المسألة العرقية والدينية في إيران: بين التنوع البنيوي وهاجس الأمن القومي
يعد المجتمع الإيراني، في تاريخه الحديث والمعاصر، امتداداً لبنية تاريخية عميقة من التعدد العرقي واللغوي والديني، وهي بنية رافقت الدولة الإيرانية منذ العهد الإمبراطوري ما قبل الإسلامي، واستمرت بأشكال مختلفة في ظل الدولة القومية الحديثة. غير أن هذا التنوع، بدل أن يعترف به بوصفه عنصر غنى اجتماعي وثقافي، ظل في كثير من الأحيان موضوع إنكار أو تحفظ رسمي ونخبوي، نتيجة اعتبارات سياسية وأمنية داخلية، فضلاً عن تأثيرات خارجية أسهمت في تسييس المسألة القومية وربطها بمخاوف التفكك والانفصال.
أولاً: إشكالية الاعتراف بالتعدد العرقي
الأقليات هي جماعات سكانية داخل الدولة، تقل عددا عن الأغلبية، وتتميز عنها بخصائص دينية أو عرقية أو لغوية أو ثقافية محددة، ولا تشغل موقع الهيمنة السياسية أو الاجتماعية، وتسعى إلى الحفاظ على هويتها الجماعية وخصوصيتها الثقافية ضمن إطار الدولة القائمة، مع مطالبتها بدرجات متفاوتة من الاعتراف والحقوق القانونية والسياسية.
اما بالنسبة لمفهوم العرق يشير إلى الانتماء الطبيعي أو البيولوجي أو الثقافي لجماعة بشرية تتقاسم سمات مشتركة مثل:الأصل الجغرافي أو التاريخي ،اللغة أو اللهجة ،العادات والتقاليد والممارسات الثقافية،أحيانا المظهر الجسدي (اللون، الملامح، إلخ) أساس العرق ثقافي- بيولوجي؛ أي أنه يرتبط بنشوء جماعة معينة ضمن بيئة أو نسب محدد، ولا يشترط أن يكون له كيان سياسي.الكرد، العرب، الفرس، البشتون، الأرمن، الزولو، الصينيون… إلخ. هؤلاء يعدون جماعات إثنية عرقية، وقد يوجدون في دول متعددة دون أن تكون لهم دولة واحدة خاصة بهم . اما القومية هي رابطة اجتماعية وسياسية تقوم على وحدة اللغة والتاريخ والمصالح والمصير المشترك، وتنشأ عنها إرادة جماعية تسعى إلى تحقيق الاستقلال وبناء الدولة التي تعبّر عن الأمة. وهي بهذا المعنى تمثل الوعي الذاتي للأمة وسعيها إلى توحيد كيانها السياسي والثقافي في إطار واحد
يبدي عدد غير قليل من الإيرانيين، بمن فيهم بعض الباحثين، تردداً واضحاً في الإقرار بواقع التعدد العرقي والقومي داخل إيران. ويعود هذا التردد إلى جملة من العوامل، أبرزها الجهل العلمي بطبيعة التركيبة السكانية، والتحيز الأيديولوجي، والنزعات الشوفينية المرتبطة بمفهوم الدولة القومية المركزية، فضلاً عن الخشية من أن يؤدي الاعتراف بالتنوع العرقي إلى تشجيع مطالب الحكم الذاتي أو النزعات الانفصالية.
وقد تعززت هذه المخاوف تاريخياً بفعل تدخلات خارجية سعت إلى توظيف المسألة العرقية أداة للضغط السياسي على الدولة الإيرانية. ففي فترات سابقة، لعب كل من الاتحاد السوفيتي، وبريطانيا ، وبعض التيارات الطورانية والقومية التركية، دوراً في تشجيع النزعات العرقية داخل إيران. أما في المرحلة الراهنة، فقد بات “استخدام الورقة العرقية” جزءاً من الخطاب الاستراتيجي للولايات المتحدة الامريكية في إطار سياساتها الهادفة إلى إضعاف النظام الإيراني أو تغييره، الأمر الذي زاد من حساسية الدولة تجاه أي مطالب أو نقاشات تتعلق بالمسألة القومية.
ثانياً: التركيبة الدينية والعرقية للسكان
حتى مطلع الألفية الثالثة، قدر عدد سكان إيران بنحو 67 مليون نسمة، يشكل المسلمون منهم قرابة 98%، تتوزع غالبيتهم بين الشيعة (نحو 89%) والسنة (نحو 10%). وعلى الرغم من أن الأقليات الدينية غير المسلمة لا تتجاوز عدديًا 1% من السكان، فإن حضورها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي يفوق وزنها الديموغرافي، وتشمل هذه الأقليات المسيحيين، واليهود، والزرادشتيين، والبهائيين.
ويتقاطع الانقسام الديني في إيران مع البنية العرقية؛ إذ تنتمي غالبية السنة إلى أقليات عرقية تقطن أطراف الدولة، ولا سيما في كردستان، وسيستان وبلوشستان، وكلستان، وخوزستان. وفي المقابل، لا ينتمي جميع الشيعة إلى العرق الفارسي، ما يبرز الطابع المركب للهوية الإيرانية.
وفي هذا السياق، تشير الباحثة إليز ساناساريان (Eliz Sanasarian) إلى أن اعتماد اللغة معيارا للهوية العرقية يكشف محدودية الادعاء بتجانس المجتمع الإيراني؛ فاللغة الفارسية، على الرغم من كونها اللغة الرسمية للدولة، ليست اللغة الأم لأكثر من نصف السكان. وتنتشر إلى جانبها لغات متعددة، أبرزها اللغات التركية بلهجاتها المختلفة (الأذرية، التركمانية، القشقائية، الشهسوانية)، إضافة إلى الكردية، والبلوشية، واللورية، والعربية، والغيلكية، فضلا عن الأرمنية والآشورية.
المسألة العرقية والدينية في إيران: بين التنوع البنيوي وهاجس الأمن القومي
المسألة العرقية والدينية في إيران: بين التنوع البنيوي وهاجس الأمن القومي
يعد المجتمع الإيراني، في تاريخه الحديث والمعاصر، امتداداً لبنية تاريخية عميقة من التعدد العرقي واللغوي والديني، وهي بنية رافقت الدولة الإيرانية منذ العهد الإمبراطوري ما قبل الإسلامي، واستمرت بأشكال مختلفة في ظل الدولة القومية الحديثة. غير أن هذا التنوع، بدل أن يعترف به بوصفه عنصر غنى اجتماعي وثقافي، ظل في كثير من الأحيان موضوع إنكار أو تحفظ رسمي ونخبوي، نتيجة اعتبارات سياسية وأمنية داخلية، فضلاً عن تأثيرات خارجية أسهمت في تسييس المسألة القومية وربطها بمخاوف التفكك والانفصال.
أولاً: إشكالية الاعتراف بالتعدد العرقي
الأقليات هي جماعات سكانية داخل الدولة، تقل عددا عن الأغلبية، وتتميز عنها بخصائص دينية أو عرقية أو لغوية أو ثقافية محددة، ولا تشغل موقع الهيمنة السياسية أو الاجتماعية، وتسعى إلى الحفاظ على هويتها الجماعية وخصوصيتها الثقافية ضمن إطار الدولة القائمة، مع مطالبتها بدرجات متفاوتة من الاعتراف والحقوق القانونية والسياسية.
اما بالنسبة لمفهوم العرق يشير إلى الانتماء الطبيعي أو البيولوجي أو الثقافي لجماعة بشرية تتقاسم سمات مشتركة مثل:الأصل الجغرافي أو التاريخي ،اللغة أو اللهجة ،العادات والتقاليد والممارسات الثقافية،أحيانا المظهر الجسدي (اللون، الملامح، إلخ) أساس العرق ثقافي- بيولوجي؛ أي أنه يرتبط بنشوء جماعة معينة ضمن بيئة أو نسب محدد، ولا يشترط أن يكون له كيان سياسي.الكرد، العرب، الفرس، البشتون، الأرمن، الزولو، الصينيون… إلخ. هؤلاء يعدون جماعات إثنية عرقية، وقد يوجدون في دول متعددة دون أن تكون لهم دولة واحدة خاصة بهم . اما القومية هي رابطة اجتماعية وسياسية تقوم على وحدة اللغة والتاريخ والمصالح والمصير المشترك، وتنشأ عنها إرادة جماعية تسعى إلى تحقيق الاستقلال وبناء الدولة التي تعبّر عن الأمة. وهي بهذا المعنى تمثل الوعي الذاتي للأمة وسعيها إلى توحيد كيانها السياسي والثقافي في إطار واحد
يبدي عدد غير قليل من الإيرانيين، بمن فيهم بعض الباحثين، تردداً واضحاً في الإقرار بواقع التعدد العرقي والقومي داخل إيران. ويعود هذا التردد إلى جملة من العوامل، أبرزها الجهل العلمي بطبيعة التركيبة السكانية، والتحيز الأيديولوجي، والنزعات الشوفينية المرتبطة بمفهوم الدولة القومية المركزية، فضلاً عن الخشية من أن يؤدي الاعتراف بالتنوع العرقي إلى تشجيع مطالب الحكم الذاتي أو النزعات الانفصالية.
وقد تعززت هذه المخاوف تاريخياً بفعل تدخلات خارجية سعت إلى توظيف المسألة العرقية أداة للضغط السياسي على الدولة الإيرانية. ففي فترات سابقة، لعب كل من الاتحاد السوفيتي، وبريطانيا ، وبعض التيارات الطورانية والقومية التركية، دوراً في تشجيع النزعات العرقية داخل إيران. أما في المرحلة الراهنة، فقد بات “استخدام الورقة العرقية” جزءاً من الخطاب الاستراتيجي للولايات المتحدة الامريكية في إطار سياساتها الهادفة إلى إضعاف النظام الإيراني أو تغييره، الأمر الذي زاد من حساسية الدولة تجاه أي مطالب أو نقاشات تتعلق بالمسألة القومية.
ثانياً: التركيبة الدينية والعرقية للسكان
حتى مطلع الألفية الثالثة، قدر عدد سكان إيران بنحو 67 مليون نسمة، يشكل المسلمون منهم قرابة 98%، تتوزع غالبيتهم بين الشيعة (نحو 89%) والسنة (نحو 10%). وعلى الرغم من أن الأقليات الدينية غير المسلمة لا تتجاوز عدديًا 1% من السكان، فإن حضورها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي يفوق وزنها الديموغرافي، وتشمل هذه الأقليات المسيحيين، واليهود، والزرادشتيين، والبهائيين.
ويتقاطع الانقسام الديني في إيران مع البنية العرقية؛ إذ تنتمي غالبية السنة إلى أقليات عرقية تقطن أطراف الدولة، ولا سيما في كردستان، وسيستان وبلوشستان، وكلستان، وخوزستان. وفي المقابل، لا ينتمي جميع الشيعة إلى العرق الفارسي، ما يبرز الطابع المركب للهوية الإيرانية.
وفي هذا السياق، تشير الباحثة إليز ساناساريان (Eliz Sanasarian) إلى أن اعتماد اللغة معيارا للهوية العرقية يكشف محدودية الادعاء بتجانس المجتمع الإيراني؛ فاللغة الفارسية، على الرغم من كونها اللغة الرسمية للدولة، ليست اللغة الأم لأكثر من نصف السكان. وتنتشر إلى جانبها لغات متعددة، أبرزها اللغات التركية بلهجاتها المختلفة (الأذرية، التركمانية، القشقائية، الشهسوانية)، إضافة إلى الكردية، والبلوشية، واللورية، والعربية، والغيلكية، فضلا عن الأرمنية والآشورية.
التعليقات