بين جنوب العراق ودمشق محمد جمال الدين الشاعر وتعزيز المشترك

صورة الكاتب
بقلم: د. اسماعيل مروة
التاريخ: 15 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2868
بين جنوب العراق ودمشق محمد جمال الدين الشاعر وتعزيز المشترك

بين جنوب العراق ودمشق
محمد جمال الدين الشاعر وتعزيز المشترك

يستوقف الباحث دوما ذلك الحديث المترع بالوجدان من الشعراء والأدباء ، خاصة في رحلة اغتراب ، إن وجدت، فنجد الأديب أكثر التصاقا بذكرياته وأرضه بكل التفاصيل ، بل إن الدهشة الإبداعية تعتري القارئ ، وهويرى أن بردى حمل معاني أخرى وأعمق للدمشقي الغريب، والفرات بكل ذكرياته يفيض عند محب الفرات وابنه ، بل وينسى مآسيه عندما يغترب عنه ، ومن هنا أجد أجمل أناشيد الانتماء في الغربة، بل إن اكتشافات جمال المكان وقداسته تتجلى في أغنيات الاغتراب ، فمصر أحمد شوقي في منفاه هي الأكثر جمالا وهي التي صنعته ، والعراق عند الجواهري والسياب ومصطفى جمال الدين والبياتي أكثر عذوبة وجمالا من العراق عندهم في مرحلة سابقة ، وموضوع المكان مهم للغاية ، خاصة في ظل وجود الصنو المماثل ، وفي هذه الوقفة أقف مع الصديق الشاعر محمد مصطفى جمال الدين في شعر الانتماء والحنين والمكان في غربته في دمشق.
بين العراق والشام:
ينطلق الشاعر من الواقع ( همسات النوفرة) و( كان الرحيل) فالواقع غربة وارتحال ، ومكان يلوذ به المغترب في ( النوفرة) ومقهى النوفرة معلم يعرفه كل من يزور دمشق ، ويلوذ بالذاكرة الجمعية ، وينحره الحنين إلى ذاته المسلوبة بالغربة القهرية.
تبدأ علائم الغربة والربط بين واقعين ،ماض ومرتقب( إلى العراق،المؤمنين، البصرة،النخيل) ،وبالمقابل الحاضر( قاسيون ، بردى، الحبيبات، الأهل ،الأصحاب)، فالشاعر وجد معادلا موضوعيا أبقاه مع الماضي ، ورسم علائم الغد والنخيل ، وهو في واقع يحمل مرموزية بردى وقاسيون ، الماء والتاريخ..ولولا وجود الرمزية التي يتعشقها الشاعر الأصيل فإنه سيفقد الكثير من مسوغات الارتباط بالموازنة ، فالفرات يقابله رمزا بردى ، وقاسيون يقابل مجد البصرة ، ووجود الأهل والأصحاب يعني المقابل للشباب والهوى.
المشترك والأمل:
يازهرة من نينوى
تفتحت في جلق
فارتشفت من بردى
عذب نمير عبق
ياوردة من دجلة
علقتها في عنقي
عاثت بها في الرافدين
آفة التمزق
فاغتربت عن حقلها
واستوطنت في حدقي
القصيدة قصيدة وجدانية في المحبة ، ولكنها تلونت بالغربة والشوق لتصبح قطعة من الوجدان الوطني لمفردات الوطن ، أنهار ومدائن وتاريخ ورمز..
والمتتبع للمزاوجة بين وطنين ، الأصل والمنفى ، يقف عند المشترك تاريخا وهواجس وهموم ، ومن هنا يأخذ شعر الحنين في الغربة قيمة إضافية ، ولولا هذا المشترك يفتقد الحنين الكثير ، ولذلك نجد أن الغربة في الشبيه عند الجواهري وجمال الدين والبياتي أخذت جمالية كبرى أكبر من ذاك الحنين الذي كان في مرابع أخرى مثل براغ وموسكو .
وهاهو الشاعر يناجي بغداد ، والمشترك والقرب المكاني والروحاني جعله يقف عند التفاصيل الصغيرة التي يجدها في غربته الدمشقية ، لكن بوحه الداخلي يعيده إلى عذوبة الصورة المماثلة في العراق:
صباح الخير
يابغدادي الحلوة
صباح الفل والريحان والسلوى
صباح الخير
يابيارة الرمان والتين
صباح الخير
ياهمس السواقي للرياحين
ويانبع الوفاالرقراق
في ظل البساتين
صباح الخير
يا أغلى الحبيبات
وياعمري الذي ولى.
بين المشترك والخصوصية تبرز لوعة الفراق ، ويظهر الحنين في أبهى صوره من خلال استحضار البيئة المشتركة ، ويبرز المصطلح الذي يرافقه من الزمن الذي ولى.
خصوصية المكان:
في كل مكان من الارض العربية يتنشق الإنسان عبيرا مشتركا ، وهو مفروض وحتمي من التاريخ واللغة والبيئة ، ولو تهيأ لواحدنا أي نوع من التجول استطاع أن يكتشف ذلك خارج النص الأدبي ، فساحات بغداد هي في القاهرة ودمشق وبيروت وحلب ، واللهفة والمشاركة ، ولو كان من خلافات جغرافية أو إنسانية ، فهي فروق لاتغير من الواقع شيئا ..
والأديب محمد جمال الدين في مجموعتيه المشار إليهما يعطي عمق الإحساس بالانتماء:
* هو العراقي الذي يرتبط بكل نخلة فيه ، وبنهره وإنسانه ، ويبحث عن المثيل له في مغتربه.
*وهو الوفي للمكان الذي يحيا به لذلك يعود إلى وطنه ليرسم صورة تعزز قيمة الوطن البديل المحتوي( وفي حديثه الأحدث لقناة البصرة خص الشاعر مرحلة الغربة في دمشق بكثير من الوفاء والذكرى)
* مشروعية الألم والسؤال ، مسافة غريبة ، قريبة ، عصية على الفهم ، تجعل الألم مضاعفا ومقريب المأخذ.
الفقد والغربة:
في الفقد تتجلى أعلى صور الألم ، فأنت على مسافة قريبة ، والحجر يمنع التواصل ، والتحجر القلبي يدمي ،والشاعر حين سئل عن خروجه من عباءة أبيه كان ذكي الإجابة ،فهو من هذه العباءة خرج ، وإليها ينتمي ، ولها أعطى عمره وجهده ، لكن خطه الأدبي مختلف تماما ، ولو استعرضنا شعر محمد جمال الدين رأينا أسلوبه ولغته وخياراته وصوره .

ومن الصور الحاضرة التي شهدتها عام ٢٠٠٨ ماقاله في ذكرى السيد الوالد الفقيه الشاعر ، والخطاب يتوجه للسيد الراقد في مقام دمشقي قريب بعيد ، يوصل له رسالة العراق بكل تفاصيله ، وكأنه يحمل أمنيات الشاعر الوالد التي يعرفها ليضعها تحت رأسه:
سيدي
ياسيد النخل المقفى


هذه بغداد
عن شاعرها هبت لتسأل
والنواسي وليل الكرخ
والشطآن والحور
وأحداق المها في الركن تدمع
وحمامات على الكاظم
والباب المعظم
والجبال الشم في زاخو
وملح الفاو والبرحي
والحناء واليم
وطيورالهور في ذي قار
مازالت تغنيك فتطرب
والحميدي وتلك القرية المعطاء
والسور ورمل ودروب لك تشهد
وكذاك الجامع الهندي
والصحن المعطر…
هذه التفاصيل التي يستحضرها الشاعر جعلت الصورة أبهى وأرفع ، وأظن أن ألم الغربة الممض هو الذي جعل التفاصيل أكثر بهاء..
بين دمشق وبغداد والبصرة والمؤمنين وسوق الشيوخ ، بين بردى ودجلة والفرات ، بين الياسمين والنخل والبرحي ،رسم الشاعر الصديق المبدع أجمل صور الحنين بين متماثلين في الحال والمآل ، وما كان لي أن أغوص في الجمالية لولا ما شممته من روائح دمشق من بغداد إلى البصرة وأقصى مدن الجنوب..
ولولا ما رأيته من تهلل الإنسان كما لو أنك لم تغادر..

عن الکاتب / الکاتبة

د. اسماعيل مروة
د. اسماعيل مروة
كاتب وناقد/ سوریا

مقالات أخرى للكاتب

الأعمى

الأعمى

الأعمى علا الصخب في قاعة الدرس. زاد الهرج عن الحد المحتمل في مثل هذا المكان…

صورة الكاتب د. اسماعيل مروة
7 يونيو 2026
اقرأ المزيد
الشخص

الشخص

  الشخص   أدار وجهه جانباً، حين كان صاحب المشرط يشق يده… المشرط يلمع وهو…

صورة الكاتب د. اسماعيل مروة
30 مايو 2026
اقرأ المزيد
يحيى السماوي وحكاية ممتدة في الشعر والأرق

يحيى السماوي وحكاية ممتدة في الشعر والأرق

يحيى السماوي وحكاية ممتدة في الشعر والأرق   يعدّ الشاعر يحيى السماوي من الشعراء الكبار…

صورة الكاتب د. اسماعيل مروة
10 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


بين جنوب العراق ودمشق محمد جمال الدين الشاعر وتعزيز المشترك

بقلم: د. اسماعيل مروة | التاريخ: 15 يونيو 2026

التصنيف: الأدب

بين جنوب العراق ودمشق
محمد جمال الدين الشاعر وتعزيز المشترك

يستوقف الباحث دوما ذلك الحديث المترع بالوجدان من الشعراء والأدباء ، خاصة في رحلة اغتراب ، إن وجدت، فنجد الأديب أكثر التصاقا بذكرياته وأرضه بكل التفاصيل ، بل إن الدهشة الإبداعية تعتري القارئ ، وهويرى أن بردى حمل معاني أخرى وأعمق للدمشقي الغريب، والفرات بكل ذكرياته يفيض عند محب الفرات وابنه ، بل وينسى مآسيه عندما يغترب عنه ، ومن هنا أجد أجمل أناشيد الانتماء في الغربة، بل إن اكتشافات جمال المكان وقداسته تتجلى في أغنيات الاغتراب ، فمصر أحمد شوقي في منفاه هي الأكثر جمالا وهي التي صنعته ، والعراق عند الجواهري والسياب ومصطفى جمال الدين والبياتي أكثر عذوبة وجمالا من العراق عندهم في مرحلة سابقة ، وموضوع المكان مهم للغاية ، خاصة في ظل وجود الصنو المماثل ، وفي هذه الوقفة أقف مع الصديق الشاعر محمد مصطفى جمال الدين في شعر الانتماء والحنين والمكان في غربته في دمشق.
بين العراق والشام:
ينطلق الشاعر من الواقع ( همسات النوفرة) و( كان الرحيل) فالواقع غربة وارتحال ، ومكان يلوذ به المغترب في ( النوفرة) ومقهى النوفرة معلم يعرفه كل من يزور دمشق ، ويلوذ بالذاكرة الجمعية ، وينحره الحنين إلى ذاته المسلوبة بالغربة القهرية.
تبدأ علائم الغربة والربط بين واقعين ،ماض ومرتقب( إلى العراق،المؤمنين، البصرة،النخيل) ،وبالمقابل الحاضر( قاسيون ، بردى، الحبيبات، الأهل ،الأصحاب)، فالشاعر وجد معادلا موضوعيا أبقاه مع الماضي ، ورسم علائم الغد والنخيل ، وهو في واقع يحمل مرموزية بردى وقاسيون ، الماء والتاريخ..ولولا وجود الرمزية التي يتعشقها الشاعر الأصيل فإنه سيفقد الكثير من مسوغات الارتباط بالموازنة ، فالفرات يقابله رمزا بردى ، وقاسيون يقابل مجد البصرة ، ووجود الأهل والأصحاب يعني المقابل للشباب والهوى.
المشترك والأمل:
يازهرة من نينوى
تفتحت في جلق
فارتشفت من بردى
عذب نمير عبق
ياوردة من دجلة
علقتها في عنقي
عاثت بها في الرافدين
آفة التمزق
فاغتربت عن حقلها
واستوطنت في حدقي
القصيدة قصيدة وجدانية في المحبة ، ولكنها تلونت بالغربة والشوق لتصبح قطعة من الوجدان الوطني لمفردات الوطن ، أنهار ومدائن وتاريخ ورمز..
والمتتبع للمزاوجة بين وطنين ، الأصل والمنفى ، يقف عند المشترك تاريخا وهواجس وهموم ، ومن هنا يأخذ شعر الحنين في الغربة قيمة إضافية ، ولولا هذا المشترك يفتقد الحنين الكثير ، ولذلك نجد أن الغربة في الشبيه عند الجواهري وجمال الدين والبياتي أخذت جمالية كبرى أكبر من ذاك الحنين الذي كان في مرابع أخرى مثل براغ وموسكو .
وهاهو الشاعر يناجي بغداد ، والمشترك والقرب المكاني والروحاني جعله يقف عند التفاصيل الصغيرة التي يجدها في غربته الدمشقية ، لكن بوحه الداخلي يعيده إلى عذوبة الصورة المماثلة في العراق:
صباح الخير
يابغدادي الحلوة
صباح الفل والريحان والسلوى
صباح الخير
يابيارة الرمان والتين
صباح الخير
ياهمس السواقي للرياحين
ويانبع الوفاالرقراق
في ظل البساتين
صباح الخير
يا أغلى الحبيبات
وياعمري الذي ولى.
بين المشترك والخصوصية تبرز لوعة الفراق ، ويظهر الحنين في أبهى صوره من خلال استحضار البيئة المشتركة ، ويبرز المصطلح الذي يرافقه من الزمن الذي ولى.
خصوصية المكان:
في كل مكان من الارض العربية يتنشق الإنسان عبيرا مشتركا ، وهو مفروض وحتمي من التاريخ واللغة والبيئة ، ولو تهيأ لواحدنا أي نوع من التجول استطاع أن يكتشف ذلك خارج النص الأدبي ، فساحات بغداد هي في القاهرة ودمشق وبيروت وحلب ، واللهفة والمشاركة ، ولو كان من خلافات جغرافية أو إنسانية ، فهي فروق لاتغير من الواقع شيئا ..
والأديب محمد جمال الدين في مجموعتيه المشار إليهما يعطي عمق الإحساس بالانتماء:
* هو العراقي الذي يرتبط بكل نخلة فيه ، وبنهره وإنسانه ، ويبحث عن المثيل له في مغتربه.
*وهو الوفي للمكان الذي يحيا به لذلك يعود إلى وطنه ليرسم صورة تعزز قيمة الوطن البديل المحتوي( وفي حديثه الأحدث لقناة البصرة خص الشاعر مرحلة الغربة في دمشق بكثير من الوفاء والذكرى)
* مشروعية الألم والسؤال ، مسافة غريبة ، قريبة ، عصية على الفهم ، تجعل الألم مضاعفا ومقريب المأخذ.
الفقد والغربة:
في الفقد تتجلى أعلى صور الألم ، فأنت على مسافة قريبة ، والحجر يمنع التواصل ، والتحجر القلبي يدمي ،والشاعر حين سئل عن خروجه من عباءة أبيه كان ذكي الإجابة ،فهو من هذه العباءة خرج ، وإليها ينتمي ، ولها أعطى عمره وجهده ، لكن خطه الأدبي مختلف تماما ، ولو استعرضنا شعر محمد جمال الدين رأينا أسلوبه ولغته وخياراته وصوره .

ومن الصور الحاضرة التي شهدتها عام ٢٠٠٨ ماقاله في ذكرى السيد الوالد الفقيه الشاعر ، والخطاب يتوجه للسيد الراقد في مقام دمشقي قريب بعيد ، يوصل له رسالة العراق بكل تفاصيله ، وكأنه يحمل أمنيات الشاعر الوالد التي يعرفها ليضعها تحت رأسه:
سيدي
ياسيد النخل المقفى


هذه بغداد
عن شاعرها هبت لتسأل
والنواسي وليل الكرخ
والشطآن والحور
وأحداق المها في الركن تدمع
وحمامات على الكاظم
والباب المعظم
والجبال الشم في زاخو
وملح الفاو والبرحي
والحناء واليم
وطيورالهور في ذي قار
مازالت تغنيك فتطرب
والحميدي وتلك القرية المعطاء
والسور ورمل ودروب لك تشهد
وكذاك الجامع الهندي
والصحن المعطر…
هذه التفاصيل التي يستحضرها الشاعر جعلت الصورة أبهى وأرفع ، وأظن أن ألم الغربة الممض هو الذي جعل التفاصيل أكثر بهاء..
بين دمشق وبغداد والبصرة والمؤمنين وسوق الشيوخ ، بين بردى ودجلة والفرات ، بين الياسمين والنخل والبرحي ،رسم الشاعر الصديق المبدع أجمل صور الحنين بين متماثلين في الحال والمآل ، وما كان لي أن أغوص في الجمالية لولا ما شممته من روائح دمشق من بغداد إلى البصرة وأقصى مدن الجنوب..
ولولا ما رأيته من تهلل الإنسان كما لو أنك لم تغادر..