بين بركات الجبل وسحر البحر… يومٌ آخر في ذاكرة باكو
ليست المدن شوارع ومبانٍ ومعالم سياحية فحسب بل هي حكايات تتجاور فيها الأسطورة مع التاريخ والروحانية مع الحداثة والطبيعة مع نبض الحياة اليومية. وفي باكو المدينة التي تتقاطع فيها الحضارات يجد الزائر نفسه ينتقل في يوم واحد من أجواء المراقد المقدسة إلى صخب المراكز التجارية ثم ينتهي به المطاف أمام زرقة بحر قزوين وهو يتأمل غروباً يليق بمدينة تعرف كيف تصنع الجمال.
*بيبي حكيمة… بركة المكان وسكينة الروح
على بعد نحو عشرين دقيقة من مركز العاصمة باكو ترتفع الجبال حاملة أحد أشهر المزارات الدينية في أذربيجان وهو مرقد السيدة بيبي حكيمة التي يعتقد أنها فاطمة الصغرى ابنة الإمام موسى الكاظم وأخت الإمام علي بن موسى الرضا.
يرتبط هذا المكان برواية شعبية متوارثة تقول إن السيدة حكيمة جاءت قاصدة أخاها الإمام الرضا لكنها تعرضت للملاحقة فلجأت إلى جبال المنطقة. وعندما اشتد الحصار عليها ابتهلت إلى الله أن يحفظها فانشق الجبل لتدخل فيه وتغيب عن أعين مطارديها. ويروى أن أحدهم شاهد انشقاق الجبل وأخبر الآخرين لكنهم عجزوا عن فتح الشق ليغدو المكان منذ ذلك الحين مزاراً يقصده المؤمنون طلباً للبركة والدعاء.
وما إن يصل الزائر إلى المرقد حتى يلفت انتباهه ذلك المشهد الإنساني : رجال وشبان يتطوعون لتوزيع الشاي والكعك والحلوى على الزائرين، في صورة تعكس ثقافة الكرم والتكافل وتجعل الضيافة جزءاً من طقوس الزيارة.
ويعرف المقام محلياً باسم مسجد فاطمة ويعد من أهم المزارات الشيعية في أذربيجان. ويتميز المسجد بثلاث قباب ومئذنتين تتبعان الطراز الفارسي لكنهما تخلوان من الزخارف التقليدية، فيما تمنح الساحات الواسعة والأروقة الحجرية والنقوش العربية المكان هيبة وروحانية خاصة. وللمسجد مكانة اجتماعية أيضاً، إذ يحرص كثير من الأزواج في باكو على عقد قرانهم فيه تيمناً ببركة صاحبته.
*إنذار مفاجئ في كريسنت مول
بعد ساعات من التجوال قصدنا كريسنت مول للاستراحة بانتظار موعد غروب الشمس على بحر قزوين. لكن الهدوء لم يدم طويلاً، إذ دوت فجأة صفارات الإنذار وتحول المكان خلال ثوانٍ إلى حركة خروج جماعي منظمة حيث اندفع الجميع نحو المخارج.
ورغم حالة الإرباك، بقي أحد المشاهد عالقاً في الذاكرة، فتاة تحمل صينية طعام وكأساً ممتلئة بالعصير، تمشي بهدوء وسط الزحام، وكأن همها الأكبر لم يكن صفارات الإنذار بل ألا ينسكب العصير على المارة. لحظة طريفة اختزلت مفارقة إنسانية لا تنسى، وجعلت التوتر يمتزج بابتسامة عابرة.
*بوليفار باكو… حين يصادق البحر المدينة
مع اقتراب المساء كان الموعد مع شارع بوليفار، أو الحديقة الوطنية الساحلية الممتدة على ضفاف بحر قزوين منذ أكثر من قرن، إذ أُنشئت عام 1909 وأصبحت اليوم واحدة من أجمل واجهات العاصمة الأذربيجانية.
يصعب على أي زائر أن يغادر باكو دون أن يمضي وقتاً في هذا المكان الذي يجمع بين الطبيعة والترفيه والثقافة. يمتد البوليفار لمسافة تقارب ثلاثة كيلومترات ويضم رحلات بحرية بالقوارب، ومدينة “فينيسيا الصغيرة”، ومتحف السجاد، ومجمعاً تجارياً، إضافة إلى المطاعم والمقاهي والمساحات المفتوحة التي تعج بالحياة.
وقبيل الغروب، تتوافد العائلات والشباب إلى الساحل يحمل كل منهم كاميرته أو هاتفه بانتظار اللحظة التي تغوص فيها الشمس في مياه قزوين. وعلى امتداد الممشى يعزف شبان وشابات مقطوعات من الموسيقى الشعبية الأذربيجانية، بينما يعرض الفنانون لوحاتهم وصورهم الفوتوغرافية التي توثق جمال الطبيعة والحياة البرية فيتحول المكان إلى معرض فني مفتوح تحت سماء البحر.
هكذا تمضي باكو في تقديم وجوهها المتعددة لزائرها: من قداسة الجبل إلى حداثة المدينة ومن لحظات المفاجأة العابرة إلى سكينة البحر عند المغيب. إنها مدينة لا تكتفي بأن ترى، بل تمنح من يزورها حكايات تبقى عالقة في الذاكرة لتؤكد أن أجمل الرحلات ليست تلك التي نقطع فيها المسافات بل تلك التي تترك في أرواحنا أثراً لا يمحوه الزمن.
بين بركات الجبل وسحر البحر… يومٌ آخر في ذاكرة باكو
بين بركات الجبل وسحر البحر… يومٌ آخر في ذاكرة باكو
ليست المدن شوارع ومبانٍ ومعالم سياحية فحسب بل هي حكايات تتجاور فيها الأسطورة مع التاريخ والروحانية مع الحداثة والطبيعة مع نبض الحياة اليومية. وفي باكو المدينة التي تتقاطع فيها الحضارات يجد الزائر نفسه ينتقل في يوم واحد من أجواء المراقد المقدسة إلى صخب المراكز التجارية ثم ينتهي به المطاف أمام زرقة بحر قزوين وهو يتأمل غروباً يليق بمدينة تعرف كيف تصنع الجمال.
*بيبي حكيمة… بركة المكان وسكينة الروح
على بعد نحو عشرين دقيقة من مركز العاصمة باكو ترتفع الجبال حاملة أحد أشهر المزارات الدينية في أذربيجان وهو مرقد السيدة بيبي حكيمة التي يعتقد أنها فاطمة الصغرى ابنة الإمام موسى الكاظم وأخت الإمام علي بن موسى الرضا.
يرتبط هذا المكان برواية شعبية متوارثة تقول إن السيدة حكيمة جاءت قاصدة أخاها الإمام الرضا لكنها تعرضت للملاحقة فلجأت إلى جبال المنطقة. وعندما اشتد الحصار عليها ابتهلت إلى الله أن يحفظها فانشق الجبل لتدخل فيه وتغيب عن أعين مطارديها. ويروى أن أحدهم شاهد انشقاق الجبل وأخبر الآخرين لكنهم عجزوا عن فتح الشق ليغدو المكان منذ ذلك الحين مزاراً يقصده المؤمنون طلباً للبركة والدعاء.
وما إن يصل الزائر إلى المرقد حتى يلفت انتباهه ذلك المشهد الإنساني : رجال وشبان يتطوعون لتوزيع الشاي والكعك والحلوى على الزائرين، في صورة تعكس ثقافة الكرم والتكافل وتجعل الضيافة جزءاً من طقوس الزيارة.
ويعرف المقام محلياً باسم مسجد فاطمة ويعد من أهم المزارات الشيعية في أذربيجان. ويتميز المسجد بثلاث قباب ومئذنتين تتبعان الطراز الفارسي لكنهما تخلوان من الزخارف التقليدية، فيما تمنح الساحات الواسعة والأروقة الحجرية والنقوش العربية المكان هيبة وروحانية خاصة. وللمسجد مكانة اجتماعية أيضاً، إذ يحرص كثير من الأزواج في باكو على عقد قرانهم فيه تيمناً ببركة صاحبته.
*إنذار مفاجئ في كريسنت مول
بعد ساعات من التجوال قصدنا كريسنت مول للاستراحة بانتظار موعد غروب الشمس على بحر قزوين. لكن الهدوء لم يدم طويلاً، إذ دوت فجأة صفارات الإنذار وتحول المكان خلال ثوانٍ إلى حركة خروج جماعي منظمة حيث اندفع الجميع نحو المخارج.
ورغم حالة الإرباك، بقي أحد المشاهد عالقاً في الذاكرة، فتاة تحمل صينية طعام وكأساً ممتلئة بالعصير، تمشي بهدوء وسط الزحام، وكأن همها الأكبر لم يكن صفارات الإنذار بل ألا ينسكب العصير على المارة. لحظة طريفة اختزلت مفارقة إنسانية لا تنسى، وجعلت التوتر يمتزج بابتسامة عابرة.
*بوليفار باكو… حين يصادق البحر المدينة
مع اقتراب المساء كان الموعد مع شارع بوليفار، أو الحديقة الوطنية الساحلية الممتدة على ضفاف بحر قزوين منذ أكثر من قرن، إذ أُنشئت عام 1909 وأصبحت اليوم واحدة من أجمل واجهات العاصمة الأذربيجانية.
يصعب على أي زائر أن يغادر باكو دون أن يمضي وقتاً في هذا المكان الذي يجمع بين الطبيعة والترفيه والثقافة. يمتد البوليفار لمسافة تقارب ثلاثة كيلومترات ويضم رحلات بحرية بالقوارب، ومدينة “فينيسيا الصغيرة”، ومتحف السجاد، ومجمعاً تجارياً، إضافة إلى المطاعم والمقاهي والمساحات المفتوحة التي تعج بالحياة.
وقبيل الغروب، تتوافد العائلات والشباب إلى الساحل يحمل كل منهم كاميرته أو هاتفه بانتظار اللحظة التي تغوص فيها الشمس في مياه قزوين. وعلى امتداد الممشى يعزف شبان وشابات مقطوعات من الموسيقى الشعبية الأذربيجانية، بينما يعرض الفنانون لوحاتهم وصورهم الفوتوغرافية التي توثق جمال الطبيعة والحياة البرية فيتحول المكان إلى معرض فني مفتوح تحت سماء البحر.
هكذا تمضي باكو في تقديم وجوهها المتعددة لزائرها: من قداسة الجبل إلى حداثة المدينة ومن لحظات المفاجأة العابرة إلى سكينة البحر عند المغيب. إنها مدينة لا تكتفي بأن ترى، بل تمنح من يزورها حكايات تبقى عالقة في الذاكرة لتؤكد أن أجمل الرحلات ليست تلك التي نقطع فيها المسافات بل تلك التي تترك في أرواحنا أثراً لا يمحوه الزمن.
التعليقات