الورقة النقدية التي قدمت في جلسة ( نادي الكتاب في بغداد مدينة الابداع -اليونسكو) اليوم الخميس 16/4/2026احتفاء بالقاص اسماعيل ابراهيم عبد ومجموعته القصصية ( نديمات جلنار)
“القص المعرفي بين غواية الفكرة وإشكالية التشكيل السردي”
مقدمة
غالبا ما يستخدم مصطلح التجريبية في السرد (الرواية والقصة) بمعنى قريب من التجديد، لكنه ليس مطابقا له تمامًا.
التجريبية أوسع وأعمق من التجديد فحسب. فكل كتابة تجريبية هي نوع من التجديد، لكن ليس كل تجديد يعد تجريبا.التجريبية تعني أن الكاتب:يختبر أشكالًا جديدة في السرد
يكسر القوالب التقليدية (الحبكة، الزمن، الراوي، اللغة…) يجرب تقنيات غير مألوفة، حتى لو كانت محفوفة بالمخاطرة أو غير مضمونة النجاح أي أن التجريب هو مغامرة فنية واعية، وليس مجرد تحسين أو تطوير.
أما التجديد فهو:إدخال عناصر جديدة أو أساليب مختلفة
لكنه غالبا يبقى داخل الإطار العام المألوف للسرد الفرق بشكل مبسط:
التجديد: تطوير داخل النظام
التجريب: اختبار نظام جديد أو كسر النظام نفسه .
مجموعة ( تداعيات جلنار) للقاص أسماعيل ابراهيم عبد هي من ضمن التجريبية.
*تجريب في الشكل والوظيفة
يشهد السرد العراقي المعاصر نزوعًا متزايدا نحو التجريب، ليس على مستوى الشكل فحسب، بل على مستوى الوظيفة أيضا. ومن بين هذه التجارب تبرز محاولة القاص إسماعيل إبراهيم عبد في مجموعته الموسومة بـ(نديمات جلنار)، التي يقدمها ضمن ما يسميه بـ”القص المعرفي”، بوصفه نمطا سرديا يسعى إلى مزج المعرفة بالتخييل وتقديم المادة الفكرية في قالب جمالي.
غير أن هذا الطموح يثير جملة من الأسئلة: هل نجح النص في التحول من التعليم إلى الفن؟ أم بقي أسير الفكرة على حساب التشكيل السردي؟
أولًا: مفهوم القص المعرفي وإشكاليته
يعرف القص المعرفي بوصفه سردا يدمج بين المعارف العلمية أو الفلسفية أو التاريخية، وبين البناء التخييلي، بهدف تبسيط المفاهيم المعقدة وتقديمها بطريقة مؤثرة. وهو، في جوهره، محاولة لتحقيق “تعليم مبطن” عبر القصة.
غير أن هذا النمط يواجه تحديا أساسياً يتمثل في تحقيق التوازن بين:دقة المعلومة وجمالية السرد.
فإذا طغت المعرفة، تحول النص إلى خطاب تعليمي جاف، وإذا طغى التخييل، تلاشت الوظيفة المعرفية.
ثانيًا: خطاب المؤلف وإشكال المصطلح
في تقديمه للمجموعة، يعلن القاص سعيه إلى تجاوز “القصة الأرشيفية والوثائقية”، دون أن يوضح بدقة ما المقصود بهذين المصطلحين. إذ يبدو أن الكاتب يضع نفسه في مواجهة نمط غير محدد المعالم.
كما يشير إلى انفتاح نصوصه على “الجماليات العابرة للتجنيس”، وهو طرح معاصر، لكنه يطرح تساؤلاً مشروعا:
هل يعني ذلك تجاوز ضوابط القصة القصيرة، أم إعادة تشكيلها؟
ثالثا: البنية المعرفية في المجموعة
يقسّم الكاتب مشروعه إلى سبعة حقول معرفية: البيئية، النفسية، السيرية، الأسطورية، الاجتماعية، السياسية، والفلسفية.
وهذا التعدد يكشف عن طموح واضح لتوسيع أفق القصة، غير أن هذا الاتساع قد يؤدي أحيانًا إلى:تشتت الرؤية،أو تغليب الفكرة على الحدث
رابعا: قراءة تحليلية لقصة “هما قدماه”
تنتمي هذه القصة إلى الحقل الفلسفي، وتقوم على تقنية لافتة، إذ تتحول “القدمان” إلى محور دلالي تتكلم من خلاله الأشياء: الزجاج، الفضاء، البيت، الحديقة، الصمت…
هنا نلاحظ:
تشخيص الجمادات ومنحها صوتا تأويليا
هيمنة اللغة الشعرية على حساب الحدث
تفكك البنية السردية التقليدية (غياب الحبكة الواضحة)
النص يشتغل على بناء صورة حسية-رمزية للأنثى عبر قدميها، حيث تتحولان إلى:
رمز للخصب والحياة والحضور الجمالي
لكن هذا البناء يواجه إشكاليتين:
تضخم اللغة المجازية إلى حد يضعف التواصل مع القارئ
غياب الفعل السردي لصالح التأمل الوصفي
أما المفارقة الأخيرة حيث تتحول القدمان إلى كيان حزين لفقدان الرغبة والحضور فتمثل لحظة دلالية مهمة تكشف انكسار الجمال أمام الغياب.
خامسا: بين المعرفة والشعرية
ما يميز هذه التجربة هو محاولتها إنتاج نص هجين: ليس قصة تقليدية ولا نصا معرفيا خالصا ،بل أقرب إلى نص تأملي شعري معرفي
غير أن هذا التهجين رغم جرأته يحتاج إلى ضبط فني أدق لكي لا يفقد النص هويته السردية.
خاتمة
يمكن القول إن تجربة “القص المعرفي” عند إسماعيل إبراهيم عبد تمثل محاولة جادة لتجديد السرد، عبر إدخال المعرفة في نسيجه الفني. إلا أن هذه التجربة ما تزال في طور التشكل وتعاني من إشكاليات تتعلق بالمصطلح والبناء والتوازن بين الفكرة والفن.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل يستطيع القص المعرفي أن يؤسس لنوع سردي جديد، أم أنه سيظل تجربة عابرة ضمن سياق التجريب؟
شیماء ثائر
داود السلمان
د. عبد القادر بشير
التعليقات