اللاتوقع الحركي: الثابت والمتحرك في فلسفة الفهم والإدراك المعاصر

صورة الكاتب
بقلم: أ. د محمد کریم الساعدي
التاريخ: 1 مارس 2026 عدد المشاهدات: 2544
اللاتوقع الحركي: الثابت والمتحرك في فلسفة الفهم والإدراك المعاصر

اللاتوقع الحركي: الثابت والمتحرك في فلسفة الفهم والإدراك المعاصر

كينونة الأشياء بثباتها وصيرورتها في حركتها نحو الاكتمال، وبين الثابت والمتحرك تعيد الأشياء جماليتها بعد أن تصل إلى مرحلة الانغلاق، والتي هي عند البعض اكتمال المعنى في ذات الشيء، وعند البعض الآخر الوصول إلى مرحلة الكم الذي لابد أن ينتج بعده كيف معين حتى يتغير إلى ما هو أفضل، حسب وجهة النظر الماركسية وما بعدها.
فالأشياء عادة ما تجعلنا ننبهر بها إذا لم تكن مستقرة، ويفلت المعنى في ذهننا في كل حين نعتقده اكتمل ووصل إلى مبتغاه الأسمى. فالإنسان عند فوكوياما مثلاً وصل إلى قمته في نهاية التاريخ في ضوء تحديد الأشياء ومسمياتها وفق ثنائية السيد والعبد؛ والسيد هو من يصنع الأشياء ويطورها، والعبد هو من يثبت على مفاهيمه الماضية منتظراً ما يصدر من السيد في هذا المجال. وهنتغتون في بحثه عن الصراع وسؤاله عن “من نحن؟”، يرى أن الصراع بين مركزية الأشياء وهامشها ما يزال مستمراً ما دام هنالك حركة صراع دائرة في صورة تطور حضاري للسيطرة.

وفي تفكيكية دريدا وخطاب فوكو وسردية ريكور وغيرهم في الاختلاف، ما يزال البحث في تحطيم كل قيود الماضي المتمركزة في ذات متضخمة تدّعي تسيد الأشياء وفق تراتبية مختلقة في أذهان خطابها الكوني؛ ففي البحث عن تفكيك وتفتيت هذه النظرة في نهاية التاريخ والإنسان الأخير، تظهر الحاجة للبحث عن متغيرات جديدة في رؤية الإنسان إلى ما سيأتي بين ثنايا الثبات والحركة. فالصراع إذن هو صراع بين التمركز والتحرر من الصنمية في داخل الإنسان ذاته وانعكاسها في نتاجاته التي لابد أن يصيبها التغير مهما تسمرت مفاهيمها وانغلقت في فترة زمنية محددة.

هذا الصراع بين التوقع الثابت، واللاتوقع المتغير في دروب الفكر العالمي انعكس على ثقافة الفرد بصورة عامة، مما أنتج مفاهيم قد أسست لتأطير الإنسان في قوالب معينة لابد أن تتكسر على جدران البحث عن حقيقة الإنسان. إنها إذن نظرة كونية في تبدل الأشياء وتطورها نحو مصيرها القادم غير المتوقع بما يخفي وما يظهر.

إن ثنائية التوقع واللاتوقع هي مشكلة العصر، كمشكلة الثبات والحركة، ومشكلة البناء والهدم، ومشكلة الحركة الجوهرية في داخل الأشياء ذاتها التي هي في تقدم مستمر نحو الهدم في داخلها، ومتغير مستمر البناء وبطيء الاكتمال في ظاهرها.

لكن ماذا إذا تبدلت المعادلة وجعلنا ما هو سريع التغير والهدم في الظاهر، وبطيء التقدم والاكتمال في الداخل؟ هنا ستصبح العملية قائمة على اللاتوقع الحركي الذي يهدم ما هو متوقع لصالح بناء ما هو لا متوقع في حركة مستمرة في ثباتها؛ إنها فلسفة قائمة على قلب المعادلة وجعل اللامتوقع هو سمة الحياة، وهو الثابت في التتبع لدى الفرد الذي فقد الكثير من المتوقع في حياته لصالح اللامتوقع، وأصبحت الصيرورة لديه هي الأساس بدلاً من كينونة الحياة الماضية التي تكسرت على جدران ما هو لا متوقع قادم.

نحن اليوم أمام تغيرات كونية لكنها في الوقت نفسه لها مساس بجزئيات حياتنا؛ فما عاد النظر إلى أحلامنا القديمة بحياة تنقضي على مهل، ولا عاد الحاضر يدعونا إلى ثبات تجارب التاريخ واستلهام عبرة في الحاضر لبناء تجارب مستقبلية. الإنسان اليوم يمر بمرحلة من الجنون الذي لا يتوقع أن يصل به إلى شيء معين ومعقول، فهي فلسفة العصر وهي معادلة تقلب كل المفاهيم، تحتاج إلى عقل يمتلك مفاهيم أخرى عن اللاتوقع الذي نعيشه اليوم.

نحن بحاجة إلى علوم أخرى تفسر لنا ما نحن فيه اليوم، وكذلك فنون أخرى تكون مجنونة ومشاكسة حتى نفهم هذا الانقلاب العظيم في المعادلة من داخلنا وخارج مسمياتنا التقليدية؛ إنها فلسفة اللاتوقع الحركي المضادة للمتوقع الثابت الذي يحتاج إلى كيف جديد.

عن الکاتب / الکاتبة

أ. د محمد کریم الساعدي
أ. د محمد کریم الساعدي
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الاختلاف والمعرفة الغيرية

الاختلاف والمعرفة الغيرية

الاختلاف والمعرفة الغيرية إنَّ صياغة الخطاب الغيري في فضاء العرض يتطلب تحديد ملامح الآخر الثقافية…

صورة الكاتب أ. د محمد کریم الساعدي
9 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


اللاتوقع الحركي: الثابت والمتحرك في فلسفة الفهم والإدراك المعاصر

بقلم: أ. د محمد کریم الساعدي | التاريخ: 1 مارس 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

اللاتوقع الحركي: الثابت والمتحرك في فلسفة الفهم والإدراك المعاصر

كينونة الأشياء بثباتها وصيرورتها في حركتها نحو الاكتمال، وبين الثابت والمتحرك تعيد الأشياء جماليتها بعد أن تصل إلى مرحلة الانغلاق، والتي هي عند البعض اكتمال المعنى في ذات الشيء، وعند البعض الآخر الوصول إلى مرحلة الكم الذي لابد أن ينتج بعده كيف معين حتى يتغير إلى ما هو أفضل، حسب وجهة النظر الماركسية وما بعدها.
فالأشياء عادة ما تجعلنا ننبهر بها إذا لم تكن مستقرة، ويفلت المعنى في ذهننا في كل حين نعتقده اكتمل ووصل إلى مبتغاه الأسمى. فالإنسان عند فوكوياما مثلاً وصل إلى قمته في نهاية التاريخ في ضوء تحديد الأشياء ومسمياتها وفق ثنائية السيد والعبد؛ والسيد هو من يصنع الأشياء ويطورها، والعبد هو من يثبت على مفاهيمه الماضية منتظراً ما يصدر من السيد في هذا المجال. وهنتغتون في بحثه عن الصراع وسؤاله عن “من نحن؟”، يرى أن الصراع بين مركزية الأشياء وهامشها ما يزال مستمراً ما دام هنالك حركة صراع دائرة في صورة تطور حضاري للسيطرة.

وفي تفكيكية دريدا وخطاب فوكو وسردية ريكور وغيرهم في الاختلاف، ما يزال البحث في تحطيم كل قيود الماضي المتمركزة في ذات متضخمة تدّعي تسيد الأشياء وفق تراتبية مختلقة في أذهان خطابها الكوني؛ ففي البحث عن تفكيك وتفتيت هذه النظرة في نهاية التاريخ والإنسان الأخير، تظهر الحاجة للبحث عن متغيرات جديدة في رؤية الإنسان إلى ما سيأتي بين ثنايا الثبات والحركة. فالصراع إذن هو صراع بين التمركز والتحرر من الصنمية في داخل الإنسان ذاته وانعكاسها في نتاجاته التي لابد أن يصيبها التغير مهما تسمرت مفاهيمها وانغلقت في فترة زمنية محددة.

هذا الصراع بين التوقع الثابت، واللاتوقع المتغير في دروب الفكر العالمي انعكس على ثقافة الفرد بصورة عامة، مما أنتج مفاهيم قد أسست لتأطير الإنسان في قوالب معينة لابد أن تتكسر على جدران البحث عن حقيقة الإنسان. إنها إذن نظرة كونية في تبدل الأشياء وتطورها نحو مصيرها القادم غير المتوقع بما يخفي وما يظهر.

إن ثنائية التوقع واللاتوقع هي مشكلة العصر، كمشكلة الثبات والحركة، ومشكلة البناء والهدم، ومشكلة الحركة الجوهرية في داخل الأشياء ذاتها التي هي في تقدم مستمر نحو الهدم في داخلها، ومتغير مستمر البناء وبطيء الاكتمال في ظاهرها.

لكن ماذا إذا تبدلت المعادلة وجعلنا ما هو سريع التغير والهدم في الظاهر، وبطيء التقدم والاكتمال في الداخل؟ هنا ستصبح العملية قائمة على اللاتوقع الحركي الذي يهدم ما هو متوقع لصالح بناء ما هو لا متوقع في حركة مستمرة في ثباتها؛ إنها فلسفة قائمة على قلب المعادلة وجعل اللامتوقع هو سمة الحياة، وهو الثابت في التتبع لدى الفرد الذي فقد الكثير من المتوقع في حياته لصالح اللامتوقع، وأصبحت الصيرورة لديه هي الأساس بدلاً من كينونة الحياة الماضية التي تكسرت على جدران ما هو لا متوقع قادم.

نحن اليوم أمام تغيرات كونية لكنها في الوقت نفسه لها مساس بجزئيات حياتنا؛ فما عاد النظر إلى أحلامنا القديمة بحياة تنقضي على مهل، ولا عاد الحاضر يدعونا إلى ثبات تجارب التاريخ واستلهام عبرة في الحاضر لبناء تجارب مستقبلية. الإنسان اليوم يمر بمرحلة من الجنون الذي لا يتوقع أن يصل به إلى شيء معين ومعقول، فهي فلسفة العصر وهي معادلة تقلب كل المفاهيم، تحتاج إلى عقل يمتلك مفاهيم أخرى عن اللاتوقع الذي نعيشه اليوم.

نحن بحاجة إلى علوم أخرى تفسر لنا ما نحن فيه اليوم، وكذلك فنون أخرى تكون مجنونة ومشاكسة حتى نفهم هذا الانقلاب العظيم في المعادلة من داخلنا وخارج مسمياتنا التقليدية؛ إنها فلسفة اللاتوقع الحركي المضادة للمتوقع الثابت الذي يحتاج إلى كيف جديد.