مقبرة بلا شواهد

صورة الكاتب
بقلم: أبو الحسنين الدعساوي
التاريخ: 12 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2576
مقبرة بلا شواهد

مقبرة بلا شواهد

لم تكن مجرد ليلة ظلماء، بل كانت انكساراً أبدياً لروح مدينتي. إذ اجتاحتها الملابس السوداء التي بدت وكأنها خِيطت من سواد قلوبهم. في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن السماء انقبضت حزناً على ما سيحدث؛ فقد هجموا كوحوشٍ متعطشة للدماء، أطفأوا شمعة بيوتنا، وقتلوا فينا الطمأنينة قبل أن يقتلوا الأجساد.
تحت ضغط غريزة البقاء، وجدتُ نفسي في خضم زحامٍ مرعب. هربتُ مع من هرب من أهل مدينتي، نركض نحو حضن الصحراء القاسي لعلنا ننجو من موتٍ غطت رائحته أزقة المدينة. وتحت جنح الليل، وفي قلب الفراغ الشاسع، لم نكن نعلم أن الموت لا يكتفي بما أخذ؛ فقد نصب لنا كميناً غادراً وسط الرمال.
كانت حبيبة عمري وزوجتي تتشبث بيدي بكل قوتها، وكأن كفي هي خيطها الأخير في هذه الحياة. وسط أنفاسنا المتهدجة، توقفنا لثانيةٍ خلف كثيب رملي، نظرت إليّ بعينين تملؤهما الدموع والرجاء، وهمست بصوتٍ يرتجف:
– عدني ألا تفلت يدي.. إذا بقينا معاً، فسننجو، وإن هلكنا.. فليكن معاً.
​شددتُ على كفها الباردة، وأجبتها بقلبٍ يتمزق:
– أنتِ روحي، وكيف للمرء أن يفلت روحه؟ سنعبر هذا الجحيم، وسأبني لكِ في الغدِ وطناً لا يصله السواد.
لكن القدر كان قد كتب سطراً آخر. فجأة، انشق صمت الصحراء عن صرخة الرصاص التي انهالت علينا كالمطر. ساد الضياع، واختلط عويل الريح بصرخات الرعب. في لحظة التدافع الكبرى، وحين كانت الأجساد ترتطم ببعضها بحثاً عن مخرج، شعرتُ بالخزي الأكبر في حياتي.. شعرتُ بيدها تنزلق من يدي. صرختُ باسمها حتى تمزقت حنجرتي:
– سُعاد… سُعاد.
حاولتُ الالتفاف، والعودة عكس تيار البشر المذعورين، لكن الزحام كان يدفعني بقوةٍ نحو المجهول، كأن الأرض تريد إبعادي عن قطعةٍ من قلبي.
ركضتُ وحيداً، لا أعرف إلى أين، حتى ركنتُ إلى صخرةٍ صماء. وضعتُ يدي على صدري لكي أخفض دقات قلبي التي كادت أن تفضح مكاني، وهناك، تذكرتُ كل شيء:
– أين الأهل؟ أين الجيران؟ وأين تلك اليد التي وعدتُ ألا أفلتها؟
​أدركتُ في تلك الخلوة المرة أن نهايتهم جميعاً كانت هنا، في صحراء لا تعرف القبور، ولا تذكر الأسماء. صارت الصحراء اليوم مقبرةً شاسعة لكل من أحببت، وأصبحتُ أنا الناجي بجسده، لكنني في الحقيقة الميت الذي نُزع منه كل شيء.
لعل القدر أراد لي أن أكون الشاهد الوحيد على تلك الليلة، لأحمل وجع أولئك الذين لم يجدوا من يبكيهم.
أنا اليوم، أمشي وحيداً، وبداخلي مدينة كاملة مدفونة تحت الرمال، أحمل عهد اليد التي أفلتت، وأعيش بقايا حياةٍ ضاعت في ليلةٍ لم تشرق شمسها بعد.

عن الکاتب / الکاتبة

أبو الحسنين الدعساوي
أبو الحسنين الدعساوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“زوجة شهيد”

“زوجة شهيد”

“زوجة شهيد” منذ أن وضعتُ قدمي في أول دائرة حكومية، بدأتُ أفهم أن الحكاية لم…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
5 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


مقبرة بلا شواهد

بقلم: أبو الحسنين الدعساوي | التاريخ: 12 مايو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

مقبرة بلا شواهد

لم تكن مجرد ليلة ظلماء، بل كانت انكساراً أبدياً لروح مدينتي. إذ اجتاحتها الملابس السوداء التي بدت وكأنها خِيطت من سواد قلوبهم. في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن السماء انقبضت حزناً على ما سيحدث؛ فقد هجموا كوحوشٍ متعطشة للدماء، أطفأوا شمعة بيوتنا، وقتلوا فينا الطمأنينة قبل أن يقتلوا الأجساد.
تحت ضغط غريزة البقاء، وجدتُ نفسي في خضم زحامٍ مرعب. هربتُ مع من هرب من أهل مدينتي، نركض نحو حضن الصحراء القاسي لعلنا ننجو من موتٍ غطت رائحته أزقة المدينة. وتحت جنح الليل، وفي قلب الفراغ الشاسع، لم نكن نعلم أن الموت لا يكتفي بما أخذ؛ فقد نصب لنا كميناً غادراً وسط الرمال.
كانت حبيبة عمري وزوجتي تتشبث بيدي بكل قوتها، وكأن كفي هي خيطها الأخير في هذه الحياة. وسط أنفاسنا المتهدجة، توقفنا لثانيةٍ خلف كثيب رملي، نظرت إليّ بعينين تملؤهما الدموع والرجاء، وهمست بصوتٍ يرتجف:
– عدني ألا تفلت يدي.. إذا بقينا معاً، فسننجو، وإن هلكنا.. فليكن معاً.
​شددتُ على كفها الباردة، وأجبتها بقلبٍ يتمزق:
– أنتِ روحي، وكيف للمرء أن يفلت روحه؟ سنعبر هذا الجحيم، وسأبني لكِ في الغدِ وطناً لا يصله السواد.
لكن القدر كان قد كتب سطراً آخر. فجأة، انشق صمت الصحراء عن صرخة الرصاص التي انهالت علينا كالمطر. ساد الضياع، واختلط عويل الريح بصرخات الرعب. في لحظة التدافع الكبرى، وحين كانت الأجساد ترتطم ببعضها بحثاً عن مخرج، شعرتُ بالخزي الأكبر في حياتي.. شعرتُ بيدها تنزلق من يدي. صرختُ باسمها حتى تمزقت حنجرتي:
– سُعاد… سُعاد.
حاولتُ الالتفاف، والعودة عكس تيار البشر المذعورين، لكن الزحام كان يدفعني بقوةٍ نحو المجهول، كأن الأرض تريد إبعادي عن قطعةٍ من قلبي.
ركضتُ وحيداً، لا أعرف إلى أين، حتى ركنتُ إلى صخرةٍ صماء. وضعتُ يدي على صدري لكي أخفض دقات قلبي التي كادت أن تفضح مكاني، وهناك، تذكرتُ كل شيء:
– أين الأهل؟ أين الجيران؟ وأين تلك اليد التي وعدتُ ألا أفلتها؟
​أدركتُ في تلك الخلوة المرة أن نهايتهم جميعاً كانت هنا، في صحراء لا تعرف القبور، ولا تذكر الأسماء. صارت الصحراء اليوم مقبرةً شاسعة لكل من أحببت، وأصبحتُ أنا الناجي بجسده، لكنني في الحقيقة الميت الذي نُزع منه كل شيء.
لعل القدر أراد لي أن أكون الشاهد الوحيد على تلك الليلة، لأحمل وجع أولئك الذين لم يجدوا من يبكيهم.
أنا اليوم، أمشي وحيداً، وبداخلي مدينة كاملة مدفونة تحت الرمال، أحمل عهد اليد التي أفلتت، وأعيش بقايا حياةٍ ضاعت في ليلةٍ لم تشرق شمسها بعد.