المستذئب لوتريامون

صورة الكاتب
بقلم: علي جواد كاظم
التاريخ: 2 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 2577
المستذئب لوتريامون

المستذئب لوتريامون

 

ليس هناك سوى حيوان واحد ٠٠٠ الحيوان مبدأ

 

بلزاك

 

لوتريامون هو الاسم المستعار لإيزيدور دوكاس، قديس السريالية، الشاعر الذي لا ينام، مخترق الحدود الإنسانية والأخلاقية في عنف لغوي يدمر الصور التقليدية التي نحتفظ بها للشعر

يصرح باشلار، في قراءته النفسية الفلسفية المتميزة لتجربة لوتريامون، بأنه يكفي الشعور بالحيوانية الباقية في كينونتنا لكي نشعر بعدد وتنوع ودوافع العدوانية في العمل الدوكاسي

يضفي باشلار طابعاً من الصفات المحيونة على تجربة لوتريامون الشعرية والنفسية، ليس باعتبارها وظيفة وقتية، بل حضوراً متكاملاً في سرعة ذهنية لا تدع مجالاً لتجسد الصفات الفكرية الإنسانية، فتقطع طريق التيار المتدفق، لذا قال باشلار في موضع آخر، بنبرة لا تخلو من السخرية، إن نيتشه يبدو بطيئاً وهادئاً أمام لوتريامون

يتجاوز باشلار حالة العض في سطرين، يقول: لا يهضم الكائن الدوكاسي، لكنه يعض، فالغذاء بالنسبة له هو النهش، كما أن رغبة العيش هنا هي رغبة الهجوم، فهو لم يرقد ولم يدافع أبداً، ولم يكن شبعان أبداً

لا بد من التوقف عند هذه الحالة الفريدة وتقديم تفسير نفسي سلوكي لها، فالعض ليس حالة تدل على الحيوانية والتوحش بشكل خالص، إذ بإمكاننا ملاحظة أن العض في بعض الحالات يكون تعبيراً عن الحب عند بعض البالغين، وبوابة للاكتشاف الطفولي

فحين نأخذ بعض الحالات اللاشعورية، يعتبر العض أحياناً تعبيراً عن الاحتفاظ بالأسرار، أو تعبيراً عن الندم بشكل رمزي فيزيائي

وفي موضع آخر يحاول باشلار تجريد العنف من ماديته المغرية، وإضفاء طابع الغموض والتصوف على العنف الدوكاسي

لقد لاحظ جان كاسو بدقة صلة القرابة ما بين تعبير الكونت لوتريامون وتعبير الماركيز دو ساد، بيد أن العنف عند ساد يبقى عنفاً إنسانياً، كما يظل قلقاً على موضوعه

ثم ينتقل باشلار إلى المقارنة مع كازانوفا، وينتهي إلى أن تجربة لوتريامون السريعة لم تكن فوضوية كما شاع عنها، بل كانت سرعة تتجاوز حدود النفسانيات التي نعرفها، وتتصل ببعض النفسانيات الجديدة، ولا بد أن أقتبس من باشلار هنا لمعرفة قصديته بشكل أفضل، يقول:

“فإنه ينبغي تصور الزمن كونه تراكماً للحظات حاسمة، ومن دون إشغال البال بمدى التنفيذ، فالقرار يكبر عند اتخاذه، كما تتضاعف إرادة الهجوم المختزلة عبثاً”

يشدد باشلار مرة أخرى على مفهوم السرعة الدوكاسية، القبض على اللحظة، حالة من الغثيان اللغوي، لا تترك مجالاً أو فسحة للتفكير الذي يفسد الخيالات المتدفقة، لكن القارئ غير مطالب بالتسلح بتلك السرعة، فقد حذره لوتريامون قائلاً: «بتقدمك بسرعة أقل، قد تتفهم أكثر رعبي، أو على الأقل حيرتي»

يقدم باشلار تفسيراً للغريزة الدوكاسية بشكل لم أعثر عليه في بعض الأدبيات النفسية، فهو يرى أن الغريزة تسيطر وتنظم الأفكار والرغبات والإرادة لزمن طويل، بهدف أن تتشكل الطاقات الخيالية كأعضاء مادية، وهذا التفسير يجعله يلاحظ العلاقة الأخلاقية الفيزيائية في حالة من التشكل، يقول: ((وهي ترمز حقاً لنقطة اللقاء التعددي العضوي))

وننتقل من هذه الحالة إلى حالة أخرى متعلقة بالخدش والقرص والقبضة المضمومة، ويرجع باشلار هذه الحالات المتعددة إلى حالة الشعور البدائي

ومرة أخرى سأقدم قراءة مختلفة عما تقدم به باشلار حول القبضة المضمومة والقرص والخدش، فربما كانت هذه الحالات السلوكية تعبيراً عن التمسك بالآخر، القبض عليه بقوة كي لا يتركنا، وهذه مجرد فرضية، لأنه للأسف بحثت كثيراً حول سؤال الوحدة، وحدة لوتريامون، هل كان وحيداً؟ ولم أجد إجابة مكتملة عن هذا السؤال، لأنه من الممكن أن يجعل فهمنا لتجربة لوتريامون مختلفاً

رغم إصرار باشلار على قراءة تجربة لوتريامون باعتبارها دراما ثقافية، على حد تعبيره، ولا شك من دون نفي لجانب الألم الإنساني في تلك التجربة، لكن سؤال الوحدة يبقى، كما أتصور، أحد الأبواب الواسعة لفهم لوتريامون، ليس كنفس بشرية فقط، بل كحالة فنية أيضاً

يحلل باشلار أكثر المناطق خطورة وإغراءً في تاريخ الأدب، قضية الجنون والشعر، ويطرح إجابة لا تخلو من عمق ومنطق يدعم أركانها المعرفية

فعندما واجه جورج باطاي سؤال الشر والشعر، وتناول قضية الجنون والإبداع في أشعار وليم بليك، ترك السؤال مفتوحاً، رغم إصراره على أن بليك لم يكن مجنوناً، وأنه علينا التأمل والصمت أمام بريق كلماته، لكن باشلار حين واجه ذلك السؤال في عقدة لوتريامون، على حد تعبيره، ذهب إلى أن جنون لوتريامون هو جنون مكتوب، دراما ثقافية كبيرة عبرت عن انفعالاتها وعقدها بكل وضوح، كما أن هذه العقد المكتوبة، حين تخرج من اللاوعي وتسيل على الورق، ثم إلى المطبعة، ثم إلى يد القارئ، لا تخلو طوال هذه المراحل من تحريف سيكولوجية المؤلف

ويجادل باشلار بأن هدف هذه العقد المكتوبة ليس أن تبعث في القارئ الخمول والإحساس بالعدمية وتهاوي القيم الإنسانية، بل هدفها بث الحركة والنشاط في المخيلات الكسولة، وأضيف أنها قادرة، حين يواجهها القارئ بصدق وتحرر، على خلق حالة من الجدل الأخلاقي في بعض القيم المتعفنة

وليس معنى كلامي هنا إضفاء طابع من الوعظية الأخلاقية على أشعار لوتريامون، لأنها قصائد لحظوية كتبت دون مراقبة تفكير أو ضمير، مع احتفاظها بقوتها وتماسكها

إنما، وأكرر اقتباس باشلار في صفحة ١٢٧: ينبغي على الشاعر خلق قارئه

وهذا ما نجح فيه لوتريامون، حين عثر السرياليون المتحمسون على قصائده، فنصبوه نبياً عليهم

وليس المعنى أن باشلار ينفي عن لوتريامون تهمة الجنون أو يؤكدها، بل يطالب، من خلال اعتماده على نظريات كورسبسكي في حقل الأمراض العصبية والسيكولوجيا الحيوانية، ببحث سيكولوجية الحيوان كقصدية لاستهداف المخيلة الإنسانية غير المتشكلة بصورة صحيحة

ختاماً أستعير هنا اقتباساً أخيراً من باشلار لأختم ، يقول في صفحة ١٨٤:

«كما ينبغي تطعيم اللوتريامونية بقيم ذهنية، وستحصل تلك القيم منها على ما يعض، على الإقدام على الإخصاب، وباختصار، على كل ما يمكنه جعله وعياً صحيحاً على غبطة الانتزاع، فرح أن يكون المرء إنساناً»

عن الکاتب / الکاتبة

علي جواد كاظم
علي جواد كاظم
شاعر . کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

عصر الاستنساخ

عصر الاستنساخ

عصر الاستنساخ لم أكن مهتماً بالبناء المعماري، وليس لدي فضول لمعرفة التطورات العمرانية الحديثة. لكن…

صورة الكاتب علي جواد كاظم
15 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المستذئب لوتريامون

بقلم: علي جواد كاظم | التاريخ: 2 أغسطس 2026

التصنيف: النقد الأدبي

المستذئب لوتريامون

 

ليس هناك سوى حيوان واحد ٠٠٠ الحيوان مبدأ

 

بلزاك

 

لوتريامون هو الاسم المستعار لإيزيدور دوكاس، قديس السريالية، الشاعر الذي لا ينام، مخترق الحدود الإنسانية والأخلاقية في عنف لغوي يدمر الصور التقليدية التي نحتفظ بها للشعر

يصرح باشلار، في قراءته النفسية الفلسفية المتميزة لتجربة لوتريامون، بأنه يكفي الشعور بالحيوانية الباقية في كينونتنا لكي نشعر بعدد وتنوع ودوافع العدوانية في العمل الدوكاسي

يضفي باشلار طابعاً من الصفات المحيونة على تجربة لوتريامون الشعرية والنفسية، ليس باعتبارها وظيفة وقتية، بل حضوراً متكاملاً في سرعة ذهنية لا تدع مجالاً لتجسد الصفات الفكرية الإنسانية، فتقطع طريق التيار المتدفق، لذا قال باشلار في موضع آخر، بنبرة لا تخلو من السخرية، إن نيتشه يبدو بطيئاً وهادئاً أمام لوتريامون

يتجاوز باشلار حالة العض في سطرين، يقول: لا يهضم الكائن الدوكاسي، لكنه يعض، فالغذاء بالنسبة له هو النهش، كما أن رغبة العيش هنا هي رغبة الهجوم، فهو لم يرقد ولم يدافع أبداً، ولم يكن شبعان أبداً

لا بد من التوقف عند هذه الحالة الفريدة وتقديم تفسير نفسي سلوكي لها، فالعض ليس حالة تدل على الحيوانية والتوحش بشكل خالص، إذ بإمكاننا ملاحظة أن العض في بعض الحالات يكون تعبيراً عن الحب عند بعض البالغين، وبوابة للاكتشاف الطفولي

فحين نأخذ بعض الحالات اللاشعورية، يعتبر العض أحياناً تعبيراً عن الاحتفاظ بالأسرار، أو تعبيراً عن الندم بشكل رمزي فيزيائي

وفي موضع آخر يحاول باشلار تجريد العنف من ماديته المغرية، وإضفاء طابع الغموض والتصوف على العنف الدوكاسي

لقد لاحظ جان كاسو بدقة صلة القرابة ما بين تعبير الكونت لوتريامون وتعبير الماركيز دو ساد، بيد أن العنف عند ساد يبقى عنفاً إنسانياً، كما يظل قلقاً على موضوعه

ثم ينتقل باشلار إلى المقارنة مع كازانوفا، وينتهي إلى أن تجربة لوتريامون السريعة لم تكن فوضوية كما شاع عنها، بل كانت سرعة تتجاوز حدود النفسانيات التي نعرفها، وتتصل ببعض النفسانيات الجديدة، ولا بد أن أقتبس من باشلار هنا لمعرفة قصديته بشكل أفضل، يقول:

“فإنه ينبغي تصور الزمن كونه تراكماً للحظات حاسمة، ومن دون إشغال البال بمدى التنفيذ، فالقرار يكبر عند اتخاذه، كما تتضاعف إرادة الهجوم المختزلة عبثاً”

يشدد باشلار مرة أخرى على مفهوم السرعة الدوكاسية، القبض على اللحظة، حالة من الغثيان اللغوي، لا تترك مجالاً أو فسحة للتفكير الذي يفسد الخيالات المتدفقة، لكن القارئ غير مطالب بالتسلح بتلك السرعة، فقد حذره لوتريامون قائلاً: «بتقدمك بسرعة أقل، قد تتفهم أكثر رعبي، أو على الأقل حيرتي»

يقدم باشلار تفسيراً للغريزة الدوكاسية بشكل لم أعثر عليه في بعض الأدبيات النفسية، فهو يرى أن الغريزة تسيطر وتنظم الأفكار والرغبات والإرادة لزمن طويل، بهدف أن تتشكل الطاقات الخيالية كأعضاء مادية، وهذا التفسير يجعله يلاحظ العلاقة الأخلاقية الفيزيائية في حالة من التشكل، يقول: ((وهي ترمز حقاً لنقطة اللقاء التعددي العضوي))

وننتقل من هذه الحالة إلى حالة أخرى متعلقة بالخدش والقرص والقبضة المضمومة، ويرجع باشلار هذه الحالات المتعددة إلى حالة الشعور البدائي

ومرة أخرى سأقدم قراءة مختلفة عما تقدم به باشلار حول القبضة المضمومة والقرص والخدش، فربما كانت هذه الحالات السلوكية تعبيراً عن التمسك بالآخر، القبض عليه بقوة كي لا يتركنا، وهذه مجرد فرضية، لأنه للأسف بحثت كثيراً حول سؤال الوحدة، وحدة لوتريامون، هل كان وحيداً؟ ولم أجد إجابة مكتملة عن هذا السؤال، لأنه من الممكن أن يجعل فهمنا لتجربة لوتريامون مختلفاً

رغم إصرار باشلار على قراءة تجربة لوتريامون باعتبارها دراما ثقافية، على حد تعبيره، ولا شك من دون نفي لجانب الألم الإنساني في تلك التجربة، لكن سؤال الوحدة يبقى، كما أتصور، أحد الأبواب الواسعة لفهم لوتريامون، ليس كنفس بشرية فقط، بل كحالة فنية أيضاً

يحلل باشلار أكثر المناطق خطورة وإغراءً في تاريخ الأدب، قضية الجنون والشعر، ويطرح إجابة لا تخلو من عمق ومنطق يدعم أركانها المعرفية

فعندما واجه جورج باطاي سؤال الشر والشعر، وتناول قضية الجنون والإبداع في أشعار وليم بليك، ترك السؤال مفتوحاً، رغم إصراره على أن بليك لم يكن مجنوناً، وأنه علينا التأمل والصمت أمام بريق كلماته، لكن باشلار حين واجه ذلك السؤال في عقدة لوتريامون، على حد تعبيره، ذهب إلى أن جنون لوتريامون هو جنون مكتوب، دراما ثقافية كبيرة عبرت عن انفعالاتها وعقدها بكل وضوح، كما أن هذه العقد المكتوبة، حين تخرج من اللاوعي وتسيل على الورق، ثم إلى المطبعة، ثم إلى يد القارئ، لا تخلو طوال هذه المراحل من تحريف سيكولوجية المؤلف

ويجادل باشلار بأن هدف هذه العقد المكتوبة ليس أن تبعث في القارئ الخمول والإحساس بالعدمية وتهاوي القيم الإنسانية، بل هدفها بث الحركة والنشاط في المخيلات الكسولة، وأضيف أنها قادرة، حين يواجهها القارئ بصدق وتحرر، على خلق حالة من الجدل الأخلاقي في بعض القيم المتعفنة

وليس معنى كلامي هنا إضفاء طابع من الوعظية الأخلاقية على أشعار لوتريامون، لأنها قصائد لحظوية كتبت دون مراقبة تفكير أو ضمير، مع احتفاظها بقوتها وتماسكها

إنما، وأكرر اقتباس باشلار في صفحة ١٢٧: ينبغي على الشاعر خلق قارئه

وهذا ما نجح فيه لوتريامون، حين عثر السرياليون المتحمسون على قصائده، فنصبوه نبياً عليهم

وليس المعنى أن باشلار ينفي عن لوتريامون تهمة الجنون أو يؤكدها، بل يطالب، من خلال اعتماده على نظريات كورسبسكي في حقل الأمراض العصبية والسيكولوجيا الحيوانية، ببحث سيكولوجية الحيوان كقصدية لاستهداف المخيلة الإنسانية غير المتشكلة بصورة صحيحة

ختاماً أستعير هنا اقتباساً أخيراً من باشلار لأختم ، يقول في صفحة ١٨٤:

«كما ينبغي تطعيم اللوتريامونية بقيم ذهنية، وستحصل تلك القيم منها على ما يعض، على الإقدام على الإخصاب، وباختصار، على كل ما يمكنه جعله وعياً صحيحاً على غبطة الانتزاع، فرح أن يكون المرء إنساناً»