرح الطفل بوصفه نشاطاً ترفيهياً عابراً، بل بوصفه مشروعاً حضارياً يسهم في بناء الإنسان منذ سنواته الأولى. لذلك جاءت أعماله محمّلة بالقيم الإنسانية والتربوية والجمالية، ومشبعة بإيمان راسخ بأن الطفل هو مستقبل الأوطان وذاكرتها القادمة.
إن الحديث عن فاضل الكعبي ليس حديثاً عن كاتب أو باحث فقط، بل عن تجربة حياة كاملة، وعن مثقف ظل وفياً لأحلامه الأولى رغم قسوة الظروف وتقلبات الزمن. هو واحد من أولئك الذين آمنوا بأن الكلمة المضيئة تستطيع أن تهزم العتمة، وأن المسرح قادر على أن يزرع الأمل في النفوس الصغيرة قبل الكبيرة.
تحية لهذا المبدع الذي جعل من مسرح الطفل رسالة عمر، ومن الثقافة جسراً للمحبة والمعرفة والجمال، فاستحق أن يكون واحداً من أبرز رواد هذا الفن في العراق والعالم العربي.

عن الکاتب / الکاتبة

د.عزيز جبرالساعدي
د.عزيز جبرالساعدي
ناقد وکاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

حينما تتحول الغربة من حالة عابرة الى كائن حي ينمو

حينما تتحول الغربة من حالة عابرة الى كائن حي ينمو

حينما تتحول الغربة من حالة عابرة الى كائن حي ينمو في هذه الأسطر ينجح الشاعر…

صورة الكاتب د.عزيز جبرالساعدي
16 مايو 2026
اقرأ المزيد
وجهة نظر، (( أعينٌ مفتوحة على الدنيا))

وجهة نظر، (( أعينٌ مفتوحة على الدنيا))

وجهة نظر،، (( أعينٌ مفتوحة على الدنيا)) في رحلة الإنسان، سواء أكان امرأة أو رجلًا،…

صورة الكاتب د.عزيز جبرالساعدي
21 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد
معايير الحب والكره في ذائقة الجماهير

معايير الحب والكره في ذائقة الجماهير

في المشهد الثقافي والفني، ما أكثر من نالوا حب الناس وتصفيقهم، وما أندر من استحقوا…

صورة الكاتب د.عزيز جبرالساعدي
17 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


فاضل الكعبي.. عاشق المسرح الموجه للطفل، وحارس ذاكرته

بقلم: د.عزيز جبرالساعدي | التاريخ: 8 يونيو 2026

التصنيف: أدب الأطفال

فاضل الكعبي.. عاشق المسرح الموجه للطفل، وحارس ذاكرته

حين نستذكر الأسماء التي كرّست حياتها لخدمة ثقافة الطفل ومسرحه في العراق، يبرز اسم فاضل الكعبي بوصفه واحداً من أكثر المبدعين إخلاصاً لهذا المشروع الإنساني والثقافي النبيل. فهو ليس كاتباً مسرحياً فحسب، بل باحث ومؤرخ ومثقف انشغل طويلاً بتوثيق مسيرة المسرح الموجّه للطفل، حتى غدا مرجعاً مهماً في هذا المجال الذي أفنى فيه سنوات عمره علماً وإبداعاً وعطاءً.
عرفتُ فاضل الكعبي في مطلع الثمانينيات، يوم كنا صحفيين شابين نحمل أحلاماً كبيرة وطموحات تتجاوز ضجيج الحرب وقسوة الواقع. كنا في جبهات القتال خلال الحرب العراقية الإيرانية، لكننا كنا نؤمن بأن الثقافة قادرة على أن تفتح نافذة للحياة حتى في أكثر الأماكن اكتظاظاً بالموت. ومن فرط شغفنا بالفن والمعرفة، راودتنا فكرة أن نقيم نشاطاً مسرحياً تحت وابل القنابل، وكأننا نعلن تمردنا على الخراب بالإبداع.
ثم جاءت محنة الأسر، فغاب فاضل مدة ليست بالقصيرة، لكن المحن الكبرى كثيراً ما تكشف المعادن الأصيلة. وحين عاد، عاد محمّلاً بالإصرار والأمل، أكثر تعلقاً بالحياة والثقافة، وأكثر إيماناً برسالة الكلمة. لم تسمح له سنوات الغياب أن ينكفئ أو يستسلم، بل انطلق بقوة نحو التأليف والبحث وإقامة الندوات والمحاضرات، مساهماً في بناء وعي ثقافي وجمالي جديد للأجيال.
لقد ترك فاضل الكعبي بصمة واضحة في أدب الطفل ومسرحه من خلال عشرات المؤلفات والدراسات التي أغنت المكتبة العراقية والعربية، ومن أبرزها كتاب «دراما الطفل» الذي يُعد من أهم الدراسات التوثيقية والنقدية لمسرح الطفل في العراق، وكتابه «مسرح الملائكة» الذي نال عنه جائزة عبد الحميد شومان لأدب الأطفال، فضلاً عن أعماله الإبداعية الموجهة للأطفال مثل «السنجاب واحتفال الغابة» و«حسان والأميرة بان» و«فخري والمصباح السحري»، إضافة إلى كتبه الفكرية والتربوية ومنها «الطفل بين التربية والثقافة» و«اللعب وأثره في ثقافة الطفل»، وغيرها من المؤلفات التي جسدت اهتمامه العميق بعالم الطفولة وحقها في الجمال والمعرفة.
ما يميز فاضل الكعبي أنه لم يتعامل مع مسرح الطفل بوصفه نشاطاً ترفيهياً عابراً، بل بوصفه مشروعاً حضارياً يسهم في بناء الإنسان منذ سنواته الأولى. لذلك جاءت أعماله محمّلة بالقيم الإنسانية والتربوية والجمالية، ومشبعة بإيمان راسخ بأن الطفل هو مستقبل الأوطان وذاكرتها القادمة.
إن الحديث عن فاضل الكعبي ليس حديثاً عن كاتب أو باحث فقط، بل عن تجربة حياة كاملة، وعن مثقف ظل وفياً لأحلامه الأولى رغم قسوة الظروف وتقلبات الزمن. هو واحد من أولئك الذين آمنوا بأن الكلمة المضيئة تستطيع أن تهزم العتمة، وأن المسرح قادر على أن يزرع الأمل في النفوس الصغيرة قبل الكبيرة.
تحية لهذا المبدع الذي جعل من مسرح الطفل رسالة عمر، ومن الثقافة جسراً للمحبة والمعرفة والجمال، فاستحق أن يكون واحداً من أبرز رواد هذا الفن في العراق والعالم العربي.