القصيدة سلطة قول تكنس الخريف السياسي
القصيدة لاتقرأ فقط ؛ هذه العبارة الفضفاضة تختزل مأزق الشعر حين يعامل كزينة لفظية ؛ او ترف لغوي في المناسبات ثم يطوى ؛ القصيدة في جوهرها الاول محكمة ..
حين يكتب الشاعر بيته ؛ فهو لايصف واقعة عابرة ؛ بل يستدعي التأريخ كله ؛ ليجلس في قفص الشهادة ؛ وفي هذه المحكمة لايوجود محامون يراوغون ؛ ولاقضاة يشترون ؛ هناك فقط (( القول الفصل )) يقف شاهدا لايزور ؛ اما الشاهد هنا (( اللغة )) حين تتحرر من أملاءات السلطة ؛ وتصبح أمينة على الحقيقة ..
ان التأريخ الرسمي تكتبه الاقلام المأجورة ؛ وتمحوه الايدي القوية ؛ اما التأريخ الذي تكتبه القصيدة فهو تأريخ الضمير الجمعي ؛ تأريخ الضحايا الذين لم يجدوا سجلا الا صدر شاعر ؛ لهذا بقيت معلقة قيس بن زهير شاهدة على حرب ( داحس والغبراء ) ؛ وبقي المتنبي شاهدا على فساد ( بلاط كافور الاخشبيدي) ؛ وبقي الجواهري شاهدا على خيانات الساسة …
القول في القصيدة لايقبل الرشوة ؛ لانه مولود من وجع صادق ؛ السياسي يصنع الخطب الرنانة ؛ ويلبس الهزيمة ثوب النصر ؛ يصنع من الأوهام واقعا ؛ ومن الفساد انجازا ؛ كما نراه اليوم في تجربة ترامب السياسية ؛ هنا تأتي القصيدة برياحها الهوجاء ؛ هي لاتجادل الزيف بالمنطق البارد ؛ بل تكنسه ؛ كما تكنس الريح أوراق الخريف اليابسة ؛ والتي تمثل وعود الساسة ؛ صفراء ميتة تتساقط مع أول اختبار ؛ القصيدة هي تلك الريح التي لا تستأذن ؛ تهب فجأة ؛ تعري الاغصان ؛ وتكشف هشاشة الجذع ؛ هنا نقف اجلالا امام مظهر النواب حين كتب (( القدس عروس عروبتكم )) سنة 1978 اثناء القمة العربية في بغداد في حينه لم يكن شعرا ؛ بل كان يكنس عقودا من الخطب الخشبية عن الطاولات الزيف السياسي الذي يحتاج الى لغة ناعمة لتستره ؛ اما القصيدة فهي لغة خشنة تفضحه ؛ لذلك تخاف السلطة من بيت شعر ؛ أكثر من خوفها من مقال تحليلي ؛ لان المقال يخاطب العقول ؛ اما القصيدة فتوقظ الضمير ..
القصيدة ليست ترفا ؛ هي ذاكرة الشعوب حين تصاب الأنظمة بالزهايمر الاخلاقي ؛ هي المحكمة التي لاتؤجل جلساتها ؛ والمكنسة التي لاتكل ؛ واذا رأيت الساسة يرتعدون من قصيدة ؛ فأعلم ان فيها قولا وقف شاهدا لايزور ؛ فلنحفظ درس الحسين عليه السلام في قلوبنا ؛ ولنكن الشاهد الذي لايزور في محكمة الضمير… وختامه مسك ..
عبدالواسع السقاف
فاطمة حكمت حسن
ماجد القيسي
التعليقات