المرتجى و المتأمل

صورة الكاتب
بقلم: رضا الفحام
التاريخ: 4 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2350
المرتجى و المتأمل

المرتجى و المتأمل

 

تُعد الثقافة أحد أهم المؤشرات على حيوية المجتمعات وتطورهاً فهي ليست مجرد نشاط فني أو أدبي بل تمثل الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية للشعوب، وفي العراق الذي يمتلك إرثًا حضاريًا عريقًا يمتد من حضارات بلاد ما بين النهرين إلى العصر الحديث، يبقى السؤال مطروحًا بقوة هل ستتحسن الأوضاع الثقافية في ظل الحكومة العراقية الجديدة،وما هو موقع المؤسسات الثقافية ضمن أولويات الدولة ورعايتها؟

شهد القطاع الثقافي العراقي خلال العقود الماضية تحديات كبيرة نتيجة الحروب وعدم الاستقرار السياسي والأزمات الاقتصادية مما أدى إلى تراجع البنية التحتية الثقافية وضعف الدعم المخصص للمؤسسات الثقافية، العديد من المسارح والمكتبات ودور النشر والمراكز الفنية تأثرت بشكل مباشر كما عانى المثقفون والفنانون من محدودية الفرص وقلة الرعاية المؤسسية.

مع تشكيل الحكومة العراقية الجديدة ظهرت آمال بإحداث تحول في مختلف القطاعات ومن بينها القطاع الثقافي، ويعتمد تحسن الأوضاع الثقافية على مدى إدراك الحكومة لأهمية الثقافة كقوة ناعمة تسهم في بناء المجتمع وتعزيز الاستقرار، فإذا وضعت الحكومة الثقافة ضمن أولوياتها الاستراتيجية فقد نشهد تطورًا ملموسًا في دعم المشاريع الثقافية وإعادة تأهيل المؤسسات المتضررة.

يمكن أن يظهر هذا التحسن من خلال عدة مسارات أولها زيادة التمويل الحكومي للمؤسسات الثقافية مثل وزارة الثقافة واتحادات الأدباء والمسارح الوطنية والمتاحف والمراكز الفنية، وثانيها توفير بيئة تشجع على الإبداع الحر بما يسمح للمثقفين والفنانين بالمساهمة في النهضة الفكرية والاجتماعية، أما المسار الثالث فيتعلق بتطوير البنية التحتية الرقمية والثقافية مثل إنشاء منصات حديثة للنشر والمعرفة وربط الأجيال الشابة بالمشهد الثقافي.

أما فيما يخص موقع المؤسسات الثقافية فمن المفترض أن تكون هذه المؤسسات شريكًا رئيسيًا في التنمية الوطنية لا مجرد جهات هامشية، ينبغي أن تتمتع بدور فاعل في صياغة الوعي العام ونشر قيم الحوار ومواجهة التطرف والانقسام الاجتماعي، كما يجب أن تتلقى رعاية حقيقية تشمل الدعم المالي والاستقلال الإداري، وتمكين الكفاءات الثقافية من قيادة مشاريع تنموية طويلة الأمد.

ولا يمكن الحديث عن نهضة ثقافية دون إشراك المحافظات كافة وليس العاصمة بغداد فقط، فالثقافة العراقية متعددة الأصوات والهويات ومن المهم دعم المراكز الثقافية في البصرة والموصل والنجف وكربلاء وأربيل وغيرها لضمان توزيع عادل للفرص والأنشطة الثقافية.

إن مستقبل الثقافة في العراق مرتبط بالإرادة السياسية والرؤية الوطنية الشاملة، فإذا تعاملت الحكومة الجديدة مع الثقافة باعتبارها استثمارًا في الإنسان وفي مستقبل البلاد فإن الأوضاع الثقافية قد تشهد تحسنًا حقيقيًا، أما إذا بقيت الثقافة في هامش الاهتمام الرسمي فستظل المؤسسات الثقافية تواجه التحديات نفسها. إن العراق بتاريخِه وحضارتِه يستحق مشروعًا ثقافيًا يليق بمكانته ويعيد للثقافة دورها الريادي في بناء المجتمع.

عن الکاتب / الکاتبة

رضا الفحام
رضا الفحام
كاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الشعر الشعبي العراقي

الشعر الشعبي العراقي

الشعر الشعبي العراقي الشعر الشعبي في العراق واحدًا من أبرز أشكال التعبير الثقافي والاجتماعي إذ…

صورة الكاتب رضا الفحام
27 يونيو 2026
اقرأ المزيد
التوريث في الفن والأدب بين انتقال الموهبة وإعادة إنتاج النخبة الثقافية

التوريث في الفن والأدب بين انتقال الموهبة وإعادة إنتاج النخبة الثقافية

التوريث في الفن والأدب بين انتقال الموهبة وإعادة إنتاج النخبة الثقافية   عندما يلاحظ المتابع…

صورة الكاتب رضا الفحام
6 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المرتجى و المتأمل

بقلم: رضا الفحام | التاريخ: 4 يوليو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

المرتجى و المتأمل

 

تُعد الثقافة أحد أهم المؤشرات على حيوية المجتمعات وتطورهاً فهي ليست مجرد نشاط فني أو أدبي بل تمثل الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية للشعوب، وفي العراق الذي يمتلك إرثًا حضاريًا عريقًا يمتد من حضارات بلاد ما بين النهرين إلى العصر الحديث، يبقى السؤال مطروحًا بقوة هل ستتحسن الأوضاع الثقافية في ظل الحكومة العراقية الجديدة،وما هو موقع المؤسسات الثقافية ضمن أولويات الدولة ورعايتها؟

شهد القطاع الثقافي العراقي خلال العقود الماضية تحديات كبيرة نتيجة الحروب وعدم الاستقرار السياسي والأزمات الاقتصادية مما أدى إلى تراجع البنية التحتية الثقافية وضعف الدعم المخصص للمؤسسات الثقافية، العديد من المسارح والمكتبات ودور النشر والمراكز الفنية تأثرت بشكل مباشر كما عانى المثقفون والفنانون من محدودية الفرص وقلة الرعاية المؤسسية.

مع تشكيل الحكومة العراقية الجديدة ظهرت آمال بإحداث تحول في مختلف القطاعات ومن بينها القطاع الثقافي، ويعتمد تحسن الأوضاع الثقافية على مدى إدراك الحكومة لأهمية الثقافة كقوة ناعمة تسهم في بناء المجتمع وتعزيز الاستقرار، فإذا وضعت الحكومة الثقافة ضمن أولوياتها الاستراتيجية فقد نشهد تطورًا ملموسًا في دعم المشاريع الثقافية وإعادة تأهيل المؤسسات المتضررة.

يمكن أن يظهر هذا التحسن من خلال عدة مسارات أولها زيادة التمويل الحكومي للمؤسسات الثقافية مثل وزارة الثقافة واتحادات الأدباء والمسارح الوطنية والمتاحف والمراكز الفنية، وثانيها توفير بيئة تشجع على الإبداع الحر بما يسمح للمثقفين والفنانين بالمساهمة في النهضة الفكرية والاجتماعية، أما المسار الثالث فيتعلق بتطوير البنية التحتية الرقمية والثقافية مثل إنشاء منصات حديثة للنشر والمعرفة وربط الأجيال الشابة بالمشهد الثقافي.

أما فيما يخص موقع المؤسسات الثقافية فمن المفترض أن تكون هذه المؤسسات شريكًا رئيسيًا في التنمية الوطنية لا مجرد جهات هامشية، ينبغي أن تتمتع بدور فاعل في صياغة الوعي العام ونشر قيم الحوار ومواجهة التطرف والانقسام الاجتماعي، كما يجب أن تتلقى رعاية حقيقية تشمل الدعم المالي والاستقلال الإداري، وتمكين الكفاءات الثقافية من قيادة مشاريع تنموية طويلة الأمد.

ولا يمكن الحديث عن نهضة ثقافية دون إشراك المحافظات كافة وليس العاصمة بغداد فقط، فالثقافة العراقية متعددة الأصوات والهويات ومن المهم دعم المراكز الثقافية في البصرة والموصل والنجف وكربلاء وأربيل وغيرها لضمان توزيع عادل للفرص والأنشطة الثقافية.

إن مستقبل الثقافة في العراق مرتبط بالإرادة السياسية والرؤية الوطنية الشاملة، فإذا تعاملت الحكومة الجديدة مع الثقافة باعتبارها استثمارًا في الإنسان وفي مستقبل البلاد فإن الأوضاع الثقافية قد تشهد تحسنًا حقيقيًا، أما إذا بقيت الثقافة في هامش الاهتمام الرسمي فستظل المؤسسات الثقافية تواجه التحديات نفسها. إن العراق بتاريخِه وحضارتِه يستحق مشروعًا ثقافيًا يليق بمكانته ويعيد للثقافة دورها الريادي في بناء المجتمع.