هل نعيش فعلاً ثورةً كوبرنيكية؟

صورة الكاتب
بقلم: عماد خالد رحمة
التاريخ: 18 يناير 2026 عدد المشاهدات: 3044
هل نعيش فعلاً ثورةً كوبرنيكية؟

لم تعد مفاهيم عشرات، بل مئات من المثقفين العرب، قادرة على تجاوز الماضي العربي السحيق؛ فما يزال كثير منهم رازحاً تحت سلطة “ثقافة الأموات” بكل تلاوينها، متناسياً أننا نقف على تخوم الألفية الثالثة، في عصر الميديا والانفجار المعرفي وثورة المعلومات. إنهم يتعاملون مع الزمن وكأنه ساكن، لا يتحرك، ولا يبدّل قوانينه، بينما العالم من حولهم يغيّر خرائطه كل يوم، ويعيد ترتيب مركزه وهامشه على إيقاع العلم والتكنولوجيا والمعرفة.
لقد عاش نيكولاس كوبرنيكوس في الألفية الثانية للميلاد ثورته الكبرى حين أعلن أن الأرض تدور حول الشمس، لا العكس، فهزّ بذلك يقيناً استقر قروناً في الوعي البشري. كانت تلك ثورة في الرؤية قبل أن تكون ثورة في العلم: انقلاب في طريقة النظر إلى العالم ومكان الإنسان فيه. أما نحن، فكثير من مثقفينا لم يدركوا من “معجزات العصر” سوى التلويحات الوداعية لثقافة تراثية كلاسيكية، مرّ عليها عشرات بل مئات السنين، فتحوّلت إلى ثروات معرفية محنطة، تقبع على رفوف المتاحف الورقية، تُزار ولا تُستعمل، وتُقدّس ولا تُنقد.
غير أن الطبيعة، بما تملكه من غنى ودهشة، منحتنا قدرة عجيبة على الاحتمال، فحرستنا – إلى حدّ ما – من صواعق التحوّلات الكبرى. ومع ذلك، لم تحمِنا من مشاهد الهزائم المتكررة: من عودة سبعة جيوش عربية ترفع الرايات البيضاء، إلى أنظمة ما تزال تحكم تحت رايات الذل والخذلان والخيانة، مدمّرة ما بنته شعوبها بعرقها وأحلامها. وفي هذا المناخ، صعد “الرويبضة” ليحكموا، كما لو أن التاريخ قرر أن يسخر من نفسه، وأن يسلّم مفاتيح المصير لمن لا وزن لهم ولا رؤية.
وفي هذا الزمن، الذي وصفه محمود درويش بزمن “القرش الفلسطيني المثقوب”، صدّق الناس المنجّمين والمشعوذين، لا لأنهم يملكون الحقيقة، بل لأن الحقيقة صارت عبئاً ثقيلاً، ولأن الأقلية الغالبة طغت على الأكثرية المقهورة، وشرّدت ذوي القربى ليصيروا ذوي البُعدى. احترب ورثة الرويبضة وورثة الدم المراق، حتى صارت الأوطان حقول اختبار للخراب، وصار الدم العربي المهراق موسيقى خلفية لازدهار “ممالك الطوائف” الجديدة، حيث تغدو كلمة “تسوية” مرادفة للخيانة العظمى، ويصير السلام معناه الاستسلام، والنجاة مرهونة بالانحناء.
وما زالت رايات الذل والهزيمة البيضاء ترفرف عالياً، بينما يسبق “عفيط الماعز” نبيبها، وهي تتعثّر في تهجئة أسماء الحكّام والزعماء والمتفيقهين والمتعالمين والمتثاقفين، وزبانية الرويبضة، والمنادين بصفقات الخراب تحت مسمّيات براقة. في هذا الضجيج، تضيع اللغة، ويضيع المعنى، وتصبح الكلمات قنابل دخانية تخفي الواقع بدل أن تكشفه.
فمن بعد ذلك سيتهجّى اسم القدس وفلسطين؟
من غير الثوّار والمناضلين وشرفاء الأمة، أولئك الذين ما زالوا يحملون راية العز والفخار في مواجهة خِرَق الذلّ البيضاء البالية؟ أولئك المرابطون إلى يوم الدين، الذين يميّزون الخشب الذي يصلح مهداً للحياة، أو تابوتاً للموت، أو كعب بندقية للمقاومة.
هل نعيش فعلاً ثورة كوبرنيكية؟
الجواب المؤلم: لا، ليس بعد. فما نعيشه في كثير من أبعاده ليس ثورة في الرؤية، بل دوراناً في الحلقة نفسها، حول مركز قديم نرفض التخلي عنه. الثورة الكوبرنيكية الحقيقية ليست في امتلاك التكنولوجيا، ولا في استهلاك المعرفة، بل في تغيير زاوية النظر: أن نعيد تعريف الإنسان، والحرية، والعقل، والكرامة. أن نجرؤ على نقل الشمس إلى مركز وعينا، لا أن نظل نعتقد أن أوهامنا هي مركز الكون.
حين ندرك أن التاريخ لا ينتظر المترددين، وأن العالم لا يرحم من يصرّ على العيش خارج زمنه، عندها فقط يمكن أن تبدأ ثورتنا الكوبرنيكية الخاصة: ثورة في العقل قبل السياسة، وفي الوعي قبل السلطة، وفي الإنسان قبل الشعارات. دون ذلك، سنظل ندور حول أنفسنا، كما تدور الأرض في ليل طويل لا شمس له.

عن الکاتب / الکاتبة

عماد خالد رحمة
عماد خالد رحمة
ناقد وکاتب / العراق .برلین

مقالات أخرى للكاتب

الرواية بين جبرية الحياة وحضور جبرية الموت

الرواية بين جبرية الحياة وحضور جبرية الموت

ليست الرواية مرآةً صمّاء تعكس الواقع كما هو، بل هي مختبرٌ خفيٌّ لإعادة تشكيل الوجود،…

صورة الكاتب عماد خالد رحمة
14 يناير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


هل نعيش فعلاً ثورةً كوبرنيكية؟

بقلم: عماد خالد رحمة | التاريخ: 18 يناير 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

لم تعد مفاهيم عشرات، بل مئات من المثقفين العرب، قادرة على تجاوز الماضي العربي السحيق؛ فما يزال كثير منهم رازحاً تحت سلطة “ثقافة الأموات” بكل تلاوينها، متناسياً أننا نقف على تخوم الألفية الثالثة، في عصر الميديا والانفجار المعرفي وثورة المعلومات. إنهم يتعاملون مع الزمن وكأنه ساكن، لا يتحرك، ولا يبدّل قوانينه، بينما العالم من حولهم يغيّر خرائطه كل يوم، ويعيد ترتيب مركزه وهامشه على إيقاع العلم والتكنولوجيا والمعرفة.
لقد عاش نيكولاس كوبرنيكوس في الألفية الثانية للميلاد ثورته الكبرى حين أعلن أن الأرض تدور حول الشمس، لا العكس، فهزّ بذلك يقيناً استقر قروناً في الوعي البشري. كانت تلك ثورة في الرؤية قبل أن تكون ثورة في العلم: انقلاب في طريقة النظر إلى العالم ومكان الإنسان فيه. أما نحن، فكثير من مثقفينا لم يدركوا من “معجزات العصر” سوى التلويحات الوداعية لثقافة تراثية كلاسيكية، مرّ عليها عشرات بل مئات السنين، فتحوّلت إلى ثروات معرفية محنطة، تقبع على رفوف المتاحف الورقية، تُزار ولا تُستعمل، وتُقدّس ولا تُنقد.
غير أن الطبيعة، بما تملكه من غنى ودهشة، منحتنا قدرة عجيبة على الاحتمال، فحرستنا – إلى حدّ ما – من صواعق التحوّلات الكبرى. ومع ذلك، لم تحمِنا من مشاهد الهزائم المتكررة: من عودة سبعة جيوش عربية ترفع الرايات البيضاء، إلى أنظمة ما تزال تحكم تحت رايات الذل والخذلان والخيانة، مدمّرة ما بنته شعوبها بعرقها وأحلامها. وفي هذا المناخ، صعد “الرويبضة” ليحكموا، كما لو أن التاريخ قرر أن يسخر من نفسه، وأن يسلّم مفاتيح المصير لمن لا وزن لهم ولا رؤية.
وفي هذا الزمن، الذي وصفه محمود درويش بزمن “القرش الفلسطيني المثقوب”، صدّق الناس المنجّمين والمشعوذين، لا لأنهم يملكون الحقيقة، بل لأن الحقيقة صارت عبئاً ثقيلاً، ولأن الأقلية الغالبة طغت على الأكثرية المقهورة، وشرّدت ذوي القربى ليصيروا ذوي البُعدى. احترب ورثة الرويبضة وورثة الدم المراق، حتى صارت الأوطان حقول اختبار للخراب، وصار الدم العربي المهراق موسيقى خلفية لازدهار “ممالك الطوائف” الجديدة، حيث تغدو كلمة “تسوية” مرادفة للخيانة العظمى، ويصير السلام معناه الاستسلام، والنجاة مرهونة بالانحناء.
وما زالت رايات الذل والهزيمة البيضاء ترفرف عالياً، بينما يسبق “عفيط الماعز” نبيبها، وهي تتعثّر في تهجئة أسماء الحكّام والزعماء والمتفيقهين والمتعالمين والمتثاقفين، وزبانية الرويبضة، والمنادين بصفقات الخراب تحت مسمّيات براقة. في هذا الضجيج، تضيع اللغة، ويضيع المعنى، وتصبح الكلمات قنابل دخانية تخفي الواقع بدل أن تكشفه.
فمن بعد ذلك سيتهجّى اسم القدس وفلسطين؟
من غير الثوّار والمناضلين وشرفاء الأمة، أولئك الذين ما زالوا يحملون راية العز والفخار في مواجهة خِرَق الذلّ البيضاء البالية؟ أولئك المرابطون إلى يوم الدين، الذين يميّزون الخشب الذي يصلح مهداً للحياة، أو تابوتاً للموت، أو كعب بندقية للمقاومة.
هل نعيش فعلاً ثورة كوبرنيكية؟
الجواب المؤلم: لا، ليس بعد. فما نعيشه في كثير من أبعاده ليس ثورة في الرؤية، بل دوراناً في الحلقة نفسها، حول مركز قديم نرفض التخلي عنه. الثورة الكوبرنيكية الحقيقية ليست في امتلاك التكنولوجيا، ولا في استهلاك المعرفة، بل في تغيير زاوية النظر: أن نعيد تعريف الإنسان، والحرية، والعقل، والكرامة. أن نجرؤ على نقل الشمس إلى مركز وعينا، لا أن نظل نعتقد أن أوهامنا هي مركز الكون.
حين ندرك أن التاريخ لا ينتظر المترددين، وأن العالم لا يرحم من يصرّ على العيش خارج زمنه، عندها فقط يمكن أن تبدأ ثورتنا الكوبرنيكية الخاصة: ثورة في العقل قبل السياسة، وفي الوعي قبل السلطة، وفي الإنسان قبل الشعارات. دون ذلك، سنظل ندور حول أنفسنا، كما تدور الأرض في ليل طويل لا شمس له.