من رحلاتي الى ايران…. مدينة شيراز

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 21 فبراير 2026 عدد المشاهدات: 3007
من رحلاتي الى ايران…. مدينة شيراز

من رحلاتي الى ايران
مدينة شيراز…
عروس المدن وذاكرة الشعر

مقدمة
في أدب الرحلات لا تكون المدينة فقط جغرافيا تزار، بل روح تصغي لها، وتاريخ يستعاد، وجمال يفرض على الزائر أن يكتب. وشيراز واحدة من تلك المدن التي لا تكتشف بالعين وحدها، بل بالقلب والذاكرة؛ مدينة تجمع بين التصوف والشعر، وبين الحدائق والمعمار، فتبدو كقصيدة مفتوحة على الزمن.
*شيراز: مدينة الشعر والتاريخ
تعال معي إلى شيراز، لنعيش لحظات من التأمل والتصوف مع أشهر شعراء إيران، حافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي، اللذين عاشا وماتا على هذه الأرض، فصارت المدينة مرآة لأشعارهما.
شيراز مدينة ضاربة في التاريخ، يعود وجودها إلى نحو 4000 عام قبل الميلاد، وكانت عاصمة لحقب متعددة مثل الدولة البويهية، والدولة الصفوية، والدولة الزندية. وقد عُرفت قديما باسم «دار العلم» لكثرة علمائها ورجال الدين، كما اشتهرت بحدائقها وفنونها الراقية، حتى غدت مدينة الشعر والتقوى والجمال.
*الوصول إلى شيراز: إقامة بطعم التراث
وصلنا إلى شيراز ليلا، وكانت إقامتنا في فندق الوكيل، الذي يحمل اسم السلطان الوكيل في العهد الزندي. يقع الفندق قرب الأسواق والمناطق التجارية، ويتميز بأثاثه التراثي ولمساته المعمارية الفنية التي تمنح الزائر إحساسا بالدفء والراحة.
لم نلبث طويلا حتى خرجنا لتناول العشاء في مطعم تراثي يقع في سرداب قديم، حيث تقدم الأكلات الفارسية الشعبية مثل «ديزي». كل شيء في المكان ينطق بالتراث: الديكور، الأثاث، وحتى أزياء العاملات اللواتي يرتدين الزي الشعبي الشيرازي. ولاحظنا حضورا لافتا للسياح القادمين من دول الخليج، في مشهد يعكس جاذبية المدينة وتنوع زوارها.
*مدينة لا تكفيها الأيام
لا يكفي يومان لاكتشاف شيراز ومعالمها السياحية المتعددة، التي تجمع بين السياحة الطبيعية، والتاريخية، والدينية. من حدائق دلغشا، والمسجد العتيق الذي يعود إلى القرن الثالث الهجري، إلى مسجد السلطاني الوكيل، ومسجد نصير الملك، ومتحف بارس، والقلعة الزندية، وأسواق الوكيل الشعبية، فضلا عن مرقدي وحديقتي حافظ وسعدي.
وقد اقتصر برنامجنا، لضيق الوقت، على زيارة سبع مناطق فقط من أصل أكثر من مئة موقع سياحي تحتضنها المدينة.
*شيراز تخلد شعراءها
كانت محطتنا الأجمل زيارة حديقة حافظ الشيرازي، حيث يلتقي الشعر بالطبيعة. حافظ، واسمه شمس الدين محمد، شاعر غنائي صوفي، حفظ القرآن الكريم فسمي «حافظ»، ولا يخلو بيت في شيراز من ديوانه، الذي يستعمل للتفاؤل وقراءة الطالع. جمال الحديقة لا يقل عن جمال قصائده، حتى ليخيّل للزائر أن الأشجار تحفظ أبياته.
ويرتبط حافظ بسعدي الشيرازي، الشاعر الصوفي الآخر، الذي عاش ومات في شيراز، وتحول قبره إلى حديقة ومزار يؤمه الآلاف يوميا. وفي المكان حوض ماء صاف يعتقد الزوار أنه يجلب الحظ، فترمى فيه النقود طلبا لتحقيق الأمنيات، في مزيج جميل من الموروث الشعبي والذاكرة الشعرية.
*حدائق ومعمار وروح مدينة
نجحت شيراز في الربط بين الشعر والمعمار وتصميم الحدائق، فجعلت من الجمال موردا سياحيا وثقافيا. زرنا حديقة إرم، وحدائق أخرى كانت تعود لشاه إيران، واستنشقنا هواء نقيا تفوح منه رائحة العشق والحب، حتى بدت التربة نفسها وكأنها تحفظ سرّ المدينة.
*تنوع ثقافي ورقص شعبي
ما يلفت النظر في المدن الإيرانية عموما، وفي شيراز خصوصا، هو تنوع القوميات واختلاف الفنون الشعبية. فلكل مدينة رقصها وإيقاعها الخاص؛ اختلاف يغني المشهد الثقافي ويمنح الرحلة بعدا إنسانيا أعمق.
*المساجد والقصور والقلعة
خصصنا يوما لزيارة المساجد الأثرية والقصور والقلعة. بدأنا بمسجد نصير الملك، المشهور بنوافذه الزجاجية التي تسمح للضوء بأن يرسم لوحة قوس قزح على أرضيته. ثم زرنا قصر «نارنجستان قوام»، الذي تحول إلى متحف سياحي تحيط به أشجار النارنج.
أما قلعة كريم خان الزندي، فقد بنيت حين كانت شيراز عاصمة لإيران، وكانت مقرا للأسرة الزندية. تحولت في زمن الشاه إلى معتقل، ثم آلت بعد سقوطه إلى إدارة الثقافة والسياحة، لتصبح اليوم واحدة من أهم معالم المدينة، بفضل موقعها في قلب شيراز وعلى امتداد شارع زند التجاري.
*خاتمة
شيراز ليست مدينة تزار على عجل، بل تجربة تعاش على مهل. هي عروس المدن بحق، تجمع بين الشعر والتاريخ، وبين التصوف والجمال، وتمنح زائرها إحساسا نادرا بأن المكان يكتبك بقدر ما تكتبه. ومن يمر بشيراز مرة، لا بد أن يعود إليها، ولو في الذاكرة.

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

المحمرة… مدينة الغروب والدم والسعادة

المحمرة… مدينة الغروب والدم والسعادة

المحمرة… مدينة الغروب والدم والسعادة ليست المدن أسماء على الخرائط فحسب، بل هي طبقات من…

صورة الكاتب حمدي العطار
28 فبراير 2026
اقرأ المزيد
إشارة نقدية إلى رواية “أرض الكنوز “للروائية” ساهرة سعيد” حول ثيمة الغربة والتشتت

إشارة نقدية إلى رواية “أرض الكنوز “للروائية” ساهرة سعيد” حول ثيمة الغربة والتشتت

إشارة نقدية إلى رواية “أرض الكنوز “للروائية” ساهرة سعيد” حول ثيمة الغربة والتشتت تنهض رواية…

صورة الكاتب حمدي العطار
23 فبراير 2026
اقرأ المزيد
من رحلاتي الى ايران…

من رحلاتي الى ايران…

من رحلاتي الى ايران رحلة في مدينة تختفي… وتعود: عبادان بين الأسطورة والتاريخ في أدب…

صورة الكاتب حمدي العطار
16 فبراير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


من رحلاتي الى ايران…. مدينة شيراز

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 21 فبراير 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

من رحلاتي الى ايران
مدينة شيراز…
عروس المدن وذاكرة الشعر

مقدمة
في أدب الرحلات لا تكون المدينة فقط جغرافيا تزار، بل روح تصغي لها، وتاريخ يستعاد، وجمال يفرض على الزائر أن يكتب. وشيراز واحدة من تلك المدن التي لا تكتشف بالعين وحدها، بل بالقلب والذاكرة؛ مدينة تجمع بين التصوف والشعر، وبين الحدائق والمعمار، فتبدو كقصيدة مفتوحة على الزمن.
*شيراز: مدينة الشعر والتاريخ
تعال معي إلى شيراز، لنعيش لحظات من التأمل والتصوف مع أشهر شعراء إيران، حافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي، اللذين عاشا وماتا على هذه الأرض، فصارت المدينة مرآة لأشعارهما.
شيراز مدينة ضاربة في التاريخ، يعود وجودها إلى نحو 4000 عام قبل الميلاد، وكانت عاصمة لحقب متعددة مثل الدولة البويهية، والدولة الصفوية، والدولة الزندية. وقد عُرفت قديما باسم «دار العلم» لكثرة علمائها ورجال الدين، كما اشتهرت بحدائقها وفنونها الراقية، حتى غدت مدينة الشعر والتقوى والجمال.
*الوصول إلى شيراز: إقامة بطعم التراث
وصلنا إلى شيراز ليلا، وكانت إقامتنا في فندق الوكيل، الذي يحمل اسم السلطان الوكيل في العهد الزندي. يقع الفندق قرب الأسواق والمناطق التجارية، ويتميز بأثاثه التراثي ولمساته المعمارية الفنية التي تمنح الزائر إحساسا بالدفء والراحة.
لم نلبث طويلا حتى خرجنا لتناول العشاء في مطعم تراثي يقع في سرداب قديم، حيث تقدم الأكلات الفارسية الشعبية مثل «ديزي». كل شيء في المكان ينطق بالتراث: الديكور، الأثاث، وحتى أزياء العاملات اللواتي يرتدين الزي الشعبي الشيرازي. ولاحظنا حضورا لافتا للسياح القادمين من دول الخليج، في مشهد يعكس جاذبية المدينة وتنوع زوارها.
*مدينة لا تكفيها الأيام
لا يكفي يومان لاكتشاف شيراز ومعالمها السياحية المتعددة، التي تجمع بين السياحة الطبيعية، والتاريخية، والدينية. من حدائق دلغشا، والمسجد العتيق الذي يعود إلى القرن الثالث الهجري، إلى مسجد السلطاني الوكيل، ومسجد نصير الملك، ومتحف بارس، والقلعة الزندية، وأسواق الوكيل الشعبية، فضلا عن مرقدي وحديقتي حافظ وسعدي.
وقد اقتصر برنامجنا، لضيق الوقت، على زيارة سبع مناطق فقط من أصل أكثر من مئة موقع سياحي تحتضنها المدينة.
*شيراز تخلد شعراءها
كانت محطتنا الأجمل زيارة حديقة حافظ الشيرازي، حيث يلتقي الشعر بالطبيعة. حافظ، واسمه شمس الدين محمد، شاعر غنائي صوفي، حفظ القرآن الكريم فسمي «حافظ»، ولا يخلو بيت في شيراز من ديوانه، الذي يستعمل للتفاؤل وقراءة الطالع. جمال الحديقة لا يقل عن جمال قصائده، حتى ليخيّل للزائر أن الأشجار تحفظ أبياته.
ويرتبط حافظ بسعدي الشيرازي، الشاعر الصوفي الآخر، الذي عاش ومات في شيراز، وتحول قبره إلى حديقة ومزار يؤمه الآلاف يوميا. وفي المكان حوض ماء صاف يعتقد الزوار أنه يجلب الحظ، فترمى فيه النقود طلبا لتحقيق الأمنيات، في مزيج جميل من الموروث الشعبي والذاكرة الشعرية.
*حدائق ومعمار وروح مدينة
نجحت شيراز في الربط بين الشعر والمعمار وتصميم الحدائق، فجعلت من الجمال موردا سياحيا وثقافيا. زرنا حديقة إرم، وحدائق أخرى كانت تعود لشاه إيران، واستنشقنا هواء نقيا تفوح منه رائحة العشق والحب، حتى بدت التربة نفسها وكأنها تحفظ سرّ المدينة.
*تنوع ثقافي ورقص شعبي
ما يلفت النظر في المدن الإيرانية عموما، وفي شيراز خصوصا، هو تنوع القوميات واختلاف الفنون الشعبية. فلكل مدينة رقصها وإيقاعها الخاص؛ اختلاف يغني المشهد الثقافي ويمنح الرحلة بعدا إنسانيا أعمق.
*المساجد والقصور والقلعة
خصصنا يوما لزيارة المساجد الأثرية والقصور والقلعة. بدأنا بمسجد نصير الملك، المشهور بنوافذه الزجاجية التي تسمح للضوء بأن يرسم لوحة قوس قزح على أرضيته. ثم زرنا قصر «نارنجستان قوام»، الذي تحول إلى متحف سياحي تحيط به أشجار النارنج.
أما قلعة كريم خان الزندي، فقد بنيت حين كانت شيراز عاصمة لإيران، وكانت مقرا للأسرة الزندية. تحولت في زمن الشاه إلى معتقل، ثم آلت بعد سقوطه إلى إدارة الثقافة والسياحة، لتصبح اليوم واحدة من أهم معالم المدينة، بفضل موقعها في قلب شيراز وعلى امتداد شارع زند التجاري.
*خاتمة
شيراز ليست مدينة تزار على عجل، بل تجربة تعاش على مهل. هي عروس المدن بحق، تجمع بين الشعر والتاريخ، وبين التصوف والجمال، وتمنح زائرها إحساسا نادرا بأن المكان يكتبك بقدر ما تكتبه. ومن يمر بشيراز مرة، لا بد أن يعود إليها، ولو في الذاكرة.