سر لايعرفه أحد

صورة الكاتب
بقلم: عدنان راشد القريشي
التاريخ: 13 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2775
سر لايعرفه أحد

سر لايعرفه أحد

لم يكن ع شابًا عاديًا؛ فقد جمع الله له وسامة الوجه، ونبل الخلق، ورجاحة العقل، وشغفًا بالقراءة والثقافة، حتى كان كل من يعرفه يوقن أن مستقبله سيكون مختلفًا. لكن الحياة كثيرًا ما ترسم طرقًا لا تشبه أحلام أصحابها.
حين بلغ مبلغ الرجال، كان لا يزال طالبًا في المرحلة الإعدادية، يحلم بإكمال دراسته وصناعة مستقبله. غير أن أسرته رأت أن الوقت قد حان لزواجه، فاختارت له فتاة من معارفها. حاول أن يعترض بأدب، وأوضح لهم أن الزواج مسؤولية تسبقها أحلام لم تكتمل بعد، لكن رغبة والديه كانت أقوى من رغبته، فانحنى احترامًا لهما، وقَبِل بما اختاراه، مؤمنًا أن برّ الوالدين باب من أبواب الرضا.
بدأت الحياة الزوجية، لكنها لم تكن كما تمنّى. كان كل واحد منهما يعيش في عالم مختلف؛ فلا توافق فكري يجمعهما، ولا انسجام اجتماعي يقرّب بين طباعهما، حتى إن القبول الذي يسبق الألفة لم يجد طريقه إلى قلبيهما. ومع ذلك، استمرت الحياة بين مدٍّ وجزر، بين محاولات للترميم وصمتٍ طويل يخفي اتساع الفجوة.
رزقهما الله ثلاثة أبناء، أحبهم ع حبًا لا تحدّه الكلمات، وكان يرى فيهم أجمل ما أنجبه ذلك الزواج. لكنه، رغم قيامه بواجباته تجاه أسرته، ظل يشعر بأن في قلبه فراغًا لا تملؤه الأيام.
ومع مرور السنوات، كان يبحث عن ذلك الشعور المفقود، فتورّط بين حين وآخر في علاقات عاطفية عابرة، يظن أنها ستمنحه السكينة التي افتقدها، لكنها كانت تنتهي دائمًا تاركة في نفسه إحساسًا أكبر بالتيه، وكأن القلب كان يرفض كل محطة لأنها ليست وجهته الأخيرة.
خمسة وعشرون عامًا مضت، حتى جاءت المصادفة التي غيّرت مجرى حياته.
في لقاء لم يكن مخططًا له، تعرّف إلى امرأة يرمز إليها بحرف ن. لم يكن جمالها وحده ما لفت انتباهه، وإن كانت تتمتع بحضور آسِر وأنوثة راقية، بل كان عقلها قبل كل شيء هو الذي استوقفه. كانت مطلقة، تحمل شهادة في الهندسة، وتتحدث بثقة واتزان، وتختار كلماتها بعناية.
تدرّج الحديث بينهما من العموم إلى الخصوص، حتى قالت له، من غير تصريح مباشر:
“أنا لا أؤمن بعلاقة لا يرضى عنها الله، وما كُتب له أن يبدأ في النور، لا ينبغي أن يعيش في الظلام.”
كانت تلك الكلمات كافية ليوقن أنه أمام امرأة تعرف قيمة نفسها، وتدرك معنى الكرامة والالتزام. شعر للمرة الأولى أنه وجد الإنسانة التي ظل يبحث عنها طوال تلك السنوات؛ تشابه في الفكر، وتقارب في الثقافة، وانسجام في الأخلاق، حتى بدا له أن الزمن يعوّضه أخيرًا عما فاته.
لم يشأ ع أن يكرر أخطاء الماضي، فتقدّم إليها برغبة صادقة في الزواج. لكنه كان يحمل قيدًا ثقيلًا؛ إذ لم يكن مستعدًا لهدم أسرته أو تعريض أبنائه لصراعات قد تترك في نفوسهم جراحًا لا تندمل. لذلك وضع شرطًا واحدًا:
أن يبقى الزواج سرًا تامًا، لا يعلمه أحد مهما كانت الظروف.
سكتت ن طويلًا، ثم وافقت، لأنها رأت أن العلاقة ستكون موثقة بالزواج الشرعي، لا مجرد وعد عابر، ولأنها كانت تؤمن بأن بعض القرارات لا تُقاس بسهولة ظاهرها، بل بثقل المسؤوليات التي تحيط بها.
بدأت مراسم الخطبة في هدوء، وتقاسما نفقات الزواج بروح الشراكة والاحترام، ثم عقدا قرانهما بعيدًا عن الضجيج، ليبدآ حياة جديدة لا يشهد عليها سوى الله.
مضت الأيام، ثم الشهور، ثم الأعوام، حتى بلغت سنوات زواجهما تسع سنوات كاملة، ظل خلالها سرهما محفوظًا، لم ينكشف لأحد، وكأن الحياة نفسها تواطأت على صيانة ذلك العهد.
وخلال تلك السنوات، وجد ع في ن السكينة التي طالما بحث عنها، ووجدت هي فيه الرجل الذي يقدّر عقلها قبل جمالها، ويعاملها شريكة حياة لا مجرد زوجة. لم تكن حياتهما خالية من التحديات، لكن الاحترام المتبادل كان ينتصر في كل مرة.
وهكذا أدرك ع أن العمر قد يتأخر في منح الإنسان ما يتمنى، لكنه لا يمنعه عنه إن كان مكتوبًا له. وتعلّم أن القلب قد يضل الطريق طويلًا، لكنه حين يعثر على موطنه الحقيقي، يعرفه من أول نبضة.
العبرة:
ليست كل الزيجات التي تبدأ باختيار الآخرين تكتب لها السعادة، وليست كل الصدف العابرة عابرة حقًا. فالحياة قد تؤخر بعض الأقدار سنوات طويلة، لكنها تأتي بها في الوقت الذي تكون فيه النفوس أكثر نضجًا وقدرة على فهم معنى المودة والرحمة والمسؤولية.

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان راشد القريشي
عدنان راشد القريشي
كاتب . صحفي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق يحتفي بالمنجز الروائي للكاتبة بشرى الهلالي

الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق يحتفي بالمنجز الروائي للكاتبة بشرى الهلالي

“توقيت آخر للحياة”… عندما تتحول الأسئلة إلى رواية الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق يحتفي…

صورة الكاتب عدنان راشد القريشي
11 يوليو 2026
اقرأ المزيد
حين تستيقظ الذاكرة من جديد… متحف الأدباء يعود أكثر إشراقًا ليحرس ذاكرة العراق الثقافية

حين تستيقظ الذاكرة من جديد… متحف الأدباء يعود أكثر إشراقًا ليحرس ذاكرة العراق الثقافية

حين تستيقظ الذاكرة من جديد… متحف الأدباء يعود أكثر إشراقًا ليحرس ذاكرة العراق الثقافية ليست…

صورة الكاتب عدنان راشد القريشي
30 يونيو 2026
اقرأ المزيد
«القيصر»… حين يتحول الحب إلى متاهة نفسية ورحلة اعتراف بلا يقين

«القيصر»… حين يتحول الحب إلى متاهة نفسية ورحلة اعتراف بلا يقين

«القيصر»… حين يتحول الحب إلى متاهة نفسية ورحلة اعتراف بلا يقين تواصل الكاتبة العراقية أطياف…

صورة الكاتب عدنان راشد القريشي
28 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


سر لايعرفه أحد

بقلم: عدنان راشد القريشي | التاريخ: 13 يوليو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

سر لايعرفه أحد

لم يكن ع شابًا عاديًا؛ فقد جمع الله له وسامة الوجه، ونبل الخلق، ورجاحة العقل، وشغفًا بالقراءة والثقافة، حتى كان كل من يعرفه يوقن أن مستقبله سيكون مختلفًا. لكن الحياة كثيرًا ما ترسم طرقًا لا تشبه أحلام أصحابها.
حين بلغ مبلغ الرجال، كان لا يزال طالبًا في المرحلة الإعدادية، يحلم بإكمال دراسته وصناعة مستقبله. غير أن أسرته رأت أن الوقت قد حان لزواجه، فاختارت له فتاة من معارفها. حاول أن يعترض بأدب، وأوضح لهم أن الزواج مسؤولية تسبقها أحلام لم تكتمل بعد، لكن رغبة والديه كانت أقوى من رغبته، فانحنى احترامًا لهما، وقَبِل بما اختاراه، مؤمنًا أن برّ الوالدين باب من أبواب الرضا.
بدأت الحياة الزوجية، لكنها لم تكن كما تمنّى. كان كل واحد منهما يعيش في عالم مختلف؛ فلا توافق فكري يجمعهما، ولا انسجام اجتماعي يقرّب بين طباعهما، حتى إن القبول الذي يسبق الألفة لم يجد طريقه إلى قلبيهما. ومع ذلك، استمرت الحياة بين مدٍّ وجزر، بين محاولات للترميم وصمتٍ طويل يخفي اتساع الفجوة.
رزقهما الله ثلاثة أبناء، أحبهم ع حبًا لا تحدّه الكلمات، وكان يرى فيهم أجمل ما أنجبه ذلك الزواج. لكنه، رغم قيامه بواجباته تجاه أسرته، ظل يشعر بأن في قلبه فراغًا لا تملؤه الأيام.
ومع مرور السنوات، كان يبحث عن ذلك الشعور المفقود، فتورّط بين حين وآخر في علاقات عاطفية عابرة، يظن أنها ستمنحه السكينة التي افتقدها، لكنها كانت تنتهي دائمًا تاركة في نفسه إحساسًا أكبر بالتيه، وكأن القلب كان يرفض كل محطة لأنها ليست وجهته الأخيرة.
خمسة وعشرون عامًا مضت، حتى جاءت المصادفة التي غيّرت مجرى حياته.
في لقاء لم يكن مخططًا له، تعرّف إلى امرأة يرمز إليها بحرف ن. لم يكن جمالها وحده ما لفت انتباهه، وإن كانت تتمتع بحضور آسِر وأنوثة راقية، بل كان عقلها قبل كل شيء هو الذي استوقفه. كانت مطلقة، تحمل شهادة في الهندسة، وتتحدث بثقة واتزان، وتختار كلماتها بعناية.
تدرّج الحديث بينهما من العموم إلى الخصوص، حتى قالت له، من غير تصريح مباشر:
“أنا لا أؤمن بعلاقة لا يرضى عنها الله، وما كُتب له أن يبدأ في النور، لا ينبغي أن يعيش في الظلام.”
كانت تلك الكلمات كافية ليوقن أنه أمام امرأة تعرف قيمة نفسها، وتدرك معنى الكرامة والالتزام. شعر للمرة الأولى أنه وجد الإنسانة التي ظل يبحث عنها طوال تلك السنوات؛ تشابه في الفكر، وتقارب في الثقافة، وانسجام في الأخلاق، حتى بدا له أن الزمن يعوّضه أخيرًا عما فاته.
لم يشأ ع أن يكرر أخطاء الماضي، فتقدّم إليها برغبة صادقة في الزواج. لكنه كان يحمل قيدًا ثقيلًا؛ إذ لم يكن مستعدًا لهدم أسرته أو تعريض أبنائه لصراعات قد تترك في نفوسهم جراحًا لا تندمل. لذلك وضع شرطًا واحدًا:
أن يبقى الزواج سرًا تامًا، لا يعلمه أحد مهما كانت الظروف.
سكتت ن طويلًا، ثم وافقت، لأنها رأت أن العلاقة ستكون موثقة بالزواج الشرعي، لا مجرد وعد عابر، ولأنها كانت تؤمن بأن بعض القرارات لا تُقاس بسهولة ظاهرها، بل بثقل المسؤوليات التي تحيط بها.
بدأت مراسم الخطبة في هدوء، وتقاسما نفقات الزواج بروح الشراكة والاحترام، ثم عقدا قرانهما بعيدًا عن الضجيج، ليبدآ حياة جديدة لا يشهد عليها سوى الله.
مضت الأيام، ثم الشهور، ثم الأعوام، حتى بلغت سنوات زواجهما تسع سنوات كاملة، ظل خلالها سرهما محفوظًا، لم ينكشف لأحد، وكأن الحياة نفسها تواطأت على صيانة ذلك العهد.
وخلال تلك السنوات، وجد ع في ن السكينة التي طالما بحث عنها، ووجدت هي فيه الرجل الذي يقدّر عقلها قبل جمالها، ويعاملها شريكة حياة لا مجرد زوجة. لم تكن حياتهما خالية من التحديات، لكن الاحترام المتبادل كان ينتصر في كل مرة.
وهكذا أدرك ع أن العمر قد يتأخر في منح الإنسان ما يتمنى، لكنه لا يمنعه عنه إن كان مكتوبًا له. وتعلّم أن القلب قد يضل الطريق طويلًا، لكنه حين يعثر على موطنه الحقيقي، يعرفه من أول نبضة.
العبرة:
ليست كل الزيجات التي تبدأ باختيار الآخرين تكتب لها السعادة، وليست كل الصدف العابرة عابرة حقًا. فالحياة قد تؤخر بعض الأقدار سنوات طويلة، لكنها تأتي بها في الوقت الذي تكون فيه النفوس أكثر نضجًا وقدرة على فهم معنى المودة والرحمة والمسؤولية.