حديث الأشياء الصامتة
بعد أن أنهيت من قهوتي في الحديقة دخلت إلى المنزل بهدوء كمن يعود من رحلة قصيرة في تأملاته جلست أمام النافذة حيث وُضعت نظارتي على الطاولة بجانب أحد الكتب التي قرأتها ذات مساء شتوي طويل
لفت نظري أمر غريب. كأن النظارة تنظر إلى الخارج إلى الحديقة تحديدًا حيث ما يزال الفنجان على المقعد الخشبي ينتظر. شعرت للحظة أن بين النظارة والفنجان حديثاً صامتاً حواراً لم أكن طرفه لكني التقطت نبرته
التفت إلى الكتاب فوجدته يختنق بالغبار وعيناه الورقيتان تحدّقان بي بعتب بدا مغرورًا بعض الشيء، لكنّه لم يكن لئيماً قال لي بصمت الحروف القديمة
لا عتب على الفنجان بل على من صاروا يقرأونه أكثر مما يقرأونني دفنوني في زاوية ميته ونفخوا الغبار على اسمي وجعلوا من الفنجان نبيايقرأ مصائرهم
شعرت بالحرج أنا الذي كنت يومًا أذوب بين سطور هذا الكتاب، تركته يشيخ وحيدًا
الفنجان في الخارج يلمع تحت أشعة الشمس كأنه يستعرض سلطته
الكتاب يختنق بالغبار
والنظارة كانت تراقب كل شيء تشهد على خيانة البصر والبصيرة
سكن المشهد وسكن قلبي
أدركتُ أني تركت أشيائي تتحدث عني أكثر مما أتحدث عنها
وأن في كل ركن من أركان هذا البيت ذاكرة وعتب وحكاية تنتظر قارئًا لا عرفا
نهضت من أمام النافذة وكأن النظارة والكتاب قد أنهوا شكواهم أو ربما تعبوا من الكلام سرت ببطء في أروقة البيت، لا أعرف إن كنت أهرب من نظراتهم أم أبحث عن شيء يعيد إلي بعض التوازن
مررت بالردهة الصغيرة تلك التي لطالما تجاهلتها فاستوقفتني المرآة القديمة المعلقه على الجدار لم تكن مرآة فاخرة بل بسيطة باطار خشبي أكلته السنين لكنها اليوم كانت مختلفة.. كانت تنظر إلي
تقدّمت نحوها نظرت إلى انعكاسي لكني لم أرَ وجهي المعتاد رأيت شخصًا أنهكه الانتظار ملامحه باهتة كأنه خارج للتو من كتاب قديم لم يُقرأ منذ سنوات
المرآة تحدثت بصمتها…
متى كانت آخر مرة نظرتَ إلي لتتأمل داخلك لا لتعدّل ربطة عنقك أو تتفقد تجاعيدك
أطرقت رأسي
كم مرة مررت من هنا مسرعا كم مرّة تهربت من وجهي الحقيقي ومن الأسئلة التي تسكن عيني
كان في المرآة رجل غريب يشبهني كثيرًا لكنه يعرف أكثر مما أعترف
أدرتُ وجهي عنها فوجدت صندوقًا صغيرًا على الأرض مغطى بطبقة رقيقة من الغبار فتحته ففاحت رائحة الذكريات… رسائل قديمة، صور باهتة ومفكرة جلدية كنت أكتب فيها خواطري
سحبتُ المفكرة وبدأت أقلب صفحاتها
كأنني أقرأه لأول مرة منذ زمن
جلست على الأرض والمفكرة بين يدي وكل الأشياء حولي صامتة لكنها متحفزة كأنها تنتظر قراري عدت أقرأ إحدى الخواطر التي كتبتها ذات مساء حالم
حين تضيق بك الحياة اكتب… لا لتتخلص من الألم بل لتصادقه ففي كل حرف حياة وفي كل سطر احتمال جديد
رفعت بصري وإذا بالكتاب العتيق قد انفتح من تلقاء نفسه على صفحة وضعت بها وردة جافة منذ سنوات
أدركت حينها أنني لا أحتاج عرافًا ولا فنجانًا…
كل ما أحتاجه كان بين سطور كتاب في نظرة مرآة أو في دفتر نسيته ذات خيبة
نهضت من مكاني ومسحت الغبار عن الكتاب وعن المفكرة… وعن قلبي
د. ماجد القيسي
بشرى الهلالي
حیدر جاسم محمد المشکور
التعليقات