إنشغل البلاغيون ونقدة الأدب بالتشبيه والاستعارة في تشكيل الصورة وتفرغوا لوجه الشبه، لكنهم لم ينتبهوا إلى شرط المجاورة النسقية والاتساق والمغايرة حين تكون الاستعارة من حقيقة علمية؛ وأكرر ما قلته سابقاً بأنهم ينسون أنها استعارة ومن الواجب إعادة المستعار لكي نعري الحقيقة ونكشفها.
في بيت أبي الطيب المتنبي:
(من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلامُ)
صورة علمية، لكنهم بنوا تصوراتهم على الظن والغيبيات بأن الميت لا يتألم، إلا أن الطب توصل إلى التخدير والتخدير الموضعي، والأخير يسمح لك أن ترى الطبيب يقلع ضرسك ولا تتألم، ذلك لأن التخدير بشكل عام هو موت مؤقت مثل النوم بل أعمق؛ أما التخدير الموضعي فهو موت جزئي للموضع المخدر من جسد الإنسان.
هناك أجزاء من الجسد تموت تماما وتصبح خارج للجسد بسبب أمراض معينة؛ فقد تموت الساق أو القدم أو اليد، ولا تسجيب كلها لأوامر العقل، وما دامت لا تستلم رسائل العقل لن ترسل له هي الأخرى لأنها ماتت وانقطعت كل سبل التواصل بينها وبين المدير العام الجسد الذي هو العقل، وبذلك تصبح خارج دائرة الجسد هي والألم الذي تتعرض له.
ألا يجري الأطباء عمليات جراحية تحت التخدير ثم يعود الإنسان إلى حياته ويفارق موت التخدير، من دون أن يرى لحظة البتر والألم والنزف؟ فحين نعيد الاستعارة نكتشف أننا غطينا على الألم ولم ننتبه.
هناك استعارات علمية تتسق عقليا وتكون مقنعة، ففي قول نزار قباني:
إرجع إليّ فإن الأرض واقفةٌ
كأنما الأرض فرت من ثوانيها
وهي صورة ثقافية رائعة، لأن الوصال حياة والحياة من شروطها دوران الأرض حول نفسها ودورانها حول الشمس، وإذا لم يرجع حبيبها إليها تتوقف الأرض ولا أمل بالحياة ولا طعم لها.
لكن الشاعر نفسه، نزار قباني، يخفق جدا في إصراره توظيف دوران الأرض فيأتي بصورة مرتبكة علميا وحياتيا حين يقول:
(علمني حبك
كيف الحب يغير خارطة الأزمان..
علمني أني حين أحب..
تكف الأرض عن الدوران)
هنا صار الحب سبباً في نهاية الحياة! فما فائدته؟ لأن توقف الأرض وعدم دورانها لا يتسق مع الأمل الذي يبعثه الحب.
يأخذنا سحر الكلمات المرصوفة وربما غرابتها ولا ننتبه لشروط اتساق ومواءمة المستعار مع المستعار إليه.
الصور العلمية كثيرة في الأدب وفي الشعر على وجه الخصوص، لكننا نكتفي بهذا القدر اليوم.
٤ / ١٢ / ٢٠٢٥
د. لبنى مرتضى
عدي عدنان البلداوي
التعليقات