بلاغة الوجع وأفق الرؤيا/ قراءة في ديوان (حجارة معلّقة برمشي)
في ديوانه (حجارة معلّقة برمشي) للشاعر محمد الموسوي لا يقدم لنا الشاعر قصائد بوصفها نصوصاً مستقلة بقدر ما يقدم سيرة روحية مكتوبة بالوجع.
فمن العنوان نفسه تتأسس المفارقة الكبرى التي تحكم التجربة كلها فالحجر رمز الثقل والقسوة بينما الرمش رمز الرهافة والهشاشة وكأن الشاعر يريد أن يقول:
إن الإنسان المعاصر صار يحمل أثقال العالم كلّه فوق أكثر المواضع هشاشة.
ومن هذه المفارقة تبدأ الرحلة الشعرية التي تمتد على طول الديوان.
ما يلفت الانتباه في هذا الديوان أن الموسوي لا يكتب من خارج الجرح بل من داخله. وهذا ماتجده في قصيدة (طفل الاختناق الاول) والتي مطلعها:
بدءاً سأعرض للأيام ما أخفي
ولستُ أطلبُ أجراً باهض النزفِ
فقط سأطلب إصغاءً لصوت دمي
بما يقول عن المنفى عن المنفي
إنه شاعر لا يقف على الضفة ليروي الحكاية بل يبدو جزءاً من الحكاية نفسها. ولذلك تتكرر في نصوصه مفردات (اليتيم والمنفى والنزوح والخراب والموت والأسئلة الكبرى) لا بوصفها موضوعات شعرية جاهزة بل بوصفها عناصر تكوين نفسي وجمالي للشاعر. إننا أمام ذات شعرية تنظر إلى العالم من نافذة الخسارة ولكنها لا تستسلم لها بل تحولها إلى طاقة إنشاد وتأمل.
في هذا الديوان يتراجع الحدث الخارجي لصالح الحدث الداخلي (الحرب موجودة، والخراب حاضر، والبلاد تلوح في أكثر من موضع) لكن الشاعر لا يصف الوقائع بقدر ما يلاحق آثارها في الروح. ولذلك تتحول القصيدة عنده إلى مساحة لاستنطاق الندوب وكأن الكتابة محاولة دائمة لترميم ما تهدم في الداخل. ومن هنا تنبع القيمة الإنسانية للنصوص فهي لا تنشغل بالتوثيق بقدر انشغالها بالكشف.
ومن الناحية الفنية ينجح الموسوي محمد في بناء معجمه الخاص. فثمة كلمات تتكرر وتتنامى حتى تصبح علامات دالة على عالمه الشعري ك( الضوء، النهر، اليتيم، المطر، الدمع، السؤال، الرحيل، المنافي، الحسين، علي، الذاكرة) لكنها لا تتكرر بطريقة آلية بل تعود في كل مرة محملة بدلالة جديدة. وهذا ما يمنح الديوان وحدة خفية تجعل قصائده تبدو وكأنها فصول من قصيدة واحدة طويلة تتشعب في اتجاهات متعددة.
يلاحظ القارئ في هذا الديوان أن التجربة الحسينية ليست مجرد موضوع عابر في الديوان، بل هي مركز إشعاع رمزي تتفرع منه الكثير من الرؤى. فالحسين (عليه السلام) هنا لا يحضر بوصفه شخصية تاريخية فقط لا بل بوصفه معنى أخلاقياً وجمالياً يقيس الشاعر به العالم. وهذا مايتجلى في قصيدة (سفر السؤال الظامئ):
وأرى الخيام تزاحمت بدخانها
وحوافراً داست جبين البسمله
ماسر ذاك الرأس ماترتيله
من علم الرمح الكسير ليحمله
ولهذا تتداخل صورة الطف مع صور الحروب والخذلان الراهنة.
ويتميز الديوان كذلك بحس تأويلي واضح. فالشاعر لا يكتفي بالمشهد المباشر بل يحرص على إنتاج طبقة ثانية من الدلالة خلف الصورة. لذلك نجد عناوين مثل (كذبة المعنى ،المجاز، الكناية، شيبة التأويل) وهي عناوين تكشف منذ البداية أنه منشغل بفلسفة المعنى أكثر من انشغاله بوصف الأشياء. ويرى أن الواقع لا يقرأ كما هو بل عبر شبكة من الرموز والإشارات والاحتمالات.
أما لغته فتقوم على مزاوجة لافتة بين الفصاحة التراثية والحساسية الحديثة. فهو ابن القصيدة العربية في موسيقاها وصورها الكبرى لكنه لا يقع في أسر البلاغة القديمة وكلاسكية المفردات. بل يحاول أن يجعل اللغة تتحرك داخل التجربة لا فوقها. لذلك تبدو قصائده أقرب إلى اعترافات مشحونة بالإيقاع منها إلى خطب شعرية مكتملة اليقين.
واللافت أيضا أنه يمتلك قدرة على تحويل المفردات اليومية والمألوفة إلى إشارات وجودية. ك(النافذة، والشارع، والفنجان، والبيت، والدمعة، والرمش) كلها تتحول في نصوصه إلى رموز لحالات إنسانية أوسع.
وهذا أحد أسرار الشعر الحقيقي أي أن يجعل الأشياء الصغيرة مرايا للأسئلة الكبرى.
إن القيمة الجمالية لهذا الديوان لا تكمن في كونه يروي مآسي الإنسان العراقي فحسب بل في أنه يحول تلك المآسي إلى مادة شعرية قادرة على تجاوز حدود الزمكان. فالقارئ لا يخرج منه وهو يتذكر حدثاُ معيناً بل وهو يشعر أنه مر بتجربة إنسانية كاملة تجربة تبحث عن الضوء وسط الركام، وعن المعنى وسط الضياع، وعن الإنسان وسط الخراب.
لهذا يمكن القول إن (حجارة معلّقة برمشي) ليس ديوانا عن الألم بل عن قدرة الشعر على ترويض الألم وتحويله إلى جمال ومن هنا يمكن القول بإنه ديوان يكتب فيه الموسوي سيرته الوجدانية بلغة تتأرجح بين النزيف والترتيل وبين الذاكرة والرؤيا وبين الواقع والمجاز وفي هذا التأرجح تحديداً تكمن فرادته حيث ينجح في أن يجعل القارئ يشعر أن هذه الحجارة المعلقة ليست حجارة الشاعر وحده بل حجارة جيل كامل يحمل العالم فوق عينيه ويحاول رغم كل شيء أن يبقى قادراً على الحلم.
وكنت أبحـــــثُ عن سقفٍ ليجمعني
من الرصاص عسى أنجو من الحتفِ
بلاغة الوجع وأفق الرؤيا/ قراءة في ديوان (حجارة معلّقة برمشي)
بلاغة الوجع وأفق الرؤيا/ قراءة في ديوان (حجارة معلّقة برمشي)
في ديوانه (حجارة معلّقة برمشي) للشاعر محمد الموسوي لا يقدم لنا الشاعر قصائد بوصفها نصوصاً مستقلة بقدر ما يقدم سيرة روحية مكتوبة بالوجع.
فمن العنوان نفسه تتأسس المفارقة الكبرى التي تحكم التجربة كلها فالحجر رمز الثقل والقسوة بينما الرمش رمز الرهافة والهشاشة وكأن الشاعر يريد أن يقول:
إن الإنسان المعاصر صار يحمل أثقال العالم كلّه فوق أكثر المواضع هشاشة.
ومن هذه المفارقة تبدأ الرحلة الشعرية التي تمتد على طول الديوان.
ما يلفت الانتباه في هذا الديوان أن الموسوي لا يكتب من خارج الجرح بل من داخله. وهذا ماتجده في قصيدة (طفل الاختناق الاول) والتي مطلعها:
بدءاً سأعرض للأيام ما أخفي
ولستُ أطلبُ أجراً باهض النزفِ
فقط سأطلب إصغاءً لصوت دمي
بما يقول عن المنفى عن المنفي
إنه شاعر لا يقف على الضفة ليروي الحكاية بل يبدو جزءاً من الحكاية نفسها. ولذلك تتكرر في نصوصه مفردات (اليتيم والمنفى والنزوح والخراب والموت والأسئلة الكبرى) لا بوصفها موضوعات شعرية جاهزة بل بوصفها عناصر تكوين نفسي وجمالي للشاعر. إننا أمام ذات شعرية تنظر إلى العالم من نافذة الخسارة ولكنها لا تستسلم لها بل تحولها إلى طاقة إنشاد وتأمل.
في هذا الديوان يتراجع الحدث الخارجي لصالح الحدث الداخلي (الحرب موجودة، والخراب حاضر، والبلاد تلوح في أكثر من موضع) لكن الشاعر لا يصف الوقائع بقدر ما يلاحق آثارها في الروح. ولذلك تتحول القصيدة عنده إلى مساحة لاستنطاق الندوب وكأن الكتابة محاولة دائمة لترميم ما تهدم في الداخل. ومن هنا تنبع القيمة الإنسانية للنصوص فهي لا تنشغل بالتوثيق بقدر انشغالها بالكشف.
ومن الناحية الفنية ينجح الموسوي محمد في بناء معجمه الخاص. فثمة كلمات تتكرر وتتنامى حتى تصبح علامات دالة على عالمه الشعري ك( الضوء، النهر، اليتيم، المطر، الدمع، السؤال، الرحيل، المنافي، الحسين، علي، الذاكرة) لكنها لا تتكرر بطريقة آلية بل تعود في كل مرة محملة بدلالة جديدة. وهذا ما يمنح الديوان وحدة خفية تجعل قصائده تبدو وكأنها فصول من قصيدة واحدة طويلة تتشعب في اتجاهات متعددة.
يلاحظ القارئ في هذا الديوان أن التجربة الحسينية ليست مجرد موضوع عابر في الديوان، بل هي مركز إشعاع رمزي تتفرع منه الكثير من الرؤى. فالحسين (عليه السلام) هنا لا يحضر بوصفه شخصية تاريخية فقط لا بل بوصفه معنى أخلاقياً وجمالياً يقيس الشاعر به العالم. وهذا مايتجلى في قصيدة (سفر السؤال الظامئ):
وأرى الخيام تزاحمت بدخانها
وحوافراً داست جبين البسمله
ماسر ذاك الرأس ماترتيله
من علم الرمح الكسير ليحمله
ولهذا تتداخل صورة الطف مع صور الحروب والخذلان الراهنة.
ويتميز الديوان كذلك بحس تأويلي واضح. فالشاعر لا يكتفي بالمشهد المباشر بل يحرص على إنتاج طبقة ثانية من الدلالة خلف الصورة. لذلك نجد عناوين مثل (كذبة المعنى ،المجاز، الكناية، شيبة التأويل) وهي عناوين تكشف منذ البداية أنه منشغل بفلسفة المعنى أكثر من انشغاله بوصف الأشياء. ويرى أن الواقع لا يقرأ كما هو بل عبر شبكة من الرموز والإشارات والاحتمالات.
أما لغته فتقوم على مزاوجة لافتة بين الفصاحة التراثية والحساسية الحديثة. فهو ابن القصيدة العربية في موسيقاها وصورها الكبرى لكنه لا يقع في أسر البلاغة القديمة وكلاسكية المفردات. بل يحاول أن يجعل اللغة تتحرك داخل التجربة لا فوقها. لذلك تبدو قصائده أقرب إلى اعترافات مشحونة بالإيقاع منها إلى خطب شعرية مكتملة اليقين.
واللافت أيضا أنه يمتلك قدرة على تحويل المفردات اليومية والمألوفة إلى إشارات وجودية. ك(النافذة، والشارع، والفنجان، والبيت، والدمعة، والرمش) كلها تتحول في نصوصه إلى رموز لحالات إنسانية أوسع.
وهذا أحد أسرار الشعر الحقيقي أي أن يجعل الأشياء الصغيرة مرايا للأسئلة الكبرى.
إن القيمة الجمالية لهذا الديوان لا تكمن في كونه يروي مآسي الإنسان العراقي فحسب بل في أنه يحول تلك المآسي إلى مادة شعرية قادرة على تجاوز حدود الزمكان. فالقارئ لا يخرج منه وهو يتذكر حدثاُ معيناً بل وهو يشعر أنه مر بتجربة إنسانية كاملة تجربة تبحث عن الضوء وسط الركام، وعن المعنى وسط الضياع، وعن الإنسان وسط الخراب.
لهذا يمكن القول إن (حجارة معلّقة برمشي) ليس ديوانا عن الألم بل عن قدرة الشعر على ترويض الألم وتحويله إلى جمال ومن هنا يمكن القول بإنه ديوان يكتب فيه الموسوي سيرته الوجدانية بلغة تتأرجح بين النزيف والترتيل وبين الذاكرة والرؤيا وبين الواقع والمجاز وفي هذا التأرجح تحديداً تكمن فرادته حيث ينجح في أن يجعل القارئ يشعر أن هذه الحجارة المعلقة ليست حجارة الشاعر وحده بل حجارة جيل كامل يحمل العالم فوق عينيه ويحاول رغم كل شيء أن يبقى قادراً على الحلم.
وكنت أبحـــــثُ عن سقفٍ ليجمعني
من الرصاص عسى أنجو من الحتفِ
التعليقات