المحمرة… مدينة الغروب والدم والسعادة

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 28 فبراير 2026 عدد المشاهدات: 2858
المحمرة… مدينة الغروب والدم والسعادة

المحمرة… مدينة الغروب والدم والسعادة

ليست المدن أسماء على الخرائط فحسب، بل هي طبقات من الذاكرة والتاريخ، تتناوب عليها التسميات كما تتناوب عليها الأزمنة. وهناك مدن تتبدل أسماؤها تبعا للحروب والسياسة، لكن صورتها الأولى تبقى ساكنة في القلب لا تمحى. ومن بين هذه المدن تقف خرمشهر، التي عرفها العرب باسم “المحمرة”، مدينة الغروب الأحمر، ثم سميت في زمن الحرب “خونين شهر” أي مدينة الدماء، قبل أن تستعيد اسمها الفارسي الذي يعني مدينة السعادة. بين هذه الأسماء الثلاثة تمتد حكاية مدينة، وتمتد معها حكاية إنسان.
*المحمرة… حين يكتب الغروب اسم المدينة
في كل مساء، حين تميل الشمس نحو الأفول، يتشكل في الأفق مستطيل أحمر صغير، سرعان ما يتمدد ليغمر السماء كلها بلون قان. ذلك المشهد كان كافيا ليمنح المدينة اسمها العربي: “المحمرة”.
لكن الحرب العراقية–الإيرانية قلبت المشهد؛ حين احتلها الجيش العراقي، سالت الدماء في شوارعها، فسماها الإيرانيون “خونين شهر” – مدينة الدماء. وبعد انسحاب الجيش العراقي وعودتها إلى السيادة الإيرانية، عاد اسمها الرسمي “خرمشهر” أي مدينة السعادة.
أما أنا، فأظل أفضل اسم “المحمرة”. ليس تعصبا للاسم، بل وفاء لذاكرة الطفولة، واعترافا بدين شخصي في عنقي لهذه المدينة. فقد كنت معتقلاً سياسيا في زمن لم تكن فيه مؤشرات الإفراج مطمئنة، بل كانت احتمالات الإعدام واردة. لكن تغير مسار المعارك في المحمرة، وانكسار الجيش العراقي هناك، دفع النظام إلى امتصاص الغضب الشعبي بإصدار عفو عن بعض السجناء السياسيين، والتخطيط لارسالهم الى ( المتقدم) ليكون مصيرها الموت ! وكنت من بينهم. هكذا، بطريقة غير مباشرة، أنقذتني المحمرة من مصير مجهول.
*من عبادان إلى المحمرة
انطلقت رحلتنا من عبادان، حيث لم نتمكن من دخول متحفها لعدم افتتاحه بعد، فاكتفينا بالتقاط الصور عند بوابته. وعلى مقربة منه يلمع الجامع الذهبي تحت أشعة الشمس، فيما تعذر علينا زيارة جامع “رنكوني” التاريخي لوقوعه داخل مصفى عبادان، ذلك المسجد الذي شيده عمال هنود وباكستانيون في العهدين القاجاري والبهلوي، فجاء طرازه المعماري مزيجا فريدا أقرب إلى المعابد الهندوسية.
كما مررنا بالكنيسة الأرمنية (يخا)، التي افتتحت عام 1959، في إشارة إلى حضور الطائفة الأرمنية التي تعد من أكبر الأقليات الدينية في إيران. كانت الكنيسة مغلقة، فاكتفينا بصورة من بعيد، كما اكتفينا سابقا بصورة للمسجد، وكأن الرحلة كانت درسا في الاكتفاء بما تمنحه الأمكنة.
*مدينة عند مصب الكارون
تبعد المحمرة نحو عشرة كيلومترات عن عبادان، وتقع عند مصب نهر الكارون شرق شط العرب. تأسست عام 1812، واحتلها العثمانيون عام 1835 لأهميتها الاستراتيجية كميناء رئيسي وإمارة عربية برز فيها الأمير جابر بن يوسف مراد الحاسبي، ثم الشيخ خزعل الذي كان آخر أمرائها حتى عام 1925، حين أُلحقت بإيران في عهد رضا بهلوي وتغير اسمها رسميا إلى خرمشهر.
تاريخها إذن ليس مجرد تعاقب سلطات، بل تعاقب هويات، عربية وفارسية، تجارية وعسكرية، حزينة وسعيدة.
*طفولة مشاكسة تحت سدرة النبك
غير أن المحمرة بالنسبة لي ليست فقط ساحة معارك أو صفحات تاريخ، بل هي ساحة مدرسة ابتدائية كان والدي مديرها. لم يبق من معالمها سوى سدرة نبك شامخة.
أتذكر المطر الغزير، ووقوف المعلمين يراقبون التلاميذ في الاستراحة، ومنع النزول إلى الساحة. كانت حبات النبك تتساقط تحت المطر، وكان أصدقائي يرجونني أن أجلبها لهم، لأنني – بحكم كوني ابن المدير – أقل عرضة للعقاب. كنت أتردد ثم أركض تحت زخات المطر والبرد، ألتقط بيدي الصغيرة بعض الثمار، أعود مبللا لاهثا، بينما والدي يوبخني.
كان يقول: “اطلب النبك من البيت، لماذا تبهذل نفسك؟”
وأجيبه ببراءة: “النبك تحت المطر ألذ من نبك الغرفة!”
كانت مشاكسة طفولية، سماها أبي شيطنة، وسميتها أنا لاحقا تضحية صغيرة من أجل أصدقاء اخترناهم بمحبة لا بقرابة. لكن الحياة علمتني أن أثمان التضحية قد تكون باهظة، حين تكتشف أن بعض من ضحيت من أجلهم لا يبادلونك الشعور ذاته.
*خاتمة
المحمرة إذن ليست مدينة تبدلت أسماؤها بين الغروب والدم والسعادة فحسب، بل هي مرآة لتحولات السياسة والحرب والبراءة الإنسانية. هي مدينة علمتني أن الأسماء قد تتغير، لكن الذاكرة لا تتبدل، وأن الغروب الأحمر قد يكون جمالا خالصا في زمن، ودما نازفا في زمن آخر، وسعادة مستعادة في زمن ثالث.
وحين أعود إليها – ولو بالكلمات – أجدني أعود إلى نفسي الأولى، إلى ذلك الطفل الذي كان يؤمن أن النبك تحت المطر ألذ، وأن التضحية، مهما كانت صغيرة، هي ما يجعل الإنسان إنسانا.

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

إشارة نقدية إلى رواية “أرض الكنوز “للروائية” ساهرة سعيد” حول ثيمة الغربة والتشتت

إشارة نقدية إلى رواية “أرض الكنوز “للروائية” ساهرة سعيد” حول ثيمة الغربة والتشتت

إشارة نقدية إلى رواية “أرض الكنوز “للروائية” ساهرة سعيد” حول ثيمة الغربة والتشتت تنهض رواية…

صورة الكاتب حمدي العطار
23 فبراير 2026
اقرأ المزيد
من رحلاتي الى ايران…. مدينة شيراز

من رحلاتي الى ايران…. مدينة شيراز

من رحلاتي الى ايران مدينة شيراز… عروس المدن وذاكرة الشعر مقدمة في أدب الرحلات لا…

صورة الكاتب حمدي العطار
21 فبراير 2026
اقرأ المزيد
من رحلاتي الى ايران…

من رحلاتي الى ايران…

من رحلاتي الى ايران رحلة في مدينة تختفي… وتعود: عبادان بين الأسطورة والتاريخ في أدب…

صورة الكاتب حمدي العطار
16 فبراير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المحمرة… مدينة الغروب والدم والسعادة

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 28 فبراير 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

المحمرة… مدينة الغروب والدم والسعادة

ليست المدن أسماء على الخرائط فحسب، بل هي طبقات من الذاكرة والتاريخ، تتناوب عليها التسميات كما تتناوب عليها الأزمنة. وهناك مدن تتبدل أسماؤها تبعا للحروب والسياسة، لكن صورتها الأولى تبقى ساكنة في القلب لا تمحى. ومن بين هذه المدن تقف خرمشهر، التي عرفها العرب باسم “المحمرة”، مدينة الغروب الأحمر، ثم سميت في زمن الحرب “خونين شهر” أي مدينة الدماء، قبل أن تستعيد اسمها الفارسي الذي يعني مدينة السعادة. بين هذه الأسماء الثلاثة تمتد حكاية مدينة، وتمتد معها حكاية إنسان.
*المحمرة… حين يكتب الغروب اسم المدينة
في كل مساء، حين تميل الشمس نحو الأفول، يتشكل في الأفق مستطيل أحمر صغير، سرعان ما يتمدد ليغمر السماء كلها بلون قان. ذلك المشهد كان كافيا ليمنح المدينة اسمها العربي: “المحمرة”.
لكن الحرب العراقية–الإيرانية قلبت المشهد؛ حين احتلها الجيش العراقي، سالت الدماء في شوارعها، فسماها الإيرانيون “خونين شهر” – مدينة الدماء. وبعد انسحاب الجيش العراقي وعودتها إلى السيادة الإيرانية، عاد اسمها الرسمي “خرمشهر” أي مدينة السعادة.
أما أنا، فأظل أفضل اسم “المحمرة”. ليس تعصبا للاسم، بل وفاء لذاكرة الطفولة، واعترافا بدين شخصي في عنقي لهذه المدينة. فقد كنت معتقلاً سياسيا في زمن لم تكن فيه مؤشرات الإفراج مطمئنة، بل كانت احتمالات الإعدام واردة. لكن تغير مسار المعارك في المحمرة، وانكسار الجيش العراقي هناك، دفع النظام إلى امتصاص الغضب الشعبي بإصدار عفو عن بعض السجناء السياسيين، والتخطيط لارسالهم الى ( المتقدم) ليكون مصيرها الموت ! وكنت من بينهم. هكذا، بطريقة غير مباشرة، أنقذتني المحمرة من مصير مجهول.
*من عبادان إلى المحمرة
انطلقت رحلتنا من عبادان، حيث لم نتمكن من دخول متحفها لعدم افتتاحه بعد، فاكتفينا بالتقاط الصور عند بوابته. وعلى مقربة منه يلمع الجامع الذهبي تحت أشعة الشمس، فيما تعذر علينا زيارة جامع “رنكوني” التاريخي لوقوعه داخل مصفى عبادان، ذلك المسجد الذي شيده عمال هنود وباكستانيون في العهدين القاجاري والبهلوي، فجاء طرازه المعماري مزيجا فريدا أقرب إلى المعابد الهندوسية.
كما مررنا بالكنيسة الأرمنية (يخا)، التي افتتحت عام 1959، في إشارة إلى حضور الطائفة الأرمنية التي تعد من أكبر الأقليات الدينية في إيران. كانت الكنيسة مغلقة، فاكتفينا بصورة من بعيد، كما اكتفينا سابقا بصورة للمسجد، وكأن الرحلة كانت درسا في الاكتفاء بما تمنحه الأمكنة.
*مدينة عند مصب الكارون
تبعد المحمرة نحو عشرة كيلومترات عن عبادان، وتقع عند مصب نهر الكارون شرق شط العرب. تأسست عام 1812، واحتلها العثمانيون عام 1835 لأهميتها الاستراتيجية كميناء رئيسي وإمارة عربية برز فيها الأمير جابر بن يوسف مراد الحاسبي، ثم الشيخ خزعل الذي كان آخر أمرائها حتى عام 1925، حين أُلحقت بإيران في عهد رضا بهلوي وتغير اسمها رسميا إلى خرمشهر.
تاريخها إذن ليس مجرد تعاقب سلطات، بل تعاقب هويات، عربية وفارسية، تجارية وعسكرية، حزينة وسعيدة.
*طفولة مشاكسة تحت سدرة النبك
غير أن المحمرة بالنسبة لي ليست فقط ساحة معارك أو صفحات تاريخ، بل هي ساحة مدرسة ابتدائية كان والدي مديرها. لم يبق من معالمها سوى سدرة نبك شامخة.
أتذكر المطر الغزير، ووقوف المعلمين يراقبون التلاميذ في الاستراحة، ومنع النزول إلى الساحة. كانت حبات النبك تتساقط تحت المطر، وكان أصدقائي يرجونني أن أجلبها لهم، لأنني – بحكم كوني ابن المدير – أقل عرضة للعقاب. كنت أتردد ثم أركض تحت زخات المطر والبرد، ألتقط بيدي الصغيرة بعض الثمار، أعود مبللا لاهثا، بينما والدي يوبخني.
كان يقول: “اطلب النبك من البيت، لماذا تبهذل نفسك؟”
وأجيبه ببراءة: “النبك تحت المطر ألذ من نبك الغرفة!”
كانت مشاكسة طفولية، سماها أبي شيطنة، وسميتها أنا لاحقا تضحية صغيرة من أجل أصدقاء اخترناهم بمحبة لا بقرابة. لكن الحياة علمتني أن أثمان التضحية قد تكون باهظة، حين تكتشف أن بعض من ضحيت من أجلهم لا يبادلونك الشعور ذاته.
*خاتمة
المحمرة إذن ليست مدينة تبدلت أسماؤها بين الغروب والدم والسعادة فحسب، بل هي مرآة لتحولات السياسة والحرب والبراءة الإنسانية. هي مدينة علمتني أن الأسماء قد تتغير، لكن الذاكرة لا تتبدل، وأن الغروب الأحمر قد يكون جمالا خالصا في زمن، ودما نازفا في زمن آخر، وسعادة مستعادة في زمن ثالث.
وحين أعود إليها – ولو بالكلمات – أجدني أعود إلى نفسي الأولى، إلى ذلك الطفل الذي كان يؤمن أن النبك تحت المطر ألذ، وأن التضحية، مهما كانت صغيرة، هي ما يجعل الإنسان إنسانا.