حين يرسمنا المكان
من الأماكن الخضراء إلى يوسف باشا ومقهى أيوب سلطان، يبدو المكان كأنه لوحة رُسم فيها كل شيء جميل، هناك تزدهر الروح كلما تأملت جمال الأشياء، كأنها تتماهى مع البشر جميعًا، كأن القصيدة تولد في روح الأمكنة والطبيعة المتوحدة؛ أشبه بصورة نرسمها ثم تشرع هي في رسمنا، في تلك اللحظة تتجلى الحياة بكل بهائها، ويتعانق الشعر مع الوجود، فتغدو التفاصيل البسيطة أكثر إشراقًا وامتلاءً بالمعنى ، وعندما نلتقي في أماكن تضج بالحركة، نشعر أن الحياة لم تأتِ عبثًا، بل جاءت تحمل رسائل مثيرة للتأمل والجدل، كلما نظرت إلى تلك الوجوه رأيتها مختلفة عن سائر البشر؛ وجوه ترسم اللحظة والساعة واليوم، وتبتسم بطريقة لا يختلف عليها اثنان، وكما يقول الرواد دائمًا: ما يخرج من القلب يصل إلى القلب، فالنية الصادقة تبقى أساس التصور الإنساني، وإن كان هذا التصور قد تغيّر كثيرًا عما كان عليه في السابق ، وفي بعض الوجوه ما يوحي بأنها تريد أن تحل محل الله في الأرض، تمارس استبدادها وتأخذ دورًا ليس لها، لكن قوة الطبيعة والقوانين التي تحكم الحياة وتتجاوز طموح كل من يعبث بمقدرات الشعوب، ولن تسمح له بأن يتجاوز حدوده مهما بلغ من جبروت، وقد ينجح أحيانا، لكن قدرة الناس المنصفين تبقى أقوى من كل طغيان، وإذا نظرنا إلى هذا الكون الشاسع الذي احتضن الكواكب والنجوم، ورسم مجريات السماء وأعماقها التاريخية والأزلية، أدركنا أن في الوجود من الأسرار ما لا يُحصى صحيح أن بعض المقامات والرموز هي من صناعة الإنسان، لكنها في أحيان كثيرة لا تُفهم بوصفها قبورًا بقدر ما تُفهم بوصفها رموزًا تمنح المكان شعورًا بالطمأنينة والاستقرار، ولعل هذه الفكرة نفسها هي التي نسجت حول بعض الأمكنة هالة من السكينة، ومن عالم الرموز نذهب إلى عالم الفن، حيث تمثل المرأة إحدى أجمل الظواهر الإنسانية، فهي ليست مجرد حضور عابر، بل عنصر جمالي وإنساني يصعب الاستغناء عنه، يكفي أن تظهر على خشبة المسرح أو على الشاشة حتى تستحوذ على انتباه الجمهور، إنها أشبه بالطاقة التي تستمد قوتها من الجاذبية الطبيعية والحضور الصادق، أما الذاكرة، فما زالت تقودني إلى تلك الأيام العصيبة التي واجهت فيها أصعب مراحل حياتي، إلى حدّ هذه اللحظة أشعر كأن كابوسًا قد علق في رقبتي ولم يغادرني، لم أكن أدرك حينها ما يجري حولي من تحولات ومستجدات، وكنت أعيش بروح حمامة تبحث عن الأمان، لكن الواقع أثبت عكس ما كنت أتصور، كنت أواجه الموت في كل لحظة، وأشعر كأن هذا البلد ليس بلدي، وكأنه بلد الغرباء، عشت الغربة داخل وطني دون أن أدرك أنني أصبحت غريبًا فيه، كان الموت يطاردني ويسكن أعماق أرواح العراقيين جميعًا، وكأنه جزء من يومياتنا القاسية، أتذكر لحظات العطش والحرمان، حين كانت قطرة ماء تبدو حلمًا بعيدًا، والمفارقة أن الأرض التي يغطي الماء معظم مساحتها قد تعجز أحيانًا عن منح الإنسان جرعة رحمة، عندها يبدو الإنسان، في قسوته، أشد وطأة من الموت نفسه ، وحين يتعرض الجسد للتعذيب لا يتألم فحسب بل يعيش حالة من الانكسار والإحباط، وربما لهذا رأى نيتشه أن الجسد ليس مجرد قوة مادية، بل هو ساحة تتصارع فيها القوى الفاعلة وردود الأفعال، وتتجسد فيها معاني الهيمنة والمقاومة ومع ذلك كله، يبقى الماء سر الحياة الأكبر، لقد جعل الله معظم مساحة الأرض ماءً، كأن في ذلك تذكيرًا دائمًا بأن الحياة تقوم على العطاء والاستمرار، فكيف يمكن للإنسان أن يحكم هذا الكون أو يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وهو لا يزال عاجزًا عن الإحاطة بأبسط أسراره؟
د. اسماعيل مروة
د. ناصر أبو زيد
أحمد الكناني
التعليقات