الِعجيباوچي …. ترنيمة التيه في فلك الفضول؛ حين يُؤثّث الجهل في غفلة مسرح الخلود
في أزقة الفن الملتوية كخيوط العنكبوت، ينبثق كائن (الِعجيباوچي)؛ ذلك السيميائيّ الأخرق الذي يسكب مصل اللبن فوق نبيذ (التمر هندي) على مرأى من الخشبة المذهولة، ثم ينحني بوقار واثق مُدعيا أنه قد فكّ شفرة ما بعد الحداثة! إنه ليس مجرد اسم، بل صرخة نقد بليغة تفضح عتمة تنمو خلف الستائر، حيث ينسلخ المسرح من جلد الجمال ليرتدي سُمال الفوضى؛ في عرض يقوده رهط من الدراويش الهواة، يقتفون أثر ربّان لا يملك في جعبته من نواميس الجمال إلا بوصلة حماسته العمياء التي تقود الجميع، بكل شاعرية، نحو الهاوية.
إن الخديعة الكبرى في طقس (الِعجيباوچي) تكمن في كونه لا يبيع فنّا، بل يوزّع صكوك غفران اجتماعية تحت أضواء المسرح؛ فالفن هنا (يُسحل) من عليائه ليُعاد صهره في مرجل الكرنفالات الفوضوية، حيث النّجاح ليس قدرا تُرصّعه جودة النص أو براعة الإخراج أو سحر الأداء أو روعة التقنيات، بل هو وليمة محسومة النتائج سلفا، هناك وخلف كواليس العاطفة، تنهض أشباح ثقافة (آني وابن عمي على الغريب)؛ فيتحوّل المتلقي، بفعل صلة الدّم أو عدوى الصّداقة أو تصدّق المشاعر الذي يستدر دموع المجاملة رأفة بيتم الأدوات الجمالية، إلى خندق حصين وسدّ منيع يمنع رصاص النقد من اختراق جدار الهواية، فوق تلك الخشبة، تُغسل الخطايا الجمالية بماء النوايا الحسنة، وتُتوّج الإخفاقات بوصفها طاقة إنسانية لا تقبل المساس، ليُذبح المعيار الجماليّ على مذبح (الفزعة) والتعاضد، ويغدو التغاضي عن العور الفنيّ فريضة مُقدّسة وطقسا لا يتمّ العرض إلا به، فتتبدّى هذه الظاهرة في تقاطع الطموح المشروع مع خلل الأدوات حيث يندفع الحب بشغف أرعن ليعتلي صهوة الاحتراف قبل أن يكتمل نضجه، فتقوم الرغبة المشتعلة باغتيال صرامة البناء الدرامي بدم بارد، نحن هنا لسنا بصدد عرض فني، بل في حضرة (حضانة العبث) التي أضلّت السبيل، حيث يُحبس المتلقي بين قضبان جدران مُغلقة، يتخبط في متاهات حركية سريالية لا رأس لها يُدرك ولا ذيل يُمسك، فلا المعنى يستقرّ على قرار، ولا الجمال يُفصح عن وجهه في زحام العبث، إن الإيقاع هنا لا يتنفس من رئة الهندسة الدرامية الواعية، بل من رئة اللهث خلف الوصول السريع لقلوب النظّارة، حتى لو سقطت الوسيلة في بئر الركاكة، إنها مأساة التيه في فلك الفضول، حيث يُعاد صياغة المسرح وفق شريعة الـ(أنا) الطامحة، لا منطق القدرة الفنية، ليُصبح العرض مُجرد مرآة مشروخة تعكس أوهام صانعيه.
إن خطورة الظاهرة تكمن في تحول هذه الهشاشة العابرة إلى حجر زاوية في صرح مائل، صرح يُعلي من شأن العشوائية حتى تكتسي الرؤية بضبابية رمادية، تتأرجح يائسة بين حُلم لم يكتمل وسراب كمال لن يأتي، إن ترياق هذا الداء يكمن في بتر الحبل السرّيّ بين الحفاوة القبلية والاستحقاق الفني، وتحطيم حصون (الفزعة) العائلية؛ ليعلم ذلك الهاوي أن قصائد المديح المسمومة ليست سوى نصال تغتال موهبته في مهدها، وأن النقدَ الخارجي، ذلك الغريب القاسي غير المرغوب به، هو المخلَص الوحيد من غياهب التيه الفني، لا مناص من النزوح من خيام الرغبة الجدباء إلى مدائن المعرفة المُسيّجة بصرامة الأدوات، فالحماس المهتاج لا يصنع ربيعا في غياب العقل الجمالي، لابد من العودة إلى صراط التدرّج المستقيم؛ لئلا تصبح عتبة البدايات سجنا مؤبّدا يحرمنا من بلوغ الغايات، فنعود أخيرا إلى رحاب الدرس والدهشة معا، فلا بوارق لدهشة حقيقية ما لم تكن مصبوبة في قوالب المعرفة الرصينة، والحذر الحذر ففي غفلة من زمن الوعي، قد يستوي (الِعجيباوچي) على عرش المشهد، ليسنّ شريعة جديدة تُطابق بين هذيانه النظري وعبثه العملي؛ حيث يُنحر الفن قربانا للنية الحسنة، ويُنفى الاحتراف لصالح رغبة عارية من الكفاءة، حينها سيمضي بكل زهو ليُؤثّث مسرح الخلود بديكورات من ورق مزيّف، دافعا بالحشود نحو غياهب التيه الأبدي، ليظلوا يدورون كدراويش مسحورين في فلك الفضول، يقرعون طبول التصفيق للهذيان بمرارة تقطر يأسا؛ لا لشيء إلا لأن صلة الرّحم فوق صرامة الجماليات، ولأنهم ليسوا سوى (أولاد عم).
الِعجيباوچي …. ترنيمة التيه في فلك الفضول؛ حين يُؤثّث الجهل في غفلة مسرح الخلود
الِعجيباوچي …. ترنيمة التيه في فلك الفضول؛ حين يُؤثّث الجهل في غفلة مسرح الخلود
في أزقة الفن الملتوية كخيوط العنكبوت، ينبثق كائن (الِعجيباوچي)؛ ذلك السيميائيّ الأخرق الذي يسكب مصل اللبن فوق نبيذ (التمر هندي) على مرأى من الخشبة المذهولة، ثم ينحني بوقار واثق مُدعيا أنه قد فكّ شفرة ما بعد الحداثة! إنه ليس مجرد اسم، بل صرخة نقد بليغة تفضح عتمة تنمو خلف الستائر، حيث ينسلخ المسرح من جلد الجمال ليرتدي سُمال الفوضى؛ في عرض يقوده رهط من الدراويش الهواة، يقتفون أثر ربّان لا يملك في جعبته من نواميس الجمال إلا بوصلة حماسته العمياء التي تقود الجميع، بكل شاعرية، نحو الهاوية.
إن الخديعة الكبرى في طقس (الِعجيباوچي) تكمن في كونه لا يبيع فنّا، بل يوزّع صكوك غفران اجتماعية تحت أضواء المسرح؛ فالفن هنا (يُسحل) من عليائه ليُعاد صهره في مرجل الكرنفالات الفوضوية، حيث النّجاح ليس قدرا تُرصّعه جودة النص أو براعة الإخراج أو سحر الأداء أو روعة التقنيات، بل هو وليمة محسومة النتائج سلفا، هناك وخلف كواليس العاطفة، تنهض أشباح ثقافة (آني وابن عمي على الغريب)؛ فيتحوّل المتلقي، بفعل صلة الدّم أو عدوى الصّداقة أو تصدّق المشاعر الذي يستدر دموع المجاملة رأفة بيتم الأدوات الجمالية، إلى خندق حصين وسدّ منيع يمنع رصاص النقد من اختراق جدار الهواية، فوق تلك الخشبة، تُغسل الخطايا الجمالية بماء النوايا الحسنة، وتُتوّج الإخفاقات بوصفها طاقة إنسانية لا تقبل المساس، ليُذبح المعيار الجماليّ على مذبح (الفزعة) والتعاضد، ويغدو التغاضي عن العور الفنيّ فريضة مُقدّسة وطقسا لا يتمّ العرض إلا به، فتتبدّى هذه الظاهرة في تقاطع الطموح المشروع مع خلل الأدوات حيث يندفع الحب بشغف أرعن ليعتلي صهوة الاحتراف قبل أن يكتمل نضجه، فتقوم الرغبة المشتعلة باغتيال صرامة البناء الدرامي بدم بارد، نحن هنا لسنا بصدد عرض فني، بل في حضرة (حضانة العبث) التي أضلّت السبيل، حيث يُحبس المتلقي بين قضبان جدران مُغلقة، يتخبط في متاهات حركية سريالية لا رأس لها يُدرك ولا ذيل يُمسك، فلا المعنى يستقرّ على قرار، ولا الجمال يُفصح عن وجهه في زحام العبث، إن الإيقاع هنا لا يتنفس من رئة الهندسة الدرامية الواعية، بل من رئة اللهث خلف الوصول السريع لقلوب النظّارة، حتى لو سقطت الوسيلة في بئر الركاكة، إنها مأساة التيه في فلك الفضول، حيث يُعاد صياغة المسرح وفق شريعة الـ(أنا) الطامحة، لا منطق القدرة الفنية، ليُصبح العرض مُجرد مرآة مشروخة تعكس أوهام صانعيه.
إن خطورة الظاهرة تكمن في تحول هذه الهشاشة العابرة إلى حجر زاوية في صرح مائل، صرح يُعلي من شأن العشوائية حتى تكتسي الرؤية بضبابية رمادية، تتأرجح يائسة بين حُلم لم يكتمل وسراب كمال لن يأتي، إن ترياق هذا الداء يكمن في بتر الحبل السرّيّ بين الحفاوة القبلية والاستحقاق الفني، وتحطيم حصون (الفزعة) العائلية؛ ليعلم ذلك الهاوي أن قصائد المديح المسمومة ليست سوى نصال تغتال موهبته في مهدها، وأن النقدَ الخارجي، ذلك الغريب القاسي غير المرغوب به، هو المخلَص الوحيد من غياهب التيه الفني، لا مناص من النزوح من خيام الرغبة الجدباء إلى مدائن المعرفة المُسيّجة بصرامة الأدوات، فالحماس المهتاج لا يصنع ربيعا في غياب العقل الجمالي، لابد من العودة إلى صراط التدرّج المستقيم؛ لئلا تصبح عتبة البدايات سجنا مؤبّدا يحرمنا من بلوغ الغايات، فنعود أخيرا إلى رحاب الدرس والدهشة معا، فلا بوارق لدهشة حقيقية ما لم تكن مصبوبة في قوالب المعرفة الرصينة، والحذر الحذر ففي غفلة من زمن الوعي، قد يستوي (الِعجيباوچي) على عرش المشهد، ليسنّ شريعة جديدة تُطابق بين هذيانه النظري وعبثه العملي؛ حيث يُنحر الفن قربانا للنية الحسنة، ويُنفى الاحتراف لصالح رغبة عارية من الكفاءة، حينها سيمضي بكل زهو ليُؤثّث مسرح الخلود بديكورات من ورق مزيّف، دافعا بالحشود نحو غياهب التيه الأبدي، ليظلوا يدورون كدراويش مسحورين في فلك الفضول، يقرعون طبول التصفيق للهذيان بمرارة تقطر يأسا؛ لا لشيء إلا لأن صلة الرّحم فوق صرامة الجماليات، ولأنهم ليسوا سوى (أولاد عم).
التعليقات