الرقم دالاً في رواية “يا حادي العيس”

صورة الكاتب
بقلم: عدنان الفضلي
التاريخ: 26 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2419
الرقم دالاً في رواية “يا حادي العيس”

الرقم دالاً في رواية “يا حادي العيس”

 

قبل الدخول في تفاصيل روايته (يا حادي العيس) لابد من الإقرار بأن  الروائي(سعد سعيد) يمتلك منظومة بث مختلفة جداً عن مجايليه من الروائيين، فهو يشتغل وفق رؤى خالية من الإنثيال العاطفي، وبعيدة كل البعد عن السرد المباشر، فضلاً عن إمتلاكه لغة عالية مكثفة، تستفيض أحياناً حين تستدعي الضرورة السردية أن يكون الحديث مباشرة ، ولذلك جاءت هذه الرواية مزدانة باسلوبها الفخم الرائع، الذى جمع بين رؤية الراوي الصحيحة للأشياء وفصاحته، إضافة الى كون الروائي أدخل في متن رواياته الكثير من التسميات والإصطلاحات الغربية والغريبة التي بقيت مقبولة لدى المتلقي الواعي.

أترك الراوي وأعود الى الرواية “ياحادي العيس” الصادرة عن دار فضاءات – عمان والتي حين تباشر بقراءتها، تظن أنك أمام رواية من الخيال العلمي، حيث يذهب بنا الراوي الى عالم مستقبلي، ويركبنا متن مركبة فضائية تغور ونحن برفقتها في عوالم لم نسمع بها أو نراها، عبر افتراضات ذكية يجبرنا الراوي على تقبل مضمونها، وفي لحظة ما يقطع علينا كل ذلك الشك ويضعنا قبالة يقين أننا نسير في فضاءات غير مكتشفة، أو ربما مكتشفة من قبل أناس يجيدون التوغل في عمق المستقبل.

سعد سعيد في هذه الرواية استعان بالتاريخ العراقي المعاصر كاملاً،ليقص علينا اسباب تناسل فصيلة ( عنترة) من الناس في مجتمع يعاني ضغوطا حضارية ونفسية، ويتركنا نعيش الافعال المتشابكة التي خلقت لنا الدكتاتوريات المتعاقبة،فهو وان كان يقرّ بأنه متهم ايضاً في قضية صناعة الدكتاتوريات حين رضخ مثل الباقين لتواجد هؤلاء ( العناترة ) .

والتاريخ الذي اقتحم متن الرواية ، او الذي تقصد الروائي ادخاله في هذا المتن المتسلسل تاريخياً احتوى تحولات سياسية كبيرة يشرحها عبر كتاب مبوب افترض الروائي ان بطله يقرأ فيه حيث يقول  «في المقطع الرابع عشر من الفصل السابع من الجزء الثامن والخمسين « ولنلاحظ تقسيم الارقام 4/7/958، وهنا اشارة واضحة رغم تشفيرها الى تاريخ الثورة التي قام بها الزعيم عبد الكريم قاسم على الملكية وإعلان الحكم الجمهوري،ثم يورد «المقطع الثامن من الفصل الثاني من الجزء الثالث والستين  «8/2/963 والاشارة هنا الى تاريخ الانقلاب الاسود الذي قام به عبد السلام محمد عارف على الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم، ثم  «المقطع السابع عشر من الفصل السابع من الجزء الثامن والستين «7/7/968 وهو تاريخ انقلاب البعثيين بقيادة أحمد حسن البكر على عبد الرحمن عارف ومن ثم « المقطع السادس عشر من الفصل السابع من الجزء التاسع والسبعين «6/ 7/979 1 تاريخ استلام الدكتاتور الاكبر صدام حسين للسلطة كرئيس للجمهورية, بعد أن تنازل  أحمد حسن البكر في ظروف غامضة. ثم يأتي « المقطع الثاني والعشرين من الفصل التاسع من الجزء الثمانين «22/9/980 تاريخ الحرب العراقية الايرانية. ثم «  المقطع الثاني من الفصل الثامن من الجزء التسعين»  2/ 8/990 وهو تاريخ غزو العراق لدولة الكويت من قبل صدام  ثم « المقطع التاسع من الفصل الرابع من الجزء الثالث من الملحق « 9/ 4 / 2003  تاريخ احتلال العراق من قبل امريكا.

هذه التأرخة الروائية لم تأت من فراغ ، بل كانت محور الاشتغال الاساس للرواية والدال الحقيقي لثيمة ذلك الاشتغال، فالراوي يشخص عبر هذه التأرخة مدى تأثر الواقع العراقي بالاحداث السياسية التي لم تجلب معها سوى الوجع المتسرمد للشعب العراقي ، فالراوي هنا يريق الضوء على امتداداتها كون الحالة الشعورية التي يحسها تعبّر عن طبيعة الرحلة القصيرة مع الزمن والتي صارت صراعا مستمرا ضد الزمن نفسه والذي يسعى الكاتب لايقاف تياره الجارف من خلال تكثيف لحظاته واسترجاعها في شكل استيقافات ومحاكمات بطلها الشيخ ( ابراهيم السرمد ) وهو رمز عراقي مفترض من قبل الروائي ليكون المتحدث باسم الاصالة العراقية. .

يؤكد(شتراوس)أن الفكر الإنساني مبني على أساس التفاعل المتعارض وإيجاد تصالح بين المتعارضين، وقريباً من هذا التفاعل تواجد الراوي ليفتعل لنا حوارات متعددة بين ابطال الرواية، ومنهم « مازن المازني ، سلام المرهون ، بهلول المدلول، كريم التقي «وقد وفق الروائي في بناء حوار مكتمل من حيث جمع المتعارضين فيما بينهم للوصول الى حقيقة النسيج العراق ومشتركات التفكير ، وايضاً اختلافاتها ، عبر مفردة متفردة صيغت بها الحوارات  ، ويعتقد الجميع ان مهمة الكاتب، تتمثل في اختيار الكلمات التي تصلح لأن تكون إشارات ورموز مناسبة للتجربة التي يريد الكاتب نقلها للقراء دون ان يكون حاضراً ، لان المطلوب من الراوي  أن يختفي وراء عمله وأن يترك المجال فسيحا لحركة الأشخاص بحرية ضمن علاقات تربطها الأفعال في حركة نامية وزمن متحرك ، لا تخرج  من دائرة اهتمام المؤلف وان كان يغفلها بمواقف سردية ومشهدية قليلة تكسر من حدة اللغة الوصفية السائدة فى الرواية، والتي لا تخرج عن شروح عديدة لبعض المصطلحات الأربعة، لكن بنسب متباينة بين فصولها، فكثيرا ما تطغى اللغة الوصفية على الشخصية المحورية فيضيع القارئ،أو يشرح المؤلف وجهة نظره فتضيع اللغة، وهكذا كان لابد على المؤلف أن يوازن بين تلك المصطلحات،كي يبقى النص قيد القراءة،ويحافظ على المتلقي وعلى حساب ما يطرحه من ثقافات أو أطروحات قانونية ، لاتهم المتلقي قدر ما يهمه متعة الغوص فى الحدث.

هناك حدود صارمة للتدخل بين الوصف والسرد فى الرواية،الوصف يناقض السرد والسرد يتعارض ، حتما ، مع الوصف ، الوصف يبطئ حركة المسار السردي ،  ولكنه لازمة للسرد واضاءة الصورة وفك طلاسمها أو زيادتها غموضا .

اذن نحن قبالة رواية..ان جمعت خصائص السرد فيها ، ستحيلك وبلا تردد الى مساحات المتعة ، وتمنحك نشوة تلقي لنص يدين كل اشكال الظلام ، ويتذمر ممن اسهموا بايذاء اوطانهم وشعوبهم ، ومزقوا نسيج المجتمعات عبر طروحات ايدولوجية خالية من الانسانية ، كما هو الحال مع العهد البعثي الدكتاتوري الذي تمحورت اغلب فصول الرواية حوله.

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان الفضلي
عدنان الفضلي
صحفي وشاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“عن ليل البنفسج”

“عن ليل البنفسج”

عن ليل البنفسج   بعض الزهور .. عطرها .. يسحبك الى عوالم التيه لكن عطر…

صورة الكاتب عدنان الفضلي
16 مايو 2026
اقرأ المزيد
“فيما لو حدث ذلك”

“فيما لو حدث ذلك”

فيما لو حدث ذلك   حينَ يحدثُ ذلك .. تأكدوا أن ترصدوا مظلّتي التي عادتْ…

صورة الكاتب عدنان الفضلي
28 أبريل 2026
اقرأ المزيد
“الضجيج الذي كان شاسعاً”

“الضجيج الذي كان شاسعاً”

الضجيج الذي كان شاسعاً   ململماً ما تبقى من الأسف ومتدثراً برائحة أنثى لم أصادفها…

صورة الكاتب عدنان الفضلي
22 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الرقم دالاً في رواية “يا حادي العيس”

بقلم: عدنان الفضلي | التاريخ: 26 مايو 2026

التصنيف: الأدب

الرقم دالاً في رواية “يا حادي العيس”

 

قبل الدخول في تفاصيل روايته (يا حادي العيس) لابد من الإقرار بأن  الروائي(سعد سعيد) يمتلك منظومة بث مختلفة جداً عن مجايليه من الروائيين، فهو يشتغل وفق رؤى خالية من الإنثيال العاطفي، وبعيدة كل البعد عن السرد المباشر، فضلاً عن إمتلاكه لغة عالية مكثفة، تستفيض أحياناً حين تستدعي الضرورة السردية أن يكون الحديث مباشرة ، ولذلك جاءت هذه الرواية مزدانة باسلوبها الفخم الرائع، الذى جمع بين رؤية الراوي الصحيحة للأشياء وفصاحته، إضافة الى كون الروائي أدخل في متن رواياته الكثير من التسميات والإصطلاحات الغربية والغريبة التي بقيت مقبولة لدى المتلقي الواعي.

أترك الراوي وأعود الى الرواية “ياحادي العيس” الصادرة عن دار فضاءات – عمان والتي حين تباشر بقراءتها، تظن أنك أمام رواية من الخيال العلمي، حيث يذهب بنا الراوي الى عالم مستقبلي، ويركبنا متن مركبة فضائية تغور ونحن برفقتها في عوالم لم نسمع بها أو نراها، عبر افتراضات ذكية يجبرنا الراوي على تقبل مضمونها، وفي لحظة ما يقطع علينا كل ذلك الشك ويضعنا قبالة يقين أننا نسير في فضاءات غير مكتشفة، أو ربما مكتشفة من قبل أناس يجيدون التوغل في عمق المستقبل.

سعد سعيد في هذه الرواية استعان بالتاريخ العراقي المعاصر كاملاً،ليقص علينا اسباب تناسل فصيلة ( عنترة) من الناس في مجتمع يعاني ضغوطا حضارية ونفسية، ويتركنا نعيش الافعال المتشابكة التي خلقت لنا الدكتاتوريات المتعاقبة،فهو وان كان يقرّ بأنه متهم ايضاً في قضية صناعة الدكتاتوريات حين رضخ مثل الباقين لتواجد هؤلاء ( العناترة ) .

والتاريخ الذي اقتحم متن الرواية ، او الذي تقصد الروائي ادخاله في هذا المتن المتسلسل تاريخياً احتوى تحولات سياسية كبيرة يشرحها عبر كتاب مبوب افترض الروائي ان بطله يقرأ فيه حيث يقول  «في المقطع الرابع عشر من الفصل السابع من الجزء الثامن والخمسين « ولنلاحظ تقسيم الارقام 4/7/958، وهنا اشارة واضحة رغم تشفيرها الى تاريخ الثورة التي قام بها الزعيم عبد الكريم قاسم على الملكية وإعلان الحكم الجمهوري،ثم يورد «المقطع الثامن من الفصل الثاني من الجزء الثالث والستين  «8/2/963 والاشارة هنا الى تاريخ الانقلاب الاسود الذي قام به عبد السلام محمد عارف على الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم، ثم  «المقطع السابع عشر من الفصل السابع من الجزء الثامن والستين «7/7/968 وهو تاريخ انقلاب البعثيين بقيادة أحمد حسن البكر على عبد الرحمن عارف ومن ثم « المقطع السادس عشر من الفصل السابع من الجزء التاسع والسبعين «6/ 7/979 1 تاريخ استلام الدكتاتور الاكبر صدام حسين للسلطة كرئيس للجمهورية, بعد أن تنازل  أحمد حسن البكر في ظروف غامضة. ثم يأتي « المقطع الثاني والعشرين من الفصل التاسع من الجزء الثمانين «22/9/980 تاريخ الحرب العراقية الايرانية. ثم «  المقطع الثاني من الفصل الثامن من الجزء التسعين»  2/ 8/990 وهو تاريخ غزو العراق لدولة الكويت من قبل صدام  ثم « المقطع التاسع من الفصل الرابع من الجزء الثالث من الملحق « 9/ 4 / 2003  تاريخ احتلال العراق من قبل امريكا.

هذه التأرخة الروائية لم تأت من فراغ ، بل كانت محور الاشتغال الاساس للرواية والدال الحقيقي لثيمة ذلك الاشتغال، فالراوي يشخص عبر هذه التأرخة مدى تأثر الواقع العراقي بالاحداث السياسية التي لم تجلب معها سوى الوجع المتسرمد للشعب العراقي ، فالراوي هنا يريق الضوء على امتداداتها كون الحالة الشعورية التي يحسها تعبّر عن طبيعة الرحلة القصيرة مع الزمن والتي صارت صراعا مستمرا ضد الزمن نفسه والذي يسعى الكاتب لايقاف تياره الجارف من خلال تكثيف لحظاته واسترجاعها في شكل استيقافات ومحاكمات بطلها الشيخ ( ابراهيم السرمد ) وهو رمز عراقي مفترض من قبل الروائي ليكون المتحدث باسم الاصالة العراقية. .

يؤكد(شتراوس)أن الفكر الإنساني مبني على أساس التفاعل المتعارض وإيجاد تصالح بين المتعارضين، وقريباً من هذا التفاعل تواجد الراوي ليفتعل لنا حوارات متعددة بين ابطال الرواية، ومنهم « مازن المازني ، سلام المرهون ، بهلول المدلول، كريم التقي «وقد وفق الروائي في بناء حوار مكتمل من حيث جمع المتعارضين فيما بينهم للوصول الى حقيقة النسيج العراق ومشتركات التفكير ، وايضاً اختلافاتها ، عبر مفردة متفردة صيغت بها الحوارات  ، ويعتقد الجميع ان مهمة الكاتب، تتمثل في اختيار الكلمات التي تصلح لأن تكون إشارات ورموز مناسبة للتجربة التي يريد الكاتب نقلها للقراء دون ان يكون حاضراً ، لان المطلوب من الراوي  أن يختفي وراء عمله وأن يترك المجال فسيحا لحركة الأشخاص بحرية ضمن علاقات تربطها الأفعال في حركة نامية وزمن متحرك ، لا تخرج  من دائرة اهتمام المؤلف وان كان يغفلها بمواقف سردية ومشهدية قليلة تكسر من حدة اللغة الوصفية السائدة فى الرواية، والتي لا تخرج عن شروح عديدة لبعض المصطلحات الأربعة، لكن بنسب متباينة بين فصولها، فكثيرا ما تطغى اللغة الوصفية على الشخصية المحورية فيضيع القارئ،أو يشرح المؤلف وجهة نظره فتضيع اللغة، وهكذا كان لابد على المؤلف أن يوازن بين تلك المصطلحات،كي يبقى النص قيد القراءة،ويحافظ على المتلقي وعلى حساب ما يطرحه من ثقافات أو أطروحات قانونية ، لاتهم المتلقي قدر ما يهمه متعة الغوص فى الحدث.

هناك حدود صارمة للتدخل بين الوصف والسرد فى الرواية،الوصف يناقض السرد والسرد يتعارض ، حتما ، مع الوصف ، الوصف يبطئ حركة المسار السردي ،  ولكنه لازمة للسرد واضاءة الصورة وفك طلاسمها أو زيادتها غموضا .

اذن نحن قبالة رواية..ان جمعت خصائص السرد فيها ، ستحيلك وبلا تردد الى مساحات المتعة ، وتمنحك نشوة تلقي لنص يدين كل اشكال الظلام ، ويتذمر ممن اسهموا بايذاء اوطانهم وشعوبهم ، ومزقوا نسيج المجتمعات عبر طروحات ايدولوجية خالية من الانسانية ، كما هو الحال مع العهد البعثي الدكتاتوري الذي تمحورت اغلب فصول الرواية حوله.