بابان في جسد القصيدة
تأملات في نص “يأتي من باب القصيدة”
للشاعرة زكية المرموق
الهاتف ليس بوابة.. إنه حائط
نبدأ من الهاتف، لا بوصفه وسيلة اتصال كما اعتدنا، بل بوصفه شيئاً يضعنا باستمرار عند حافة الحضور. في قصيدة زكية المرموق، لا يبدو الهاتف باباً إلى الآخر بقدر ما يبدو مساحةً تتداخل فيها الأصوات مع صمتها، والصور مع غيابها. كأن الوسيط نفسه لا ينجح في نقلنا إلى الخارج، بل يعيدنا إلى الداخل بصورة أكثر حدة. حين تقول الشاعرة: أتأمل، أعيد، أنطق، فنحن لا نكون أمام حركة متجهة نحو تحقق، بل أمام فعل دائري يعيد الذات إلى موضعها الأول في كل مرة. لا يتقدم الفعل بقدر ما يدور حول مركزه الخاص. وهنا تحديداً يبدأ الإحساس بأن الهاتف لا يفتح نافذة، بل يضع جداراً شفافاً بين الجسد وما يتخيله من حضور. في هذا المستوى، لا يعود الغائب غياباً بسيطاً. إنه يتحول إلى كثافة غير مرئية تملأ المكان دون أن تُرى مباشرة. الغياب مادة صلبة، قابلة للتمدد.
تضخم الأشياء في غرفة الانتظار
كلما تقدمت القصيدة، يتغير مقياس الأشياء من حول الذات. “كل شيءٍ يكبرُ”: الليل يكبر، الجدران تكبر، الوساوس والبرد والسرير أيضاً. لا يبدو هذا التضخم وصفاً خارجياً للعالم، بل تحولاً في طريقة إدراكه. العالم لا يتمدد فعلياً، بل يتغير وزنه داخل الوعي. في المقابل، تتقلص الذات نفسها تدريجياً، وكأنها تفقد شيئاً من حجمها لصالح ما حولها. هذا التبادل غير المتوازن بين الداخل والخارج هو ما يصنع توتر المشهد. وحين نصل إلى صورة الرأس الذي يتحول إلى عقارب ساعة “حتى يتحول رأسي إلى عقارب”، ندخل منطقة أكثر تعقيداً. الزمن هنا لا يبقى خارج الجسد، بل يبدأ بالعمل داخله. العقارب ليست مجرد أدوات لقياس الوقت، بل تتحول إلى حركة مستمرة داخل الفكر نفسه، إلى إيقاع لا يمكن إيقافه بسهولة.
حين يصبح الهواء قابلاً للتجسيد
إشارة شوارب دالي ليست مجرد استعارة ثقافية، بل طريقة في التفكير بالزمن حين يفقد صلابته. الزمن هنا لا يُعرض كخط مستقيم، بل كشيء يمكن أن ينثني ويتدلى ويأخذ شكلاً غير مستقر. ومع ذلك، فإن ما يتدلى في المشهد ليس الزمن وحده، بل الإحساس بثقله أيضاً. الهواء الذي يشبه المشنقة ليس وصفاً بصرياً فقط، بل محاولة لتجسيد حالة نفسية يصبح فيها حتى الفراغ مشحوناً بالدلالة. وكأن الفراغ لم يعد فراغاً فعلياً، بل صار شكلاً من أشكال الامتلاء الثقيل.
اللغة المتحركة: حين لا تقف الكلمة في مكانها
في قصيدة المرموق، اللغة ليست ساكنة. إنها تتحرك. الأفعال المضارعة تجعل النص في حالة من الترقب الدائم. الكلمات لا تستقر، بل تهتز على حافة الحضور. ثم يأتي التحول الأكبر: “حتى يتحول رأسي إلى عقارب”. هنا، اللغة تتحول إلى شيء آخر. الجمادات تصير كائنات حية تلدغ. الأسماء تذوب في بعضها. الهواء يصبح مشنقة. الليل يصبح مربعاً. اللغة في هذه القصيدة أشبه بالماء: تأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه. أحياناً تكون سائلة (في المشاهد اليومية: الهاتف، الأريكة، النافذة). وأحياناً تتجمد (في شوارب دالي والمشنقة). وأحياناً تتبخر (في الفراغات بين الحروف). وهكذا تنجح الشاعرة في أن تجعل اللغة مرآة متحركة للانتظار: لا تحكي الألم فقط، بل تتشكل به وتتشكل منه.
الخارج الذي لا يخفف الداخل
عندما تُفتح النافذة، لا يحدث الانفراج الذي نتوقعه عادة. فالعالم الخارجي، كما يظهر في فاس وشتائها، لا يأتي كبديل عن الداخل، بل كامتداد له بطريقة مختلفة. القسوة هنا لا تأتي من الطبيعة وحدها، بل من طريقة الشعور بها. حتى التشبيه الذي يربط البرد “بامرأة لم تمسسها من قبلُ يدُ الحبِّ” يضعنا أمام فكرة الحرمان أكثر مما يضعنا أمام وصف الطقس. القسوة ليست صفة للعالم، بل نتيجة لغياب اللمسة. وحين تُستحضر صورة السماء وهي تغتسل، يبدو الأمر وكأن الطبيعة نفسها تحاول أن تتخلص من شيء لا تكتمل تسويته. المطر لا يمحو الأثر، بل يسلط الضوء عليه بطريقة أخرى، وكأن ما يُراد ستره يعود للظهور بشكل مختلف.
الليل بوصفه فضاءً مغلقاً
الليل في القصيدة لا يظهر كامتداد مفتوح، بل كمساحة محددة الملامح. حين تقول الشاعرة: “الليلُ مربعٌ صغير، لا أبواب له”، فإننا أمام تجربة شعورية أكثر من كوننا أمام وصف مكاني. ليس المهم هنا شكل الليل بقدر ما هو الإحساس بأن الداخل إليه لا يملك بسهولة طريقاً للخروج. وكأن الزمن نفسه أصبح له جدران.
العودة إلى الكتابة
العودة إلى الأريكة ليست عودة إلى الراحة، بل إلى شكل آخر من السكون. هناك شعور بأن الجسد لم يعد يملك خيارات كثيرة سوى الاستقرار في موضعه، حتى وإن كان هذا الموضع يحمل ثقلاً شبيهًا بالركود. أما حين تتحول الكلمات إلى مساحة خانقة، كما في قولها: “كأن الكلمات مقبرة أخرى لا تتسع لميت إضافي”، فنحن أمام فكرة تتعلق بالكتابة نفسها: الكتابة التي كانت مساحة للنجاة تصبح جزءاً من ثقل التجربة، لا مخرجاً منها بالكامل.
باب القصيدة
في النهاية، لا يعود السؤال متعلقاً بالغياب فقط، بل بطريقة ظهوره داخل النص نفسه. حين يُقال “لن تأتي أبدا من باب البيتِ / لكن تأتي دوما من باب القصيدة”، فإننا أمام تحول مهم في فهم العلاقة بين النص وموضوعه. كأن القصيدة لا تحكي عن الغياب، بل تعيد إنتاجه داخل بنيتها الخاصة. الغائب هنا لا يأتي من الخارج، بل من اللغة نفسها، من الطريقة التي تُبنى بها الجمل وتتشكل بها الصور.
الكلمة الأخيرة: هندسة الفراغ
ختمت الشاعرة قصيدتها بكلمة مفككة:
ال
ق
ص
ي
د
ة.
هذا التباعد ليس زخرفة، بل محاكاة بصرية للمسافة ذاتها. الغائب لا يدخل دفعة واحدة، بل حرفاً حرفاً. كل فراغ بين حرفين هو ثانية من أنفاسه وهو يقترب. الشاعرة هنا مهندسة فراغات: تعرف أن الحضور لا يكمن في الحرف المرسوم، بل في الفراغ الأبيض. جعلت من الكلمة باباً لا يُفتح إلا ببطء، كأنها تسمع خطواته تتباطأ قبل العتبة.
قراءة لا تُغلق أبوابها
ما تفعله قصيدة زكية المرموق لا يتوقف عند بناء صورة شعورية عن الانتظار، بل يمتد إلى تفكيك فكرة الحضور نفسها. الأشياء هنا (الهاتف، الأريكة، شوارب دالي) لا تظهر بوصفها عناصر ثابتة في المشهد، بل بوصفها أدوات قابلة للذوبان والتحول داخل التجربة. ولعل ما يميز هذا النص هو أنه لا يمنح قارئهُ يقيناً نهائياً، بل يتركه معلقاً في هواء الغرفة. لا تقدم الشاعرة نهاية مغلقة، بل تتركنا أمام حيرة مكانية وزمانية؛ فلا نحن قادرون على العبور من الشاشة، ولا الموت قادر على إيقاف دقات العقارب في الرأس. وفي هذا المعنى، لا تكون القصيدة باباً واحداً، بل متاهة من الأبواب التي تتقاطع داخل جسد الانتظار.
سؤال أخير (قد لا يكون ثرثرة):
السؤال الذي تتركه القصيدة معلقاً في الهواء مثل مشنقة دالي: هل القصيدة باب لأن الغائب يأتي منها، أم أن الغائب هو الذي يخلق القصيدة كي يكون له باب؟
من يفتح الباب على من؟
من يكتب من؟
هذا السؤال لا جواب له. ولهذا هو السؤال الأجمل.
هذا يكفي.
النص
يأتي من باب القصيدة
أتأملُ صورتكَ على الفيسبوك
أعيدُ سماعَ صوتكَ
على الوتساب،
أنطقُ اسمك
بصوتٍ عالٍ
وأنتظر أن تقفز
من شاشة الهاتف
كي تبددَ وحشةَ الغرفةِ
وتُلبسها لوناً آخرَ
غير هذا الرمادي الكئيب.
في الصمتِ،
كلّ شيءٍ يكبرُ
الليلُ،
الجدران،
الوساوسُ،
السريرُ،
البردُ،
حتى ساعةُ الحائط
تكبرُ
تكبر
حتى يتحول رأسي إلى
عقاربَ،
عقارب
تدقُّ
تدقُّ
تدق،
كما يدقُّ الموتُ
على باب يحتضر.
لم يبقَ من الوقتِ
غير شوارب دالي،
حيث يتدلى الهواء
مثل مشنقة.
أتركُ الهاتف والأريكة
وأفتح النافذة،
شتاء فاس قاسٍ جداً
قاسٍ
مثل امرأة لم تمسسها من قبلُ
يدُ الحبِّ،
شتاء فاس قاسٍ جداً
قاسٍ
قاس
كأنَّ السماءَ تغتسلُ من جريمةٍ
لا تريد الاعتراف بها،
فبدت الأرصفة كأضلاعِ ميتٍ
تُرك خارج المقبرة.
الليلُ مربعٌ صغير،
لا أبواب له،
يمشي فيه المارةُ
مثل الأشباح،
أصواتهم خافتة
وكأنهم يتآمرون على سرقة الصباح
من البيوت.
أغلق النافذة بصمتٍ
أعودُ إلى الأريكةِ الباردة
مثلما تعود جثة
إلى قبرها،
وأغرق بين أوراقي
كأن الكلمات مقبرة أخرى
لاتتسع لميت إضافي.
أدركُ،
أدرك أنك لن تأتي
لن تأتي أبدا من باب
البيتِ
لكن تأتي دوما من باب
ال
ق
ص
ي
د
ة.
تأملات في نص “يأتي من باب القصيدة” للشاعرة زكية المرموق
بابان في جسد القصيدة
تأملات في نص “يأتي من باب القصيدة”
للشاعرة زكية المرموق
الهاتف ليس بوابة.. إنه حائط
نبدأ من الهاتف، لا بوصفه وسيلة اتصال كما اعتدنا، بل بوصفه شيئاً يضعنا باستمرار عند حافة الحضور. في قصيدة زكية المرموق، لا يبدو الهاتف باباً إلى الآخر بقدر ما يبدو مساحةً تتداخل فيها الأصوات مع صمتها، والصور مع غيابها. كأن الوسيط نفسه لا ينجح في نقلنا إلى الخارج، بل يعيدنا إلى الداخل بصورة أكثر حدة. حين تقول الشاعرة: أتأمل، أعيد، أنطق، فنحن لا نكون أمام حركة متجهة نحو تحقق، بل أمام فعل دائري يعيد الذات إلى موضعها الأول في كل مرة. لا يتقدم الفعل بقدر ما يدور حول مركزه الخاص. وهنا تحديداً يبدأ الإحساس بأن الهاتف لا يفتح نافذة، بل يضع جداراً شفافاً بين الجسد وما يتخيله من حضور. في هذا المستوى، لا يعود الغائب غياباً بسيطاً. إنه يتحول إلى كثافة غير مرئية تملأ المكان دون أن تُرى مباشرة. الغياب مادة صلبة، قابلة للتمدد.
تضخم الأشياء في غرفة الانتظار
كلما تقدمت القصيدة، يتغير مقياس الأشياء من حول الذات. “كل شيءٍ يكبرُ”: الليل يكبر، الجدران تكبر، الوساوس والبرد والسرير أيضاً. لا يبدو هذا التضخم وصفاً خارجياً للعالم، بل تحولاً في طريقة إدراكه. العالم لا يتمدد فعلياً، بل يتغير وزنه داخل الوعي. في المقابل، تتقلص الذات نفسها تدريجياً، وكأنها تفقد شيئاً من حجمها لصالح ما حولها. هذا التبادل غير المتوازن بين الداخل والخارج هو ما يصنع توتر المشهد. وحين نصل إلى صورة الرأس الذي يتحول إلى عقارب ساعة “حتى يتحول رأسي إلى عقارب”، ندخل منطقة أكثر تعقيداً. الزمن هنا لا يبقى خارج الجسد، بل يبدأ بالعمل داخله. العقارب ليست مجرد أدوات لقياس الوقت، بل تتحول إلى حركة مستمرة داخل الفكر نفسه، إلى إيقاع لا يمكن إيقافه بسهولة.
حين يصبح الهواء قابلاً للتجسيد
إشارة شوارب دالي ليست مجرد استعارة ثقافية، بل طريقة في التفكير بالزمن حين يفقد صلابته. الزمن هنا لا يُعرض كخط مستقيم، بل كشيء يمكن أن ينثني ويتدلى ويأخذ شكلاً غير مستقر. ومع ذلك، فإن ما يتدلى في المشهد ليس الزمن وحده، بل الإحساس بثقله أيضاً. الهواء الذي يشبه المشنقة ليس وصفاً بصرياً فقط، بل محاولة لتجسيد حالة نفسية يصبح فيها حتى الفراغ مشحوناً بالدلالة. وكأن الفراغ لم يعد فراغاً فعلياً، بل صار شكلاً من أشكال الامتلاء الثقيل.
اللغة المتحركة: حين لا تقف الكلمة في مكانها
في قصيدة المرموق، اللغة ليست ساكنة. إنها تتحرك. الأفعال المضارعة تجعل النص في حالة من الترقب الدائم. الكلمات لا تستقر، بل تهتز على حافة الحضور. ثم يأتي التحول الأكبر: “حتى يتحول رأسي إلى عقارب”. هنا، اللغة تتحول إلى شيء آخر. الجمادات تصير كائنات حية تلدغ. الأسماء تذوب في بعضها. الهواء يصبح مشنقة. الليل يصبح مربعاً. اللغة في هذه القصيدة أشبه بالماء: تأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه. أحياناً تكون سائلة (في المشاهد اليومية: الهاتف، الأريكة، النافذة). وأحياناً تتجمد (في شوارب دالي والمشنقة). وأحياناً تتبخر (في الفراغات بين الحروف). وهكذا تنجح الشاعرة في أن تجعل اللغة مرآة متحركة للانتظار: لا تحكي الألم فقط، بل تتشكل به وتتشكل منه.
الخارج الذي لا يخفف الداخل
عندما تُفتح النافذة، لا يحدث الانفراج الذي نتوقعه عادة. فالعالم الخارجي، كما يظهر في فاس وشتائها، لا يأتي كبديل عن الداخل، بل كامتداد له بطريقة مختلفة. القسوة هنا لا تأتي من الطبيعة وحدها، بل من طريقة الشعور بها. حتى التشبيه الذي يربط البرد “بامرأة لم تمسسها من قبلُ يدُ الحبِّ” يضعنا أمام فكرة الحرمان أكثر مما يضعنا أمام وصف الطقس. القسوة ليست صفة للعالم، بل نتيجة لغياب اللمسة. وحين تُستحضر صورة السماء وهي تغتسل، يبدو الأمر وكأن الطبيعة نفسها تحاول أن تتخلص من شيء لا تكتمل تسويته. المطر لا يمحو الأثر، بل يسلط الضوء عليه بطريقة أخرى، وكأن ما يُراد ستره يعود للظهور بشكل مختلف.
الليل بوصفه فضاءً مغلقاً
الليل في القصيدة لا يظهر كامتداد مفتوح، بل كمساحة محددة الملامح. حين تقول الشاعرة: “الليلُ مربعٌ صغير، لا أبواب له”، فإننا أمام تجربة شعورية أكثر من كوننا أمام وصف مكاني. ليس المهم هنا شكل الليل بقدر ما هو الإحساس بأن الداخل إليه لا يملك بسهولة طريقاً للخروج. وكأن الزمن نفسه أصبح له جدران.
العودة إلى الكتابة
العودة إلى الأريكة ليست عودة إلى الراحة، بل إلى شكل آخر من السكون. هناك شعور بأن الجسد لم يعد يملك خيارات كثيرة سوى الاستقرار في موضعه، حتى وإن كان هذا الموضع يحمل ثقلاً شبيهًا بالركود. أما حين تتحول الكلمات إلى مساحة خانقة، كما في قولها: “كأن الكلمات مقبرة أخرى لا تتسع لميت إضافي”، فنحن أمام فكرة تتعلق بالكتابة نفسها: الكتابة التي كانت مساحة للنجاة تصبح جزءاً من ثقل التجربة، لا مخرجاً منها بالكامل.
باب القصيدة
في النهاية، لا يعود السؤال متعلقاً بالغياب فقط، بل بطريقة ظهوره داخل النص نفسه. حين يُقال “لن تأتي أبدا من باب البيتِ / لكن تأتي دوما من باب القصيدة”، فإننا أمام تحول مهم في فهم العلاقة بين النص وموضوعه. كأن القصيدة لا تحكي عن الغياب، بل تعيد إنتاجه داخل بنيتها الخاصة. الغائب هنا لا يأتي من الخارج، بل من اللغة نفسها، من الطريقة التي تُبنى بها الجمل وتتشكل بها الصور.
الكلمة الأخيرة: هندسة الفراغ
ختمت الشاعرة قصيدتها بكلمة مفككة:
ال
ق
ص
ي
د
ة.
هذا التباعد ليس زخرفة، بل محاكاة بصرية للمسافة ذاتها. الغائب لا يدخل دفعة واحدة، بل حرفاً حرفاً. كل فراغ بين حرفين هو ثانية من أنفاسه وهو يقترب. الشاعرة هنا مهندسة فراغات: تعرف أن الحضور لا يكمن في الحرف المرسوم، بل في الفراغ الأبيض. جعلت من الكلمة باباً لا يُفتح إلا ببطء، كأنها تسمع خطواته تتباطأ قبل العتبة.
قراءة لا تُغلق أبوابها
ما تفعله قصيدة زكية المرموق لا يتوقف عند بناء صورة شعورية عن الانتظار، بل يمتد إلى تفكيك فكرة الحضور نفسها. الأشياء هنا (الهاتف، الأريكة، شوارب دالي) لا تظهر بوصفها عناصر ثابتة في المشهد، بل بوصفها أدوات قابلة للذوبان والتحول داخل التجربة. ولعل ما يميز هذا النص هو أنه لا يمنح قارئهُ يقيناً نهائياً، بل يتركه معلقاً في هواء الغرفة. لا تقدم الشاعرة نهاية مغلقة، بل تتركنا أمام حيرة مكانية وزمانية؛ فلا نحن قادرون على العبور من الشاشة، ولا الموت قادر على إيقاف دقات العقارب في الرأس. وفي هذا المعنى، لا تكون القصيدة باباً واحداً، بل متاهة من الأبواب التي تتقاطع داخل جسد الانتظار.
سؤال أخير (قد لا يكون ثرثرة):
السؤال الذي تتركه القصيدة معلقاً في الهواء مثل مشنقة دالي: هل القصيدة باب لأن الغائب يأتي منها، أم أن الغائب هو الذي يخلق القصيدة كي يكون له باب؟
من يفتح الباب على من؟
من يكتب من؟
هذا السؤال لا جواب له. ولهذا هو السؤال الأجمل.
هذا يكفي.
النص
يأتي من باب القصيدة
أتأملُ صورتكَ على الفيسبوك
أعيدُ سماعَ صوتكَ
على الوتساب،
أنطقُ اسمك
بصوتٍ عالٍ
وأنتظر أن تقفز
من شاشة الهاتف
كي تبددَ وحشةَ الغرفةِ
وتُلبسها لوناً آخرَ
غير هذا الرمادي الكئيب.
في الصمتِ،
كلّ شيءٍ يكبرُ
الليلُ،
الجدران،
الوساوسُ،
السريرُ،
البردُ،
حتى ساعةُ الحائط
تكبرُ
تكبر
حتى يتحول رأسي إلى
عقاربَ،
عقارب
تدقُّ
تدقُّ
تدق،
كما يدقُّ الموتُ
على باب يحتضر.
لم يبقَ من الوقتِ
غير شوارب دالي،
حيث يتدلى الهواء
مثل مشنقة.
أتركُ الهاتف والأريكة
وأفتح النافذة،
شتاء فاس قاسٍ جداً
قاسٍ
مثل امرأة لم تمسسها من قبلُ
يدُ الحبِّ،
شتاء فاس قاسٍ جداً
قاسٍ
قاس
كأنَّ السماءَ تغتسلُ من جريمةٍ
لا تريد الاعتراف بها،
فبدت الأرصفة كأضلاعِ ميتٍ
تُرك خارج المقبرة.
الليلُ مربعٌ صغير،
لا أبواب له،
يمشي فيه المارةُ
مثل الأشباح،
أصواتهم خافتة
وكأنهم يتآمرون على سرقة الصباح
من البيوت.
أغلق النافذة بصمتٍ
أعودُ إلى الأريكةِ الباردة
مثلما تعود جثة
إلى قبرها،
وأغرق بين أوراقي
كأن الكلمات مقبرة أخرى
لاتتسع لميت إضافي.
أدركُ،
أدرك أنك لن تأتي
لن تأتي أبدا من باب
البيتِ
لكن تأتي دوما من باب
ال
ق
ص
ي
د
ة.
التعليقات