خيم الاعتصام في الجامعات ورمزية الاحتجاج في العراق

صورة الكاتب
بقلم: أ. م .د حمید ابولول جبجاب الماجدي
التاريخ: 28 يناير 2026 عدد المشاهدات: 3292
خيم الاعتصام في الجامعات ورمزية الاحتجاج في العراق

خيم الاعتصام في الجامعات ورمزية الاحتجاج في العراق

يروي التراث الشعبي قصة شيخ إعرابي قتل كلب حراسته، فطالب أبناؤه بقتل القاتل، لكنهم استهانوا بالأمر وعدوه غير ذي شأن. ومع مرور الوقت، تتابعت الكوارث؛ وسرقت الإبل والغنم، ثم سبيت إحدى بناته، ولم يدرك الأبناء حكمة أبيهم إلا بعد تنفيذ وصيته الأولى، إذ أعاد الآخرون ما سلبوه خوفا من حزم لم يظهره الرجل إلا عند البداية. ويمكن الاستفادة واخذ العبرة في أن التفريط بالانتهاكات الصغيرة يقود حتما إلى خسائر أكبر.
يمكن تطبيق ما ذكرنه في القصة على الواقع السياسي العراقي منذ عام 2003 وعلى الطبقة الحاكمة بكل مسمياتها ( شيعية ، سنية ، كردية )، إذ عانى المجتمع من فساد مستشرٍ في بنية الحكم، من دون ردود فعل مجتمعية حاسمة، في ظل ازدواجية سياسية واجتماعية رافقت الدولة العراقية منذ تأسيسها عام 1921.
وقد تنازل المجتمع، في محطات عدة، من حقوقه الأساسية ومن ضمنها قضية تفجير الإمامين العسكريين وقضية سقوط الموصل ودخول داعش واحتلال ثلثي مناطق العراق، وراح ضحيتها اكثر من مليون شهيد من دون محاسبة ، بينما استمر المتنفذون في الإمساك بمفاصل السلطة، سواء عبر حكومات معلنة أو حكومات ظل كما يطلقون عليها، الأمر الذي يجعل معظم المشاركين في العملية السياسية بعد 2003 شركاء في المسؤولية الى ما آل إليه حال البلاد اليوم.
وفي هذا السياق، يبرز التعليم العالي كأحد أكثر القطاعات تضررا. فقد شهدت الجامعات قرارات متخبطة من ضمنها الاعتماد على الجامعات الاهلية وعد الجامعة الحكومية محطات ثانوية، وخاصة في الاختصاصات الإنسانية، وآخرها ما صدر من مجلس الوزراء من إلغاء مخصصات الخدمة الجامعية المقررة قانونا، وهو ما يعد مؤشراً خطيراً على مستقبل التعليم في العراق. كما أن التدخلات السياسية في شؤون الجامعات واختيار قياداتها من الكتل السياسية وتقاسمها فيما بينهم ما ادى الى أضعاف استقلاليتها، وأثرت سلبا في دورها العلمي والمعرفي.
لقد نبه المفكر الإيراني علي شريعتي إلى أهمية الجامعة اذ قال “إن الجامعة إذا فقدت قدرتها على النقد، فقدت روحها “. وفي السياق العراقي، يمكن القول إن الجامعات التي تستعيد نقدها للواقع المعاصر ، هي القادرة على أداء رسالتها في بناء أمة مقاومة فكريا وثقافيا.
لذلك تتمتع المؤسسة الجامعية في العراق بمرجعية تاريخية عميقة تتجاوز تاريخ تأسيس الدولة العراقية الحديثة.
فالجامعة العراقية هي وريثة المدرسة السومرية التي مثلت المحفل العلمي التعليمي الأول في تاريخ الإنسانية قاطبة. كما أنها تمثل امتداداً للحضارة العربية الإسلامية، وتحديداً عاصمة المعارف والعلوم في بغداد، دار الحكمة، ثم المدرسة المستنصرية التي ولدت كأول جامعة عراقية حاضرة للعلم والدرس الفكري والفلسفي والعلمي الصرف. هذا الإرث السومري-المستنصري يمنح الجامعات الحديثة شرعية معرفية متجذرة، لا تقتصر على كونها مؤسسات تعليمية تتبع النموذج الغربي، بل هي استمرار لتقليد معرفي دام لآلاف السنين في بلاد الرافدين. لذلك لابد ان تكون هناك قيادات قادرة على تغيير الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العراق، وهذا ما نتج عنه خيم الاعتصام والإضراب التي شاركنها اليوم في الجامعات، ليست مجرد مطالب فئوية من اجل حجب مخصصات الخدمة الجامعية ، بل تعبير عن وعي متنام بخطورة المساس بالتعليم بوصفه ركيزة أساس لبناء الدولة، وعليه لابد ان يستمر هذا الوعي من قبل موظفي التعليم العالي لبناء وطن غاب عن التخطيط بسبب سياسة المحاصصة التي تتبعها الكتل السياسة. وتعلمنا القصة أن محاسبة التجاوزات الأولى، مهما بدت بسيطة، هي المدخل الحقيقي لحماية الحقوق الكبرى، وإلا فإن مسلسل التفريط سيستمر، وستكون الخسارة أشد وأعمق.
والله من وراء القصد.

الدكتور حميد ابولول جبجاب
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد/ جامعة ميسان

عن الکاتب / الکاتبة

أ. م .د حمید ابولول جبجاب الماجدي
أ. م .د حمید ابولول جبجاب الماجدي
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

المسألة العرقية والدينية في إيران: بين التنوع البنيوي وهاجس الأمن القومي

المسألة العرقية والدينية في إيران: بين التنوع البنيوي وهاجس الأمن القومي

المسألة العرقية والدينية في إيران: بين التنوع البنيوي وهاجس الأمن القومي يعد المجتمع الإيراني، في…

صورة الكاتب أ. م .د حمید ابولول جبجاب الماجدي
15 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد
قراءة في كتاب الإعلام الجديد ووسائل التواصل ” شبابيك اعتراف رقمية لصالح الكولونيالية الجديدة”

قراءة في كتاب الإعلام الجديد ووسائل التواصل ” شبابيك اعتراف رقمية لصالح الكولونيالية الجديدة”

صدر حديثاً عن مؤسسة دار الصادق الثقافية كتاب بعنوان الإعلام الجديد ووسائل التواصل: شبابيك اعترافات…

صورة الكاتب أ. م .د حمید ابولول جبجاب الماجدي
29 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


خيم الاعتصام في الجامعات ورمزية الاحتجاج في العراق

بقلم: أ. م .د حمید ابولول جبجاب الماجدي | التاريخ: 28 يناير 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

خيم الاعتصام في الجامعات ورمزية الاحتجاج في العراق

يروي التراث الشعبي قصة شيخ إعرابي قتل كلب حراسته، فطالب أبناؤه بقتل القاتل، لكنهم استهانوا بالأمر وعدوه غير ذي شأن. ومع مرور الوقت، تتابعت الكوارث؛ وسرقت الإبل والغنم، ثم سبيت إحدى بناته، ولم يدرك الأبناء حكمة أبيهم إلا بعد تنفيذ وصيته الأولى، إذ أعاد الآخرون ما سلبوه خوفا من حزم لم يظهره الرجل إلا عند البداية. ويمكن الاستفادة واخذ العبرة في أن التفريط بالانتهاكات الصغيرة يقود حتما إلى خسائر أكبر.
يمكن تطبيق ما ذكرنه في القصة على الواقع السياسي العراقي منذ عام 2003 وعلى الطبقة الحاكمة بكل مسمياتها ( شيعية ، سنية ، كردية )، إذ عانى المجتمع من فساد مستشرٍ في بنية الحكم، من دون ردود فعل مجتمعية حاسمة، في ظل ازدواجية سياسية واجتماعية رافقت الدولة العراقية منذ تأسيسها عام 1921.
وقد تنازل المجتمع، في محطات عدة، من حقوقه الأساسية ومن ضمنها قضية تفجير الإمامين العسكريين وقضية سقوط الموصل ودخول داعش واحتلال ثلثي مناطق العراق، وراح ضحيتها اكثر من مليون شهيد من دون محاسبة ، بينما استمر المتنفذون في الإمساك بمفاصل السلطة، سواء عبر حكومات معلنة أو حكومات ظل كما يطلقون عليها، الأمر الذي يجعل معظم المشاركين في العملية السياسية بعد 2003 شركاء في المسؤولية الى ما آل إليه حال البلاد اليوم.
وفي هذا السياق، يبرز التعليم العالي كأحد أكثر القطاعات تضررا. فقد شهدت الجامعات قرارات متخبطة من ضمنها الاعتماد على الجامعات الاهلية وعد الجامعة الحكومية محطات ثانوية، وخاصة في الاختصاصات الإنسانية، وآخرها ما صدر من مجلس الوزراء من إلغاء مخصصات الخدمة الجامعية المقررة قانونا، وهو ما يعد مؤشراً خطيراً على مستقبل التعليم في العراق. كما أن التدخلات السياسية في شؤون الجامعات واختيار قياداتها من الكتل السياسية وتقاسمها فيما بينهم ما ادى الى أضعاف استقلاليتها، وأثرت سلبا في دورها العلمي والمعرفي.
لقد نبه المفكر الإيراني علي شريعتي إلى أهمية الجامعة اذ قال “إن الجامعة إذا فقدت قدرتها على النقد، فقدت روحها “. وفي السياق العراقي، يمكن القول إن الجامعات التي تستعيد نقدها للواقع المعاصر ، هي القادرة على أداء رسالتها في بناء أمة مقاومة فكريا وثقافيا.
لذلك تتمتع المؤسسة الجامعية في العراق بمرجعية تاريخية عميقة تتجاوز تاريخ تأسيس الدولة العراقية الحديثة.
فالجامعة العراقية هي وريثة المدرسة السومرية التي مثلت المحفل العلمي التعليمي الأول في تاريخ الإنسانية قاطبة. كما أنها تمثل امتداداً للحضارة العربية الإسلامية، وتحديداً عاصمة المعارف والعلوم في بغداد، دار الحكمة، ثم المدرسة المستنصرية التي ولدت كأول جامعة عراقية حاضرة للعلم والدرس الفكري والفلسفي والعلمي الصرف. هذا الإرث السومري-المستنصري يمنح الجامعات الحديثة شرعية معرفية متجذرة، لا تقتصر على كونها مؤسسات تعليمية تتبع النموذج الغربي، بل هي استمرار لتقليد معرفي دام لآلاف السنين في بلاد الرافدين. لذلك لابد ان تكون هناك قيادات قادرة على تغيير الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العراق، وهذا ما نتج عنه خيم الاعتصام والإضراب التي شاركنها اليوم في الجامعات، ليست مجرد مطالب فئوية من اجل حجب مخصصات الخدمة الجامعية ، بل تعبير عن وعي متنام بخطورة المساس بالتعليم بوصفه ركيزة أساس لبناء الدولة، وعليه لابد ان يستمر هذا الوعي من قبل موظفي التعليم العالي لبناء وطن غاب عن التخطيط بسبب سياسة المحاصصة التي تتبعها الكتل السياسة. وتعلمنا القصة أن محاسبة التجاوزات الأولى، مهما بدت بسيطة، هي المدخل الحقيقي لحماية الحقوق الكبرى، وإلا فإن مسلسل التفريط سيستمر، وستكون الخسارة أشد وأعمق.
والله من وراء القصد.

الدكتور حميد ابولول جبجاب
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد/ جامعة ميسان