يوميات ناقد ثقافي….الكَروة

صورة الكاتب
بقلم: أ.د حسين القاصد
التاريخ: 22 مارس 2026 عدد المشاهدات: 3585
يوميات ناقد ثقافي….الكَروة

يوميات ناقد ثقافي

الكروة

الكروة فصيحة جدا، بل فصحى ، وهي شاعت لدى العراقيين حتى ذهب الظن بأنها عامية؛ ويقولها العراقي حين يدفع أجرة النقل أو حين يسأل عن مبلغ الأجرة يقول العراقي ( شگد الكروة) وكل السؤال فصيح، فـ (القد) هو المقدار، والجيم منقلبة من اللهجة، والسؤال كله هو ( أي شيء قدُّ الكروة) ما مقدار الكروة؟
والعرب لا تقول: استأجر سيارة بل تقول: إكترى سيارة.
وعند العراقيين مثل شعبي هو ( الحمار يموت بكروته) وهو فيه من التناص مع الآية الكريمة: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا)، ولأن الحمار لا يثمن ما يحمله صار المثل الشعبي ( يموت بكروته) لكل الذين همهم الكروة وليس قيمة المحمول.
هناك قتلة يكتريهم أصحاب المال ومثلهم لصوص في عصابة، وحتى الأستاذ الجامعي الذي ليس له من الجامعة سوى الراتب الشهري وديكور اللقب العلمي، كل هؤلاء يموتون بكروتهم، ويقضون يومهم أجراء يحملون أسفاراً.
هناك جيوش تقاتل وتموت بكروتها، لكن الأخطر من هذا كله هم أهل اللغوة وليس ولا أقول أهل اللغة، مع أن اللغة خوانة جداً حين يتم تسليعها؛ ولفظة اللغة حين نكتبها حرفيا بالانگليزية تكون ( lugha) ولا أعني ترجمتها إلى ( language) مع أنها تخدم غايتي التي أريدها.
العراقيون يسمون المتزلف لغويا، نطقاً أو كتابةً، يسمونه ( لوگي) وهو الذي يوظف اللغة للتملق والتزييف ولو انتبهنا إلى ما ذكرته من مقاربة في الترجمة تصل إلى أن اللوگي هو من يسلع الكلام، وإن للأعداء جنوداً لغويين ( لوگية)، وهؤلاء تجدهم في كل منابر الكلام، فالشاعر يبرئ القاتل بالحجاج المخاتل مثلما فعل عبد الرزاق عبد الواحد حين طالب بالعفو عن عدي صدام حسين بعد أن قتل طباخ قصر أبيه:
كامل حنا ججو
الميلاد11 نوفمبر 1955 العراق ،
الوفاة 18 أكتوبر،1988
أم الخنازير
قتله عدي صدام حسين،
سبب الوفاة: نزف مخي.
فتوجه عبد الرزاق لصدام حسين بقصيدة منها:
يا سيدي كل نفس قبلك امتحنت
حتى الأئمة والأسباط والرسلُ
ولم يقل ربُّ إسماعيل خذ دمه
لكن فداه ألا تفديه يا رجلُ
فهب أخانا لنا وأعدل كما عدلوا !
وهذا النص المخاتل هو لصناعة رأي جمعي يستقبل قرار العفو، لأن العفو كان بحاجة لجسر لغوي مقنع كي يمرر.
باللغة تبنى البيوت وتهدم ، وبها تندلع الحروب وبها تزور الحقائق كما يفعل المدونون الأجراء في التواصل الاجتماعي والمحللون السياسيون الذين ينطقون عن ممولهم، وكل منهم يموت بكروته.
لقد أنفق المؤرخون أطناناً من الورق و التبذير اللغوي، لكنهم ممن قال فيهم المتنبي العظيم:
حولي بكل مكانٍ منهمُ خِلقٌ
تخطي إذا جئتَ باستفهامها بمنِ
ولأن ( من) أداة استفهام للعاقل لا يصح السؤال بها عمن يموت بكروته.
من كتابي ( نظرية اللسانيات الثقافية العربية)
٢١ / ٣ / ٢٠٢٦

عن الکاتب / الکاتبة

أ.د حسين القاصد
أ.د حسين القاصد
الناقد والشاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

يوميات ناقد ثقافي…. حسين أحمديان والحجاج الثقافي

يوميات ناقد ثقافي…. حسين أحمديان والحجاج الثقافي

يوميات ناقد ثقافي حسين أحمديان والحجاج الثقافي بغض النظر عن موقفك من إيران، وبغض النظر…

صورة الكاتب أ.د حسين القاصد
14 أبريل 2026
اقرأ المزيد
يوميات ناقد ثقافي…  شعر الخدم أم أدب القيادة؟

يوميات ناقد ثقافي… شعر الخدم أم أدب القيادة؟

يوميات ناقد ثقافي شعر الخدم أم أدب القيادة؟ ارتكب النقد الأدبي جناية عظمى بحق الأدب…

صورة الكاتب أ.د حسين القاصد
13 أبريل 2026
اقرأ المزيد
يوميات ناقد ثقافي….الهوية الزرقاء

يوميات ناقد ثقافي….الهوية الزرقاء

يوميات ناقد ثقافي الهوية الزرقاء كانت الحروب سابقا لتحرير فلسطين.. أقمنا الدنيا ولم نقعهدها من…

صورة الكاتب أ.د حسين القاصد
23 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


يوميات ناقد ثقافي….الكَروة

بقلم: أ.د حسين القاصد | التاريخ: 22 مارس 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

يوميات ناقد ثقافي

الكروة

الكروة فصيحة جدا، بل فصحى ، وهي شاعت لدى العراقيين حتى ذهب الظن بأنها عامية؛ ويقولها العراقي حين يدفع أجرة النقل أو حين يسأل عن مبلغ الأجرة يقول العراقي ( شگد الكروة) وكل السؤال فصيح، فـ (القد) هو المقدار، والجيم منقلبة من اللهجة، والسؤال كله هو ( أي شيء قدُّ الكروة) ما مقدار الكروة؟
والعرب لا تقول: استأجر سيارة بل تقول: إكترى سيارة.
وعند العراقيين مثل شعبي هو ( الحمار يموت بكروته) وهو فيه من التناص مع الآية الكريمة: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا)، ولأن الحمار لا يثمن ما يحمله صار المثل الشعبي ( يموت بكروته) لكل الذين همهم الكروة وليس قيمة المحمول.
هناك قتلة يكتريهم أصحاب المال ومثلهم لصوص في عصابة، وحتى الأستاذ الجامعي الذي ليس له من الجامعة سوى الراتب الشهري وديكور اللقب العلمي، كل هؤلاء يموتون بكروتهم، ويقضون يومهم أجراء يحملون أسفاراً.
هناك جيوش تقاتل وتموت بكروتها، لكن الأخطر من هذا كله هم أهل اللغوة وليس ولا أقول أهل اللغة، مع أن اللغة خوانة جداً حين يتم تسليعها؛ ولفظة اللغة حين نكتبها حرفيا بالانگليزية تكون ( lugha) ولا أعني ترجمتها إلى ( language) مع أنها تخدم غايتي التي أريدها.
العراقيون يسمون المتزلف لغويا، نطقاً أو كتابةً، يسمونه ( لوگي) وهو الذي يوظف اللغة للتملق والتزييف ولو انتبهنا إلى ما ذكرته من مقاربة في الترجمة تصل إلى أن اللوگي هو من يسلع الكلام، وإن للأعداء جنوداً لغويين ( لوگية)، وهؤلاء تجدهم في كل منابر الكلام، فالشاعر يبرئ القاتل بالحجاج المخاتل مثلما فعل عبد الرزاق عبد الواحد حين طالب بالعفو عن عدي صدام حسين بعد أن قتل طباخ قصر أبيه:
كامل حنا ججو
الميلاد11 نوفمبر 1955 العراق ،
الوفاة 18 أكتوبر،1988
أم الخنازير
قتله عدي صدام حسين،
سبب الوفاة: نزف مخي.
فتوجه عبد الرزاق لصدام حسين بقصيدة منها:
يا سيدي كل نفس قبلك امتحنت
حتى الأئمة والأسباط والرسلُ
ولم يقل ربُّ إسماعيل خذ دمه
لكن فداه ألا تفديه يا رجلُ
فهب أخانا لنا وأعدل كما عدلوا !
وهذا النص المخاتل هو لصناعة رأي جمعي يستقبل قرار العفو، لأن العفو كان بحاجة لجسر لغوي مقنع كي يمرر.
باللغة تبنى البيوت وتهدم ، وبها تندلع الحروب وبها تزور الحقائق كما يفعل المدونون الأجراء في التواصل الاجتماعي والمحللون السياسيون الذين ينطقون عن ممولهم، وكل منهم يموت بكروته.
لقد أنفق المؤرخون أطناناً من الورق و التبذير اللغوي، لكنهم ممن قال فيهم المتنبي العظيم:
حولي بكل مكانٍ منهمُ خِلقٌ
تخطي إذا جئتَ باستفهامها بمنِ
ولأن ( من) أداة استفهام للعاقل لا يصح السؤال بها عمن يموت بكروته.
من كتابي ( نظرية اللسانيات الثقافية العربية)
٢١ / ٣ / ٢٠٢٦