خارطة الرماد والولادة
ماذا أفعلُ؟
والأفقُ يضيقُ بي كخاتمٍ صَدِئٍ..
والزمنُ ينهشُ ما استبقى من أحلامي الكسيرة.
هل أرحلُ بعيداً؟
حيثُ المنافي لا تعرفُ وجهي.. ولا أسماءَ قتلايَ،
أم أبقى هنا.. أواجهُ طوفانَ الذكريات؟
أصارعُ أشباحاً تقطنُ ثقوبَ الجدران..
تقتاتُ على صمتي.. وتختلسُ من عينيَّ المنام.
أخشى الغرقَ في لُجّةِ الآهاتِ،
فأنا لا أُجيدُ السباحةَ..
ولا أملكُ طوقاً للنجاةِ!
والبحرُ خلفي.. والعدمُ ممتدٌّ أمامي،
وقاربي.. مَثقوبٌ؛
تتسللُ مياهُ الخيباتِ منهُ إلى رئتي..
لتختنقَ الكلماتُ قبل أن تلامسَ الشفاه.
حالي كحالِ شعبي المغلوبِ،
والمنهوبِ..
والمصلوبِ على أرصفةِ الانتظارِ الطويل؛
فإنَّ عالَمنا مقلوبٌ رأساً على عقب.
مَنْ معي ينثرُ الأزهار؟
في زمنٍ لا تنبتُ فيهِ إلا المساميرُ،
ولا تُثمرُ فيهِ الأشجارُ إلا العلقمَ والمُرّ.
فالأزهارُ لا تطيقُ نشرَ الحبِّ..
والعالمُ.. بلا قلب!
أخرسٌ هو.. حينَ نحتاجُ صرخةً تُوقظُ الموتى.
نحنُ الذين نلهثُ خلفَ القشرِ..
ولا يهمُّنا اللُّبُّ..
نبيعُ اليقينَ في سوقِ النخاسةِ.. ونبتاعُ الوهم.
نقدسُ القيدَ.. ونبصقُ في وجهِ الحريةِ،
نخشى الطاغوتَ أكثرَ من الربِّ!
نحني رؤوسنا للريحِ لعلَّها تعبرُ دونَ ذبحنا،
لا نقولُ “يا رب” إلا بعد اشتعالِ نيرانِ الحربِ،
أو بعدَ أن نَفقدَ خارطةَ الدربِ.
سأحطمُ بوصلتي القديمة.. وأعلنُ العصيان؛
سأهدمُ معابدَ الزيفِ التي شيدها النسيان.
لا.. لن أرحلَ إلى هناك،
بل سأبقى هنا..
مغروساً في هذا الترابِ كرمحٍ كَسيرٍ،
ليس لمواجهةِ الطوفانِ..
بل لأنامَ نصفَ مليونِ سنةٍ!
أعتكفُ في رحمِ الأرضِ بعيداً عن ضجيجِ الزيفِ،
حيثُ السكونُ أصدقُ من وعودِ السلاطين.
لعلي أجدُ العالمَ قد تغيّرَ..
وغسلتِ الأمطارُ دماءَ الأبرياءِ من الشوارعِ.
لعلي أجدُ شعبي قد تحرّرَ..
من سلاسلِ الوهمِ.. ومن صمتِ القبورِ،
واستعادَ ملامحَهُ التي سرقتها الريحُ والدهور.
لعلي أشهدُ هلاكَ الأشرارِ أجمعين،
واجتثاثَ عروشٍ شُيِّدت فوقَ جماجمِ الفقراءِ.
أو لعلَّ البشرَ قاطبةً قد هلكوا..
واستراحَ الكوكبُ من ضغينةِ هابيلَ وقابيل،
وانمحت آثارُ خطاياهم من سِفْرِ الوجودِ،
ولم يبقَ في الأرضِ إلا أنا!
أنا الصرخةُ الأخيرةُ في وجهِ السكونِ،
أنا النبضُ الذي يأبى التوقفَ في جسدِ الفراغ؛
من أجلِ أن أُعيدَ رسمَ خارطةِ العالمِ.. من جديدٍ،
بلا حدودٍ تنزفُ.. ولا جدرانٍ تفصلُ بينَ الأخِ وأخيه.
سأرسمُ شمساً لا تغيبُ عن الفقراءِ أبداً،
أُفتتُ بها جبالَ العتمةِ.. وأغسلُ بها وجهَ الغد،
وأكتبُ تاريخاً جديداً.. ليس فيهِ سيدٌ ولا مسود.
رجاء الغانمي
التعليقات