“يا كَناري”

صورة الكاتب
بقلم: مهند آل لطيف
التاريخ: 19 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2560
“يا كَناري”

“يا كَناري”

 

مَتى ترحلُ يا كَناري.. نَحوَ ضوءِ القَمَر؟
وتتركَ القفصَ المهجورَ.. لبردِ الليلِ والسَّهَر؟
وقبلَ أن يَهطلَ المَطَرُ.. أوجاعاً ومُرّ
فالأرضُ تضيقُ بمَن.. لا يحملُ في جَناحِهِ خَبَر
قالوا لي: “إنّكَ تَعشَقُ الحُرية”
وأنَّ السماءَ لعينيكَ.. مرافئُ أبدية
وصوتُكَ.. نغماتٌ غارقةٌ في الأسى
كأنّكَ تعزفُ للراحلينَ.. لحنَ الوداعِ والمَسا

منذ عشرينَ عاماً.. أبحثُ عن طائرٍ يحملُ أشواقي لمحبوبتي
أُفتّشُ في وجهِ الريحِ.. عن رسالةٍ ضاعتْ في غربتي
منذ عشرينَ عاماً.. أبحثُ عن طائرٍ يأتي بأخبارِ حبيبتي
أيسألُ الطيرُ عنها؟ أم غدا النسيانُ صُحبتي؟
بحثتُ كثيراً.. فلم أجدْ إلا السَّراب
وكلما اقتربتُ خطوةً.. أوصَدَ الحظُّ في وجهي الباب
وأصبحَ العُمرُ مَحطاتٍ من الغياب
أسافرُ من جرحٍ لآخر.. بلا رفيقٍ ولا إياب

أحصيتُها محطةً محطةً.. فلم أجدْ فيها أمل
كأنَّ قطارَ العمرِ يمضي.. وقد أضناهُ الشَّلَل
وكلُّ سنواتِ عُمري.. محطاتٌ من العذاب
أرسمُ فوقَ جدرانِها.. وجوهاً فارقتْنا في الشباب
أخشى أن أسألَ بلا معرفة
فالجوابُ أحياناً.. طعنةٌ في القلبِ مُرهفة
يا حَسرةَ العطشانِ الملهوفِ وهو يرجو قطرةَ ماء
يظنُّ الظمأَ يرويهِ.. صدى نداءٍ في السماء
في تِيهِ الصحراءِ.. وما وجدَ سوى السراب
يُطاردُ ظِلّاً هربَ منهُ.. وتاهَ في الضباب

وصفكَ ليَ العاشقون..
بأنّكَ سِرُّ الهوى.. ودليلُ التائهينَ المحزونين
قالوا: “أنتَ تحبُّ الحرية.. كالعشقِ والأزهار”
لا يحدُّكَ قيدٌ.. ولا تقفُ في وجهكَ الأقدار
وصفكَ ليَ العاشقون..
يا ملكاً توّجتْهُ الجراحُ.. بدمعِ العيون
قالوا: “صوتكَ يعزفُ ألحانَ الأناشيدِ والأشعار”
فتنحني لكَ القوافي.. وتخجلُ منكَ الأوتار
وقالوا.. وقالوا لي عنكَ كثيراً من الأسرار
بأنَّ في ريشِكَ المبللِ.. حكاياتِ ليلٍ ونهار

قالوا: “كلُّ الأحزانِ لا تحجبُ صوتك”
فأنتَ الشدوُ الباقي.. حتى لو دنا مَوتك
قالوا: “كُلُّكَ ذوقٌ.. والألمُ لا يَمضُّ فيك”
كأنَّ الصبرَ رداءٌ.. في حزنِكَ يواريك
وعيونكَ التي تحرسُ قلوبَ المحبين
تغفو على جرحٍ.. وتصحو على أنين
تشبهُ عيونَ الناسِ.. والحبَّ.. والعصافير
لكنَّ فيها شجناً.. يعجزُ عن وصفهِ التفسير

حتى غدا العُمرُ محطات
نودّعُ فيها الأماني.. ونستقبلُ الآهات
أحصيتُها.. فلم أجدْ فيها أمل
سوى خيطِ ذِكرى.. في الروحِ قد اشتعل
وصارَ العُمرُ مجردَ محطات
نحزمُ فيها الحقائبَ.. ونجمعُ الشتات
أخشى أن أسألَ بلا معرفة
عن روحٍ غابتْ.. وفي خفايا النفسِ معتكفة

يا لخيبةِ الملهوفِ وهو يطوفُ بالمحطاتِ بحثاً عن حبيب
ينادي في الفراغِ.. ولا يردُّ عليهِ إلا النحيب
يا نبضةَ قلبي.. يا حبيبتي
يا مَن يسكنُ النبضُ بها.. رغمَ البُعدِ الرهيب
يا نورَ عيني.. يا زهرةَ حياتي
يا قصةً كتبتها بدمي.. وبقيتْ سِري العجيب
فهيا ارحل يا كَناري فما في الأرضِ متسعٌ لآهاتي
واحمل معك.. ما تبقى من رفاتِ حكاياتي
فأنا والمحطاتُ والمنفى.. صرنا بقايا أمنياتي
سأظلُّ أرقبُ في المدى.. طيفاً توارى في الغياب
وأخطُّ فوقَ الرملِ موعدنا.. ليمحوهُ الضباب
فإمّا لقاءٌ يُعيدُ الروحَ.. أو مَوْتٌ يَدقُّ الباب!

عن الکاتب / الکاتبة

مهند آل لطيف
مهند آل لطيف
شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“تراتيل الغياب”

“تراتيل الغياب”

تراتيل الغياب وَحيداً.. أحتسي الشاي أُقلّبُ مِلعقتي في فَراغِ الكأسِ، في فَرَاغِ الرُّوح أَعُدُّ فُقاقيعَ…

صورة الكاتب مهند آل لطيف
10 أبريل 2026
اقرأ المزيد
“سيد الشعراء”

“سيد الشعراء”

سيد الشعراء   فِي حَضْرَةِ القَلَمِ والأوراقِ جَلَسْتُ بِحَذَرٍ أَتَرَقَّبُ، أُحَاصِرُ الصَّمْتَ فِي زَوَايَا الحِبْرِ…

صورة الكاتب مهند آل لطيف
3 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“يا كَناري”

بقلم: مهند آل لطيف | التاريخ: 19 أبريل 2026

التصنيف: الشعر

“يا كَناري”

 

مَتى ترحلُ يا كَناري.. نَحوَ ضوءِ القَمَر؟
وتتركَ القفصَ المهجورَ.. لبردِ الليلِ والسَّهَر؟
وقبلَ أن يَهطلَ المَطَرُ.. أوجاعاً ومُرّ
فالأرضُ تضيقُ بمَن.. لا يحملُ في جَناحِهِ خَبَر
قالوا لي: “إنّكَ تَعشَقُ الحُرية”
وأنَّ السماءَ لعينيكَ.. مرافئُ أبدية
وصوتُكَ.. نغماتٌ غارقةٌ في الأسى
كأنّكَ تعزفُ للراحلينَ.. لحنَ الوداعِ والمَسا

منذ عشرينَ عاماً.. أبحثُ عن طائرٍ يحملُ أشواقي لمحبوبتي
أُفتّشُ في وجهِ الريحِ.. عن رسالةٍ ضاعتْ في غربتي
منذ عشرينَ عاماً.. أبحثُ عن طائرٍ يأتي بأخبارِ حبيبتي
أيسألُ الطيرُ عنها؟ أم غدا النسيانُ صُحبتي؟
بحثتُ كثيراً.. فلم أجدْ إلا السَّراب
وكلما اقتربتُ خطوةً.. أوصَدَ الحظُّ في وجهي الباب
وأصبحَ العُمرُ مَحطاتٍ من الغياب
أسافرُ من جرحٍ لآخر.. بلا رفيقٍ ولا إياب

أحصيتُها محطةً محطةً.. فلم أجدْ فيها أمل
كأنَّ قطارَ العمرِ يمضي.. وقد أضناهُ الشَّلَل
وكلُّ سنواتِ عُمري.. محطاتٌ من العذاب
أرسمُ فوقَ جدرانِها.. وجوهاً فارقتْنا في الشباب
أخشى أن أسألَ بلا معرفة
فالجوابُ أحياناً.. طعنةٌ في القلبِ مُرهفة
يا حَسرةَ العطشانِ الملهوفِ وهو يرجو قطرةَ ماء
يظنُّ الظمأَ يرويهِ.. صدى نداءٍ في السماء
في تِيهِ الصحراءِ.. وما وجدَ سوى السراب
يُطاردُ ظِلّاً هربَ منهُ.. وتاهَ في الضباب

وصفكَ ليَ العاشقون..
بأنّكَ سِرُّ الهوى.. ودليلُ التائهينَ المحزونين
قالوا: “أنتَ تحبُّ الحرية.. كالعشقِ والأزهار”
لا يحدُّكَ قيدٌ.. ولا تقفُ في وجهكَ الأقدار
وصفكَ ليَ العاشقون..
يا ملكاً توّجتْهُ الجراحُ.. بدمعِ العيون
قالوا: “صوتكَ يعزفُ ألحانَ الأناشيدِ والأشعار”
فتنحني لكَ القوافي.. وتخجلُ منكَ الأوتار
وقالوا.. وقالوا لي عنكَ كثيراً من الأسرار
بأنَّ في ريشِكَ المبللِ.. حكاياتِ ليلٍ ونهار

قالوا: “كلُّ الأحزانِ لا تحجبُ صوتك”
فأنتَ الشدوُ الباقي.. حتى لو دنا مَوتك
قالوا: “كُلُّكَ ذوقٌ.. والألمُ لا يَمضُّ فيك”
كأنَّ الصبرَ رداءٌ.. في حزنِكَ يواريك
وعيونكَ التي تحرسُ قلوبَ المحبين
تغفو على جرحٍ.. وتصحو على أنين
تشبهُ عيونَ الناسِ.. والحبَّ.. والعصافير
لكنَّ فيها شجناً.. يعجزُ عن وصفهِ التفسير

حتى غدا العُمرُ محطات
نودّعُ فيها الأماني.. ونستقبلُ الآهات
أحصيتُها.. فلم أجدْ فيها أمل
سوى خيطِ ذِكرى.. في الروحِ قد اشتعل
وصارَ العُمرُ مجردَ محطات
نحزمُ فيها الحقائبَ.. ونجمعُ الشتات
أخشى أن أسألَ بلا معرفة
عن روحٍ غابتْ.. وفي خفايا النفسِ معتكفة

يا لخيبةِ الملهوفِ وهو يطوفُ بالمحطاتِ بحثاً عن حبيب
ينادي في الفراغِ.. ولا يردُّ عليهِ إلا النحيب
يا نبضةَ قلبي.. يا حبيبتي
يا مَن يسكنُ النبضُ بها.. رغمَ البُعدِ الرهيب
يا نورَ عيني.. يا زهرةَ حياتي
يا قصةً كتبتها بدمي.. وبقيتْ سِري العجيب
فهيا ارحل يا كَناري فما في الأرضِ متسعٌ لآهاتي
واحمل معك.. ما تبقى من رفاتِ حكاياتي
فأنا والمحطاتُ والمنفى.. صرنا بقايا أمنياتي
سأظلُّ أرقبُ في المدى.. طيفاً توارى في الغياب
وأخطُّ فوقَ الرملِ موعدنا.. ليمحوهُ الضباب
فإمّا لقاءٌ يُعيدُ الروحَ.. أو مَوْتٌ يَدقُّ الباب!