سرقةٌ لم تنتهِ

صورة الكاتب
بقلم: حیدر کاظم الحسیناوي
التاريخ: 1 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2568
سرقةٌ لم تنتهِ

سرقةٌ لم تنتهِ

لم تكن كربلاء حادثةً عابرة في سجل التاريخ، ولم يكن الحسين رجلًا خسر معركةً وانتهى أمره مع غروب الشمس. كانت الطف لحظةً انكشفت فيها النفوس على حقيقتها، فسقطت الأقنعة وبقي الإنسان عاريًا أمام ضميره.

ومنذ ذلك اليوم، لم تتوقف المعركة.

قد تبدلت الوجوه، وتغيرت الرايات، واختلفت اللغات، لكن السؤال نفسه ما زال يتردد في الأزمنة كلها: مع الحق أم مع المصلحة؟ مع الإنسان أم مع السلطة؟ مع القيم أم مع الغنيمة؟

في كربلاء، لم يكتفِ القوم بقتل الحسين. وحين سقط جسده على الرمال، امتدت الأيدي لتسرق ما عليه. سُلب الثوب، وانتُزع الخاتم، وأُخذ كل ما أمكن أخذه من رجلٍ لم يبقَ له من الدنيا إلا موقفه.

لكن تلك السرقة، على فظاعتها، تبدو صغيرة أمام ما يُسرق اليوم.

فقد تعلم اللصوص مع مرور القرون أن الأشياء ليست أثمن ما يملكه الإنسان. الثياب تُعوض، والخواتم تُصاغ من جديد، أما الأوطان إذا سُرقت، والكرامة إذا أُهينت، والعدالة إذا ذُبحت، فذلك جرحٌ يمتد عبر أجيال كاملة.

لقد تغيرت أدوات السرقة، لكن اللص ما زال هو اللص.

في الأمس سرقوا خاتم الحسين من إصبعه، واليوم تُسرق لقمة الفقير من فمه.

في الأمس سلبوا ثيابه، واليوم تُسلب ثروات الشعوب باسم القانون تارةً، وباسم الوطنية تارةً أخرى.

في الأمس أحرقوا الخيام بالنار، واليوم تُحرق قلوب الفقراء بالحرمان، وتُحرق أعمار الشباب بالبطالة، وتُحرق أحلام الناس تحت ركام الفساد واللامبالاة.

وفي كل مرة، يخرج من يرفع اسم الحسين فوق رأسه، بينما يدفن مبادئ الحسين تحت قدميه.

وما أكثر الذين طالبوا بثأر الحسين، وما أقل الذين طالبوا بعدله.

وما أكثر الذين بكوا على مظلوميته، وما أقل الذين وقفوا بوجه الظلم.

وما أكثر الذين حفظوا تفاصيل المأساة، وما أقل الذين فهموا رسالتها.

إن الحسين لم يخرج ليؤسس طقسًا للبكاء، بل ليوقظ الضمير الإنساني من سباته الطويل. لم يكن مشروعه أن يبقى الناس أسرى الذكرى، بل أن يتحولوا إلى حراسٍ للحق أينما كان.

ولهذا فإن أخطر ما أصاب الحسين عبر التاريخ لم يكن السهم الذي اخترق جسده، ولا السيف الذي قطع رأسه، بل أولئك الذين جعلوا من اسمه جسرًا إلى مصالحهم، ومن مظلوميته تجارةً رابحة، ومن ثورته لافتةً تُرفع في المواسم ثم تُطوى عند أول اختبارٍ للعدل.

إن سرقة الحسين لم تنتهِ في كربلاء.

هي مستمرة كلما رُفع اسمه لإخفاء ظلم.

ومستمرة كلما استُخدمت قضيته ستارًا للفساد.

ومستمرة كلما هُتفت شعاراته بألسنةٍ لا تعرف شيئًا من أخلاقه.

فاللصوص الذين أحاطوا بجسده يوم الطف لم يكونوا آخر اللصوص، بل كانوا أولهم.

أما اللص الأكبر، فهو من يسرق معنى الحسين من الناس، ثم يزعم أنه من أتباعه.

وهنا تقف كربلاء شامخةً لتقول لكل جيل:

ليس المهم أن تسأل من قتل الحسين…

بل الأهم أن تسأل: كم مرةً يُقتل الحق بعد الحسين؟ وكم مرةً يُسرق الحسين باسم الحسين؟

عن الکاتب / الکاتبة

حیدر کاظم الحسیناوي
حیدر کاظم الحسیناوي
قاص . کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


سرقةٌ لم تنتهِ

بقلم: حیدر کاظم الحسیناوي | التاريخ: 1 يوليو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

سرقةٌ لم تنتهِ

لم تكن كربلاء حادثةً عابرة في سجل التاريخ، ولم يكن الحسين رجلًا خسر معركةً وانتهى أمره مع غروب الشمس. كانت الطف لحظةً انكشفت فيها النفوس على حقيقتها، فسقطت الأقنعة وبقي الإنسان عاريًا أمام ضميره.

ومنذ ذلك اليوم، لم تتوقف المعركة.

قد تبدلت الوجوه، وتغيرت الرايات، واختلفت اللغات، لكن السؤال نفسه ما زال يتردد في الأزمنة كلها: مع الحق أم مع المصلحة؟ مع الإنسان أم مع السلطة؟ مع القيم أم مع الغنيمة؟

في كربلاء، لم يكتفِ القوم بقتل الحسين. وحين سقط جسده على الرمال، امتدت الأيدي لتسرق ما عليه. سُلب الثوب، وانتُزع الخاتم، وأُخذ كل ما أمكن أخذه من رجلٍ لم يبقَ له من الدنيا إلا موقفه.

لكن تلك السرقة، على فظاعتها، تبدو صغيرة أمام ما يُسرق اليوم.

فقد تعلم اللصوص مع مرور القرون أن الأشياء ليست أثمن ما يملكه الإنسان. الثياب تُعوض، والخواتم تُصاغ من جديد، أما الأوطان إذا سُرقت، والكرامة إذا أُهينت، والعدالة إذا ذُبحت، فذلك جرحٌ يمتد عبر أجيال كاملة.

لقد تغيرت أدوات السرقة، لكن اللص ما زال هو اللص.

في الأمس سرقوا خاتم الحسين من إصبعه، واليوم تُسرق لقمة الفقير من فمه.

في الأمس سلبوا ثيابه، واليوم تُسلب ثروات الشعوب باسم القانون تارةً، وباسم الوطنية تارةً أخرى.

في الأمس أحرقوا الخيام بالنار، واليوم تُحرق قلوب الفقراء بالحرمان، وتُحرق أعمار الشباب بالبطالة، وتُحرق أحلام الناس تحت ركام الفساد واللامبالاة.

وفي كل مرة، يخرج من يرفع اسم الحسين فوق رأسه، بينما يدفن مبادئ الحسين تحت قدميه.

وما أكثر الذين طالبوا بثأر الحسين، وما أقل الذين طالبوا بعدله.

وما أكثر الذين بكوا على مظلوميته، وما أقل الذين وقفوا بوجه الظلم.

وما أكثر الذين حفظوا تفاصيل المأساة، وما أقل الذين فهموا رسالتها.

إن الحسين لم يخرج ليؤسس طقسًا للبكاء، بل ليوقظ الضمير الإنساني من سباته الطويل. لم يكن مشروعه أن يبقى الناس أسرى الذكرى، بل أن يتحولوا إلى حراسٍ للحق أينما كان.

ولهذا فإن أخطر ما أصاب الحسين عبر التاريخ لم يكن السهم الذي اخترق جسده، ولا السيف الذي قطع رأسه، بل أولئك الذين جعلوا من اسمه جسرًا إلى مصالحهم، ومن مظلوميته تجارةً رابحة، ومن ثورته لافتةً تُرفع في المواسم ثم تُطوى عند أول اختبارٍ للعدل.

إن سرقة الحسين لم تنتهِ في كربلاء.

هي مستمرة كلما رُفع اسمه لإخفاء ظلم.

ومستمرة كلما استُخدمت قضيته ستارًا للفساد.

ومستمرة كلما هُتفت شعاراته بألسنةٍ لا تعرف شيئًا من أخلاقه.

فاللصوص الذين أحاطوا بجسده يوم الطف لم يكونوا آخر اللصوص، بل كانوا أولهم.

أما اللص الأكبر، فهو من يسرق معنى الحسين من الناس، ثم يزعم أنه من أتباعه.

وهنا تقف كربلاء شامخةً لتقول لكل جيل:

ليس المهم أن تسأل من قتل الحسين…

بل الأهم أن تسأل: كم مرةً يُقتل الحق بعد الحسين؟ وكم مرةً يُسرق الحسين باسم الحسين؟