“ماذا يريد منا الحسين؟ (اعترافات ليلة من كربلاء)”

صورة الكاتب
بقلم: حیدر کاظم الحسیناوي
التاريخ: 14 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 1758
“ماذا يريد منا الحسين؟ (اعترافات ليلة من كربلاء)”

“ماذا يريد منا الحسين؟ (اعترافات ليلة من كربلاء)”

 

عدتُ تلك الليلة مثقلًا بالحزن.

 

كانت الدموع لا تزال عالقةً على أطراف روحي، والأسئلة تتزاحم في صدري كأنها تبحث عن منفذٍ إلى النور. سرتُ في الطريق طويلًا، لكن شيئًا في داخلي لم يهدأ. كنت أشعر أنني تركت جسدي يغادر المكان، بينما بقي قلبي هناك… عند الحسين.

 

ومنذ سنوات يرافقني سؤالٌ واحد كلما اقتربت من كربلاء:

 

ماذا يريد منا الحسين؟

 

لا ماذا نريد منه.

 

فهذا السؤال يعرفه الجميع.

 

نطلب منه الشفاعة، ونلجأ إلى ذكراه إذا ضاقت بنا الدنيا، ونبكيه إذا ضاقت بنا القلوب.

 

لكن ماذا يريد هو منا؟

 

هل يريد منا أن نبكيه؟

 

هل يريد منا مزيدًا من الدموع؟

 

أتساءل…

 

ودموعي تبحث عن إجابة.

 

فلو عاد بنا الزمان إلى ذلك النهار، ورأينا الحسين وحيدًا في صحراء الطف وقد تكاثر عليه القوم من كل جهة، ورأينا أصحابه يسقطون واحدًا بعد آخر، وسمعنا صرخات الأطفال بين الخيام، ورأينا العطش يحاصر الأجساد، ثم رأينا السيوف تتعاقب على جسده الشريف حتى خرَّ على الرمال…

 

لو رأينا كل ذلك بأعيننا، فماذا كنا سنفعل؟

 

هل كنا سنكتفي بالبكاء؟

 

هل كانت الدموع ستكفي؟

 

هل كانت سترد عنه ظلمًا أو تمنع عنه سيفًا؟

 

كلما فكرت في الأمر، شعرت أن الدموع وحدها لا تكفي.

 

فالدمعة الصادقة عظيمة، لكنها بداية الطريق وليست نهايته.

 

وفي كل ليلةٍ أضرب صدري حزنًا.

 

ومع كل ضربةٍ يولد سؤالٌ جديد في صدري.

 

أأبكي الحسين حقًا؟

 

أم أبكي نفسي؟

 

أبكي الرجل الذي وقف وحده في وجه الظلم؟

 

أم أبكي نفسي التي كثيرًا ما صمتُّ أمام ظلمٍ أعرفه؟

 

أبكي الحسين الذي رفض الذل؟

 

أم أبكي نفسي التي ساومت أحيانًا خوفًا أو ضعفًا أو تعبًا؟

 

كم من مرةٍ رأيت حقًا فلم أنصره، ورأيت باطلًا فسكتُّ عنه، وتمنيت الخير… ولم أعمل له؟

 

لا أدري…

 

فحين أرى أحلامي تُسرق، وآمالي تُنهب، وحقوقي تُنتزع، وأقف عاجزًا أراقب المشهد من بعيد، لا أعلم أبكائي على الحسين أم على نفسي.

 

فالحسين لم يكن دمعةً فقط.

 

كان موقفًا.

 

وكان كلمة حق.

 

وكان إنسانًا رفض أن يبيع ضميره ليشتري سلامته.

 

وهنا بدأت أبحث عن الحسين في مكانٍ آخر.

 

لا في الكتب.

 

ولا في الخطب.

 

ولا في الرايات.

 

بل في نفسي.

 

أين الحسين في داخلي؟

 

أين صدقه حين أكذب على نفسي؟

 

وأين شجاعته حين أخاف؟

 

وأين عدله حين أميل مع مصلحتي؟

 

وأين موقفه حين أختار الصمت؟

 

وحين أمعنت في البحث، أدركت أن السؤال انقلب عليَّ فجأة، ووجدت نفسي أواجه المرآة:

 

أين أنا في كربلاء؟

 

لو كنت هناك…

 

هل كنت سأقف معه؟

 

أم كنت سأخذله كما خذله كثيرون عرفوا الحق وتركوه؟

 

أم كنت سأكتفي بالمشاهدة منتظرًا أن تنتهي المأساة لأبكيها بعد ذلك؟

 

أسئلة موجعة…

 

لكنها أسئلة لا بد منها.

 

فكربلاء ليست قصةً نرويها لأطفالنا، ولا حادثةً نضعها في رفوف التاريخ.

 

كربلاء امتحانٌ يتكرر كل يوم.

 

يتكرر حين يقف الإنسان بين الحق والمصلحة.

 

وبين الصدق والخوف.

 

وبين الكرامة والمنفعة.

 

وفي طريق عودتي تلك الليلة التقيت بصديق.

 

نظر إليَّ وسألني:

 

أين كنت؟

 

قلت:

 

عند الحسين.

 

فسألني:

 

وماذا كنت تفعل؟

 

ساد الصمت.

 

كان سؤالًا بسيطًا، لكنه فتح بابًا كبيرًا في داخلي.

 

ماذا كنت أفعل؟

 

هل أقول له: كنت أبكي؟

 

لكنني شعرت أن الجواب ناقص.

 

هل أقول له: كنت أستذكر المصيبة؟

 

لكنني شعرت أن شيئًا ما ما زال مفقودًا.

 

ثم أدركت أن السؤال الحقيقي ليس ماذا كنت أفعل عند الحسين.

 

بل ماذا فعل الحسين بي.

 

هل غيّرني؟

 

هل جعلني أكثر صدقًا؟

 

أكثر عدلًا؟

 

أكثر شجاعة؟

 

أكثر رحمةً بالناس؟

 

أكثر رفضًا للظلم؟

 

فإن لم يفعل ذلك كله، فما معنى أن أقول إنني أحب الحسين؟

 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يحول الحسين إلى ذكرى، بينما كان الحسين مشروعًا للحياة.

 

وأن يحول كربلاء إلى قصة، بينما كانت كربلاء دعوةً دائمة إلى اليقظة.

 

عدتُ تلك الليلة ولم أحمل جوابًا نهائيًا.

 

لكنني أدركت شيئًا واحدًا:

 

أن الحسين لا يريد منا دموعًا بلا وعي.

 

ولا كلماتٍ بلا أثر.

 

ولا حبًا بلا موقف.

 

يريد أن تتحول الدموع إلى بصيرة.

 

وأن يتحول الحزن إلى وعي.

 

وأن تتحول المحبة إلى أخلاق.

 

وأن يتحول الإعجاب بالحسين إلى شيءٍ من الحسين في داخلنا.

 

ومنذ ذلك اليوم ما زال السؤال يرافقني:

 

ماذا يريد منا الحسين؟

 

وكلما حاولت الإجابة، وجدت أن الطريق إليها لا يبدأ من العين التي تبكي…

 

بل من القلب الذي يتغير.

 

وحينها فقط، ربما تجف الدموع العالقة على أطراف الروح… لا لأنها نضبت، بل لأنها تحولت إلى نور.

عن الکاتب / الکاتبة

حیدر کاظم الحسیناوي
حیدر کاظم الحسیناوي
قاص . کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

سرقةٌ لم تنتهِ

سرقةٌ لم تنتهِ

سرقةٌ لم تنتهِ لم تكن كربلاء حادثةً عابرة في سجل التاريخ، ولم يكن الحسين رجلًا…

صورة الكاتب حیدر کاظم الحسیناوي
1 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“ماذا يريد منا الحسين؟ (اعترافات ليلة من كربلاء)”

بقلم: حیدر کاظم الحسیناوي | التاريخ: 14 يوليو 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

“ماذا يريد منا الحسين؟ (اعترافات ليلة من كربلاء)”

 

عدتُ تلك الليلة مثقلًا بالحزن.

 

كانت الدموع لا تزال عالقةً على أطراف روحي، والأسئلة تتزاحم في صدري كأنها تبحث عن منفذٍ إلى النور. سرتُ في الطريق طويلًا، لكن شيئًا في داخلي لم يهدأ. كنت أشعر أنني تركت جسدي يغادر المكان، بينما بقي قلبي هناك… عند الحسين.

 

ومنذ سنوات يرافقني سؤالٌ واحد كلما اقتربت من كربلاء:

 

ماذا يريد منا الحسين؟

 

لا ماذا نريد منه.

 

فهذا السؤال يعرفه الجميع.

 

نطلب منه الشفاعة، ونلجأ إلى ذكراه إذا ضاقت بنا الدنيا، ونبكيه إذا ضاقت بنا القلوب.

 

لكن ماذا يريد هو منا؟

 

هل يريد منا أن نبكيه؟

 

هل يريد منا مزيدًا من الدموع؟

 

أتساءل…

 

ودموعي تبحث عن إجابة.

 

فلو عاد بنا الزمان إلى ذلك النهار، ورأينا الحسين وحيدًا في صحراء الطف وقد تكاثر عليه القوم من كل جهة، ورأينا أصحابه يسقطون واحدًا بعد آخر، وسمعنا صرخات الأطفال بين الخيام، ورأينا العطش يحاصر الأجساد، ثم رأينا السيوف تتعاقب على جسده الشريف حتى خرَّ على الرمال…

 

لو رأينا كل ذلك بأعيننا، فماذا كنا سنفعل؟

 

هل كنا سنكتفي بالبكاء؟

 

هل كانت الدموع ستكفي؟

 

هل كانت سترد عنه ظلمًا أو تمنع عنه سيفًا؟

 

كلما فكرت في الأمر، شعرت أن الدموع وحدها لا تكفي.

 

فالدمعة الصادقة عظيمة، لكنها بداية الطريق وليست نهايته.

 

وفي كل ليلةٍ أضرب صدري حزنًا.

 

ومع كل ضربةٍ يولد سؤالٌ جديد في صدري.

 

أأبكي الحسين حقًا؟

 

أم أبكي نفسي؟

 

أبكي الرجل الذي وقف وحده في وجه الظلم؟

 

أم أبكي نفسي التي كثيرًا ما صمتُّ أمام ظلمٍ أعرفه؟

 

أبكي الحسين الذي رفض الذل؟

 

أم أبكي نفسي التي ساومت أحيانًا خوفًا أو ضعفًا أو تعبًا؟

 

كم من مرةٍ رأيت حقًا فلم أنصره، ورأيت باطلًا فسكتُّ عنه، وتمنيت الخير… ولم أعمل له؟

 

لا أدري…

 

فحين أرى أحلامي تُسرق، وآمالي تُنهب، وحقوقي تُنتزع، وأقف عاجزًا أراقب المشهد من بعيد، لا أعلم أبكائي على الحسين أم على نفسي.

 

فالحسين لم يكن دمعةً فقط.

 

كان موقفًا.

 

وكان كلمة حق.

 

وكان إنسانًا رفض أن يبيع ضميره ليشتري سلامته.

 

وهنا بدأت أبحث عن الحسين في مكانٍ آخر.

 

لا في الكتب.

 

ولا في الخطب.

 

ولا في الرايات.

 

بل في نفسي.

 

أين الحسين في داخلي؟

 

أين صدقه حين أكذب على نفسي؟

 

وأين شجاعته حين أخاف؟

 

وأين عدله حين أميل مع مصلحتي؟

 

وأين موقفه حين أختار الصمت؟

 

وحين أمعنت في البحث، أدركت أن السؤال انقلب عليَّ فجأة، ووجدت نفسي أواجه المرآة:

 

أين أنا في كربلاء؟

 

لو كنت هناك…

 

هل كنت سأقف معه؟

 

أم كنت سأخذله كما خذله كثيرون عرفوا الحق وتركوه؟

 

أم كنت سأكتفي بالمشاهدة منتظرًا أن تنتهي المأساة لأبكيها بعد ذلك؟

 

أسئلة موجعة…

 

لكنها أسئلة لا بد منها.

 

فكربلاء ليست قصةً نرويها لأطفالنا، ولا حادثةً نضعها في رفوف التاريخ.

 

كربلاء امتحانٌ يتكرر كل يوم.

 

يتكرر حين يقف الإنسان بين الحق والمصلحة.

 

وبين الصدق والخوف.

 

وبين الكرامة والمنفعة.

 

وفي طريق عودتي تلك الليلة التقيت بصديق.

 

نظر إليَّ وسألني:

 

أين كنت؟

 

قلت:

 

عند الحسين.

 

فسألني:

 

وماذا كنت تفعل؟

 

ساد الصمت.

 

كان سؤالًا بسيطًا، لكنه فتح بابًا كبيرًا في داخلي.

 

ماذا كنت أفعل؟

 

هل أقول له: كنت أبكي؟

 

لكنني شعرت أن الجواب ناقص.

 

هل أقول له: كنت أستذكر المصيبة؟

 

لكنني شعرت أن شيئًا ما ما زال مفقودًا.

 

ثم أدركت أن السؤال الحقيقي ليس ماذا كنت أفعل عند الحسين.

 

بل ماذا فعل الحسين بي.

 

هل غيّرني؟

 

هل جعلني أكثر صدقًا؟

 

أكثر عدلًا؟

 

أكثر شجاعة؟

 

أكثر رحمةً بالناس؟

 

أكثر رفضًا للظلم؟

 

فإن لم يفعل ذلك كله، فما معنى أن أقول إنني أحب الحسين؟

 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يحول الحسين إلى ذكرى، بينما كان الحسين مشروعًا للحياة.

 

وأن يحول كربلاء إلى قصة، بينما كانت كربلاء دعوةً دائمة إلى اليقظة.

 

عدتُ تلك الليلة ولم أحمل جوابًا نهائيًا.

 

لكنني أدركت شيئًا واحدًا:

 

أن الحسين لا يريد منا دموعًا بلا وعي.

 

ولا كلماتٍ بلا أثر.

 

ولا حبًا بلا موقف.

 

يريد أن تتحول الدموع إلى بصيرة.

 

وأن يتحول الحزن إلى وعي.

 

وأن تتحول المحبة إلى أخلاق.

 

وأن يتحول الإعجاب بالحسين إلى شيءٍ من الحسين في داخلنا.

 

ومنذ ذلك اليوم ما زال السؤال يرافقني:

 

ماذا يريد منا الحسين؟

 

وكلما حاولت الإجابة، وجدت أن الطريق إليها لا يبدأ من العين التي تبكي…

 

بل من القلب الذي يتغير.

 

وحينها فقط، ربما تجف الدموع العالقة على أطراف الروح… لا لأنها نضبت، بل لأنها تحولت إلى نور.