إعادة تعريف العلاقة بين الأدب و الفلسفة في رواية (سنة موت ريكاردو ريس)..

صورة الكاتب
بقلم: علاء احمد الشاهین
التاريخ: 12 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2445
إعادة تعريف العلاقة بين الأدب و الفلسفة في رواية (سنة موت ريكاردو ريس)..

إعادة تعريف العلاقة بين الأدب و الفلسفة
في رواية (سنة موت ريكاردو ريس)..

تُعد رواية (سنة موت ريكاردو ريس) للكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو المنشورة عام ١٩٨٤ واحدة من أكثر الأعمال الأدبية تركيباً وعمقاً في الأدب الأوروبي الحديث، إذ تتجاوز حدود السرد التقليدي لتغدو تأملًا فلسفياً في الهوية، والذاكرة، وعلاقة الإنسان بالتاريخ. يستعير ساراماغو شخصية ريكاردو ريس، أحد (الذوات) الأدبية التي ابتكرها فرناندو بيسوا، ليقيم عليها بناءاً روائياً يتداخل فيه الواقعي بالمتخيل، والحياة بالموت، في سردٍ يتسم بالبطء التأملي واللغة المتدفقة.
تدور أحداث الرواية في لشبونة خلال فترة سياسية مضطربة من ثلاثينيات القرن العشرين، حيث يعود ريس من منفاه في البرازيل بعد وفاة بيسوا، ليجد نفسه في مدينة تبدو مألوفة وغريبة في آنٍ واحد. هذا التوتر بين الألفة والاغتراب يشكل المحور النفسي للنص، إذ يتحول ريس إلى شاهد صامت على عالم يتغير دون أن يمتلك القدرة أو الرغبة في التدخل. وهنا يطرح ساراماغو سؤالًا جوهرياً: هل يمكن للحياد أن يكون موقفاً أخلاقياً في زمن التحولات الكبرى؟
أسلوبياً، يعتمد ساراماغو على جمل طويلة متدفقة، تتداخل فيها الأصوات دون فواصل تقليدية، مما يخلق إحساساً بالاستمرارية الذهنية أقرب إلى تيار الوعي. هذا الأسلوب ليس مجرد تقنية شكلية، بل يعكس حالة التردد والضبابية التي يعيشها البطل. فريكاردو ريس ليس شخصية فاعلة بقدر ما هو متلقي سلبي، يعيش في ظل ذكريات بيسوا الذي يظهر في الرواية كشبح محاور، في واحدة من أكثر العناصر غرابة وجمالًا في النص. هذا الحضور الطيفي يفتح الباب للتأمل في العلاقة بين الخالق ومخلوقه، بين الكاتب وشخصياته، بل وبين الحياة والكتابة نفسها.
السمة الفكرية للروائية تنشغل بثنائية الوجود والعدم، حيث يبدو ريس وكأنه يعيش (سنة موت) ممتدة، لا بمعناها البيولوجي، بل كحالة من الانسحاب التدريجي من العالم. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الرواية بوصفها نقداً ضمنياً للامبالاة، خاصة في ظل صعود الأنظمة الشمولية في أوروبا آنذاك. إن صمت ريس ليس براءة، بل نوع من التواطؤ غير المباشر، وهو ما يجعل الرواية تحمل بعداً سياسياً عميقاً رغم طابعها التأملي.
في بنية الرواية فأن ساراماغو ينجح في خلق توازن دقيق بين السرد التاريخي والتخييل الأدبي، حيث تتقاطع الأحداث الشخصية مع خلفية سياسية مضطربة، دون أن تطغى إحداهما على الأخرى. كما أن استحضار شخصية بيسوا لا يأتي كتحية أدبية فحسب، بل كوسيلة لإعادة التفكير في مفهوم (الذات) بوصفها كياناً متعدداً ومتشظياً.
ان رواية (سنة موت ريكاردو ريس) ليست رواية تقرأ بحثاً عن حبكة تقليدية، بل تجربة فكرية وجمالية تتطلب قارئاً صبوراً ومتأملًا. إنها عمل يعيد تعريف العلاقة بين الأدب والفلسفة، ويؤكد قدرة السرد على طرح أسئلة وجودية عميقة دون أن يقدم إجابات جاهزة. وفي هذا تكمن قوة ساراماغو: في جعلك تفكر، لا في أن يملي عليك ما يجب أن تفكر فيه.

عن الکاتب / الکاتبة

علاء احمد الشاهین
علاء احمد الشاهین
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

العبث و السخرية.. كوسيلة لفهم المأساة الانسانية

العبث و السخرية.. كوسيلة لفهم المأساة الانسانية

العبث و السخرية.. كوسيلة لفهم المأساة الانسانية تمثل قصتا (المعطف) نشرت عام ١٨٤٢ و (الأنف)…

صورة الكاتب علاء احمد الشاهین
18 أبريل 2026
اقرأ المزيد
نسج الواقع بخيوط ذاكرة الخسارات..

نسج الواقع بخيوط ذاكرة الخسارات..

نسج الواقع بخيوط ذاكرة الخسارات..   تتشكل رواية (على رصيف العمر) للكاتب السوري الفلسطيني حسن…

صورة الكاتب علاء احمد الشاهین
9 أبريل 2026
اقرأ المزيد
تفكيك خطاب البطولة الزائف في (كل شيئ هادئ على الجبهة الغربية)

تفكيك خطاب البطولة الزائف في (كل شيئ هادئ على الجبهة الغربية)

تفكيك خطاب البطولة الزائف في (كل شيئ هادئ على الجبهة الغربية) رواية (كل شيء هادئ…

صورة الكاتب علاء احمد الشاهین
6 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


إعادة تعريف العلاقة بين الأدب و الفلسفة في رواية (سنة موت ريكاردو ريس)..

بقلم: علاء احمد الشاهین | التاريخ: 12 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

إعادة تعريف العلاقة بين الأدب و الفلسفة
في رواية (سنة موت ريكاردو ريس)..

تُعد رواية (سنة موت ريكاردو ريس) للكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو المنشورة عام ١٩٨٤ واحدة من أكثر الأعمال الأدبية تركيباً وعمقاً في الأدب الأوروبي الحديث، إذ تتجاوز حدود السرد التقليدي لتغدو تأملًا فلسفياً في الهوية، والذاكرة، وعلاقة الإنسان بالتاريخ. يستعير ساراماغو شخصية ريكاردو ريس، أحد (الذوات) الأدبية التي ابتكرها فرناندو بيسوا، ليقيم عليها بناءاً روائياً يتداخل فيه الواقعي بالمتخيل، والحياة بالموت، في سردٍ يتسم بالبطء التأملي واللغة المتدفقة.
تدور أحداث الرواية في لشبونة خلال فترة سياسية مضطربة من ثلاثينيات القرن العشرين، حيث يعود ريس من منفاه في البرازيل بعد وفاة بيسوا، ليجد نفسه في مدينة تبدو مألوفة وغريبة في آنٍ واحد. هذا التوتر بين الألفة والاغتراب يشكل المحور النفسي للنص، إذ يتحول ريس إلى شاهد صامت على عالم يتغير دون أن يمتلك القدرة أو الرغبة في التدخل. وهنا يطرح ساراماغو سؤالًا جوهرياً: هل يمكن للحياد أن يكون موقفاً أخلاقياً في زمن التحولات الكبرى؟
أسلوبياً، يعتمد ساراماغو على جمل طويلة متدفقة، تتداخل فيها الأصوات دون فواصل تقليدية، مما يخلق إحساساً بالاستمرارية الذهنية أقرب إلى تيار الوعي. هذا الأسلوب ليس مجرد تقنية شكلية، بل يعكس حالة التردد والضبابية التي يعيشها البطل. فريكاردو ريس ليس شخصية فاعلة بقدر ما هو متلقي سلبي، يعيش في ظل ذكريات بيسوا الذي يظهر في الرواية كشبح محاور، في واحدة من أكثر العناصر غرابة وجمالًا في النص. هذا الحضور الطيفي يفتح الباب للتأمل في العلاقة بين الخالق ومخلوقه، بين الكاتب وشخصياته، بل وبين الحياة والكتابة نفسها.
السمة الفكرية للروائية تنشغل بثنائية الوجود والعدم، حيث يبدو ريس وكأنه يعيش (سنة موت) ممتدة، لا بمعناها البيولوجي، بل كحالة من الانسحاب التدريجي من العالم. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الرواية بوصفها نقداً ضمنياً للامبالاة، خاصة في ظل صعود الأنظمة الشمولية في أوروبا آنذاك. إن صمت ريس ليس براءة، بل نوع من التواطؤ غير المباشر، وهو ما يجعل الرواية تحمل بعداً سياسياً عميقاً رغم طابعها التأملي.
في بنية الرواية فأن ساراماغو ينجح في خلق توازن دقيق بين السرد التاريخي والتخييل الأدبي، حيث تتقاطع الأحداث الشخصية مع خلفية سياسية مضطربة، دون أن تطغى إحداهما على الأخرى. كما أن استحضار شخصية بيسوا لا يأتي كتحية أدبية فحسب، بل كوسيلة لإعادة التفكير في مفهوم (الذات) بوصفها كياناً متعدداً ومتشظياً.
ان رواية (سنة موت ريكاردو ريس) ليست رواية تقرأ بحثاً عن حبكة تقليدية، بل تجربة فكرية وجمالية تتطلب قارئاً صبوراً ومتأملًا. إنها عمل يعيد تعريف العلاقة بين الأدب والفلسفة، ويؤكد قدرة السرد على طرح أسئلة وجودية عميقة دون أن يقدم إجابات جاهزة. وفي هذا تكمن قوة ساراماغو: في جعلك تفكر، لا في أن يملي عليك ما يجب أن تفكر فيه.