الرواية بين جبرية الحياة وحضور جبرية الموت

صورة الكاتب
بقلم: عماد خالد رحمة
التاريخ: 14 يناير 2026 عدد المشاهدات: 1519
الرواية بين جبرية الحياة وحضور جبرية الموت

ليست الرواية مرآةً صمّاء تعكس الواقع كما هو، بل هي مختبرٌ خفيٌّ لإعادة تشكيل الوجود، حيث تُفكَّك الحياة إلى رموز، وتُعاد صياغة الموت في هيئة أسئلة. وفي هذا الفضاء المتوتر بين الجبر والاختيار، بين ما يُفرض على الإنسان وما يصنعه بيده، تولد الرواية بوصفها صراعاً دائماً بين جبرية الحياة وحضور جبرية الموت.
ضمن مسيرة النقد العربي، لم يعد الاكتفاء بالوصف أو التلخيص كافياً؛ إذ بات من الضروري رفع سقف الجدل النقدي، والذهاب إلى هيرمينوطيقا تأويلية تحليلية، نفسية وفلسفية، تفكك رموز الأدوات الأدبية، وتعرّي ما تخفيه اللغة من لاوعي جمعي وفردي. فالنص الروائي ليس كلماتٍ مصفوفة، بل ذاكرة مثقلة بالأسئلة، ووعيٌ يتعثر بين ما يريد أن يكونه، وما أُجبر على أن يكونه.
وحين نقارب الرواية العربية في ضوء دراسات مقارنة بينها وبين الرواية الغربية، تتكشف لنا فجوة ليست تقنية فحسب، بل ذهنية وتاريخية. هناك اختلاف جذري في المنظور: فالرواية الغربية، في كثير من نماذجها الكبرى، تنبني على سؤال الحرية الفردية، وعلى قدرة الإنسان على كسر الحتميات وصناعة مصيره، حتى وهو محاصر بالقدر والظروف. أما الرواية العربية، فيطغى عليها في الغالب وعيٌ مثقل بالجبر: جبر السياسة، وجبر المجتمع، وجبر الموروث، وجبر الخوف، حتى ليبدو البطل فيها كائناً يُساق أكثر مما يسير، ويُدفع إلى مصيره أكثر مما يختاره.
هذا الاختلاف ليس وليد الصدفة، بل هو انعكاس لواقع تاريخي طويل، تشكّل فيه العقل العربي تحت ضغط الاستبداد، والقداسة المغلقة، والخوف من السؤال. فالعقل، حين يُحاصر، يلجأ إلى العاطفة الجيّاشة ملاذاً، وحين تُصادر الحرية، يتحول الإيمان بالحتمية إلى آلية دفاع نفسي، تبرّر العجز باسم القدر، وتجمّل الهزيمة باسم الحكمة.
من هنا تتكدس في الرواية العربية مركباتٌ ثقيلة: الجبرية، والعلل والمعلولات، والاعتلالات البنيوية، والاستسلام المقنّع بالأخلاق، والخنوع المتستّر بالرضا. وفي مقابل ذلك، تغيب أو تضعف ثقافة حيوية الحياة: ثقافة المغامرة، والشك الخلّاق، والمواجهة، والمناجاة التي ترفض الموت المهزوم في واقعٍ مهزوم.
إن حضور جبرية الموت في الرواية العربية ليس حضوراً بيولوجياً فحسب، بل هو موت المعنى، وموت السؤال، وموت القدرة على الحلم. فالموت هنا ليس نهاية الجسد فقط، بل نهاية الإمكانية: أن يتحول الإنسان إلى كائن يعيش ليؤدي ما كُتب له، لا ليكتب هو ما يريد أن يكونه.
أما الرواية التي تنحاز إلى الحياة، فهي تلك التي تجعل من السرد فعلاً مقاوماً، ومن الشخصية كائناً يتصارع مع قدره، لا ليستسلم له، بل ليعيد تعريفه. إنها رواية تفتح باب الحوار مع الوجود، لا لتُجمله، بل لتفضحه، وتعيد مساءلته، وتنتزع منه لحظة حرية، ولو كانت بحجم الصرخة.
وهنا تتجلى مهمة النقد: ألا يكتفي بتتبع الحكاية، بل أن يغوص في طبقاتها العميقة، ليكشف كيف تتحول اللغة إلى قدر، وكيف يُصاغ الموت في شكل خطاب، وكيف يُدرّب القارئ – من حيث لا يدري – على قبول ما لا ينبغي قبوله.
فالرواية ليست مجرد حكاية تُروى، بل موقفٌ من الوجود. إما أن تكون روايةً تكرّس جبرية الحياة وتُطبّع مع جبرية الموت، أو أن تكون فعلاً تمرّدياً يزرع في قلب اللغة بذرة حرية، ويذكّر الإنسان بأنه لم يُخلق ليكون ظلاً لما كُتب، بل ليكون كاتباً لظله، وصانعاً لمعناه، ومقاوماً لموته قبل أن يأتي.

عن الکاتب / الکاتبة

عماد خالد رحمة
عماد خالد رحمة
ناقد وکاتب / العراق .برلین

مقالات أخرى للكاتب

هل نعيش فعلاً ثورةً كوبرنيكية؟

هل نعيش فعلاً ثورةً كوبرنيكية؟

لم تعد مفاهيم عشرات، بل مئات من المثقفين العرب، قادرة على تجاوز الماضي العربي السحيق؛…

صورة الكاتب عماد خالد رحمة
18 يناير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الرواية بين جبرية الحياة وحضور جبرية الموت

بقلم: عماد خالد رحمة | التاريخ: 14 يناير 2026

التصنيف: الأدب

ليست الرواية مرآةً صمّاء تعكس الواقع كما هو، بل هي مختبرٌ خفيٌّ لإعادة تشكيل الوجود، حيث تُفكَّك الحياة إلى رموز، وتُعاد صياغة الموت في هيئة أسئلة. وفي هذا الفضاء المتوتر بين الجبر والاختيار، بين ما يُفرض على الإنسان وما يصنعه بيده، تولد الرواية بوصفها صراعاً دائماً بين جبرية الحياة وحضور جبرية الموت.
ضمن مسيرة النقد العربي، لم يعد الاكتفاء بالوصف أو التلخيص كافياً؛ إذ بات من الضروري رفع سقف الجدل النقدي، والذهاب إلى هيرمينوطيقا تأويلية تحليلية، نفسية وفلسفية، تفكك رموز الأدوات الأدبية، وتعرّي ما تخفيه اللغة من لاوعي جمعي وفردي. فالنص الروائي ليس كلماتٍ مصفوفة، بل ذاكرة مثقلة بالأسئلة، ووعيٌ يتعثر بين ما يريد أن يكونه، وما أُجبر على أن يكونه.
وحين نقارب الرواية العربية في ضوء دراسات مقارنة بينها وبين الرواية الغربية، تتكشف لنا فجوة ليست تقنية فحسب، بل ذهنية وتاريخية. هناك اختلاف جذري في المنظور: فالرواية الغربية، في كثير من نماذجها الكبرى، تنبني على سؤال الحرية الفردية، وعلى قدرة الإنسان على كسر الحتميات وصناعة مصيره، حتى وهو محاصر بالقدر والظروف. أما الرواية العربية، فيطغى عليها في الغالب وعيٌ مثقل بالجبر: جبر السياسة، وجبر المجتمع، وجبر الموروث، وجبر الخوف، حتى ليبدو البطل فيها كائناً يُساق أكثر مما يسير، ويُدفع إلى مصيره أكثر مما يختاره.
هذا الاختلاف ليس وليد الصدفة، بل هو انعكاس لواقع تاريخي طويل، تشكّل فيه العقل العربي تحت ضغط الاستبداد، والقداسة المغلقة، والخوف من السؤال. فالعقل، حين يُحاصر، يلجأ إلى العاطفة الجيّاشة ملاذاً، وحين تُصادر الحرية، يتحول الإيمان بالحتمية إلى آلية دفاع نفسي، تبرّر العجز باسم القدر، وتجمّل الهزيمة باسم الحكمة.
من هنا تتكدس في الرواية العربية مركباتٌ ثقيلة: الجبرية، والعلل والمعلولات، والاعتلالات البنيوية، والاستسلام المقنّع بالأخلاق، والخنوع المتستّر بالرضا. وفي مقابل ذلك، تغيب أو تضعف ثقافة حيوية الحياة: ثقافة المغامرة، والشك الخلّاق، والمواجهة، والمناجاة التي ترفض الموت المهزوم في واقعٍ مهزوم.
إن حضور جبرية الموت في الرواية العربية ليس حضوراً بيولوجياً فحسب، بل هو موت المعنى، وموت السؤال، وموت القدرة على الحلم. فالموت هنا ليس نهاية الجسد فقط، بل نهاية الإمكانية: أن يتحول الإنسان إلى كائن يعيش ليؤدي ما كُتب له، لا ليكتب هو ما يريد أن يكونه.
أما الرواية التي تنحاز إلى الحياة، فهي تلك التي تجعل من السرد فعلاً مقاوماً، ومن الشخصية كائناً يتصارع مع قدره، لا ليستسلم له، بل ليعيد تعريفه. إنها رواية تفتح باب الحوار مع الوجود، لا لتُجمله، بل لتفضحه، وتعيد مساءلته، وتنتزع منه لحظة حرية، ولو كانت بحجم الصرخة.
وهنا تتجلى مهمة النقد: ألا يكتفي بتتبع الحكاية، بل أن يغوص في طبقاتها العميقة، ليكشف كيف تتحول اللغة إلى قدر، وكيف يُصاغ الموت في شكل خطاب، وكيف يُدرّب القارئ – من حيث لا يدري – على قبول ما لا ينبغي قبوله.
فالرواية ليست مجرد حكاية تُروى، بل موقفٌ من الوجود. إما أن تكون روايةً تكرّس جبرية الحياة وتُطبّع مع جبرية الموت، أو أن تكون فعلاً تمرّدياً يزرع في قلب اللغة بذرة حرية، ويذكّر الإنسان بأنه لم يُخلق ليكون ظلاً لما كُتب، بل ليكون كاتباً لظله، وصانعاً لمعناه، ومقاوماً لموته قبل أن يأتي.