الحميمية كتجربة.. حينما تتداخل الحياة مع الكتاب
يأتي كتاب (النوم إلى جوار الكتب) للكاتب والناقد العراقي لؤي حمزة عباس بوصفه نصاً إشكالياً يتعمد الإفلات من التصنيف، إذ لا يستقر ضمن خانة النقد الأدبي التقليدي، ولا يندرج في السيرة الذاتية بمعناها الكلاسيكي، بل يقيم في منطقة وسيطة يمكن توصيفها بـ(أدب التأمل القرائي) أو (سيرة القراءة).
في هذا العمل، تتحول القراءة من فعل معرفي إلى تجربة وجودية مكتملة، حيث لا يكتفي الكاتب بتتبع أثر النصوص في الوعي، بل يعيد بناء حياته نفسها بوصفها سلسلة من القراءات المتراكمة، وكأن الذات ليست سوى حصيلة مكتبة داخلية.
يؤسس عباس منذ العتبة الأولى لفكرة مركزية تقوم على أن (القراءة ليست ترفاً ذهنياً، بل طريقة في العيش) ، وهو ما يتجلى في قوله: (لم أكن أقرأ الكتب، بل كنت أعيش فيها، وأخرج منها بملامح أخرى) . هذه العبارة تكشف عن جوهر المشروع، حيث تتداخل الحياة مع النص، ويغدو الكتاب كائناً مرافقاً لا مجرد موضوع خارجي. ومن هنا، يكتسب العنوان دلالته العميقة؛ فـ(النوم إلى جوار الكتب) ليس استعارة جمالية فحسب، بل توصيف لحالة اندماج قصوى، حيث تصبح الكتب جزءاً من الحيز الحياتي اليومي، تشارك القارئ عزلته، وحدته، وأحلامه.
يعتمد اسلوب الكاتب على اقتصاد لغوي واضح، إذ تتشكل نصوصه من مقاطع قصيرة أو (مقامات) كما يشير العنوان الفرعي، لكن هذه الكثافة لا تعني الفقر الدلالي، بل على العكس، تنطوي الجمل على شحنة إيحائية عالية، تراهن على التلميح بدل التصريح. نقرأ مثلاً: (الكتاب الجيد لا يضيف إليك معرفة فحسب، بل ينتزع منك يقيناً) ، وهي صياغة تختزل تصوراً كاملاً لدور القراءة بوصفها فعلاً تفكيكياً يعيد تشكيل وعي القارئ. هذه النزعة التأملية تقرّب النص أحياناً من الكتابة الصوفية، حيث تتحول القراءة إلى نوع من (الكشف) ، كما في قوله: (كل قراءة حقيقية هي انكشاف لطبقة خفية في الروح).
يحضر عنصر الذاكرة بشكل جلي بوصفه بنية حاكمة في الكتاب، إذ لا تعرض القراءات بوصفها أحداثاً منفصلة، بل تتشابك مع سيرة الكاتب الشخصية، لتشكل ما يشبه (أرشيفاً ذاتياً) للوعي الثقافي. في أحد المقاطع، يستعيد الكاتب علاقته المبكرة بالكتب قائلاً: (كنت أتعلم العالم من رفوف صغيرة، لا من الشارع) ، في إشارة إلى أن التكوين الثقافي سبق التجربة الحياتية المباشرة، أو ربما عوّض عنها. بهذا المعنى، يغدو الكتاب شهادة على تشكل مثقف عراقي في سياق اجتماعي وثقافي معقد، حيث تلعب القراءة دور الملاذ والبديل.
النص الموجود في الصورة:
معرفياً لا يقدم عباس تحليلات نقدية منهجية بالمعنى الأكاديمي، بل يشتغل على (أثر القراءة) أكثر من اشتغاله على (بنية النصوص). فهو لا يشرح الأعمال التي يقرؤها بقدر ما يكشف عن كيف غيّرته تلك الأعمال. يقول في أحد المقاطع: (لا أتذكر ما قاله الكتاب بدقة، لكنني أتذكر ما فعله بي)، وهي جملة تلخص انحياز الكتاب إلى التجربة الذاتية على حساب التحليل الموضوعي. هذا الخيار يمنح النص حرارة إنسانية واضحة، لكنه في الوقت نفسه يضعه خارج أطر النقد المؤسسي. غير أن هذا الطابع الشذري، القائم على المقاطع المستقلة، يخلق إشكالية بنيوية، إذ يفتقر الكتاب إلى تسلسل صارم أو خيط تنظيمي واضح. فالنص يتقدم عبر ومضات وتأملات قد تبدو متفرقة، لا يجمعها سوى (مزاج القراءة) لدى الكاتب. وقد عبّر عباس نفسه عن هذا التوجه حين كتب: (أكتب كما أقرأ: بلا خطة، لكن بكثير من الانتباه)، وهو تصريح يفسر طبيعة البناء المفتوح للنص. هذه الحرية الشكلية قد تترك القارئ الباحث عن نسق متماسك، لكنها في المقابل تمنح العمل صدقه وعفويته.
نسق متماسك، لكنه في المقابل تمنح العمل صدقه وعفويته.
في سياق أوسع، يمكن قراءة الكتاب بوصفه دفاعًا عن القراءة في زمن التشتت الرقمي، حيث تتحول الكتب إلى (فعل مقاومة) ضد النسيان والسطحية. يقول عباس: (في عالم سريع، تصبح القراءة البطيئة شكلاً من أشكال النجاة)، وهي رؤية تمنح الكتاب بعدًا ثقافيًا يتجاوز التجربة الفردية. فالقراءة هنا ليست مجرد علاقة شخصية، بل موقف وجودي من العالم.
تكمن قيمة هذا العمل في أنه يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والكتاب، لا بوصفها علاقة استهلاك معرفي، بل علاقة حميمة قائمة على التفاعل والتشكل المتبادل. إنه نص يحتفي بالقراءة كهواية، وكملاذ، وكطريقة لفهم الذات والعالم. ورغم افتقاره إلى الصرامة المنهجية، إلا أنه يحقق ما هو أهم، نقل تجربة القراءة من مستوى الفعل إلى مستوى الكينونة. لذلك يمكن القول إن (النوم إلى جوار الكتب) ليس كتابًا عن الكتب بقدر ما هو كتاب عن الحياة كما تعاش عبر الكتب.
شوقي كريم حسن
التعليقات