لغة الصمت

صورة الكاتب
بقلم: د.عزيز جبرالساعدي
التاريخ: 19 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 3222
لغة الصمت

كانا يبدآن نهارهما بكتاب، وينهيانه بحوار.
في زمن لم تكن الشاشات قد استوطنت البيوت، كان الحب بينهما يولد في المكتبات، ويكبر في معارض الكتب، ويزدهر على طاولة صغيرة في مقهى، حيث كانت الروايات تثير خلافاتهما الجميلة، وتجمعهما القصائد أكثر مما تفرقهما الآراء.
تزوجا، وأنجبا أبناءً ملأوا البيت ضجيجًا وحياة. ومع السنين دخلت التكنولوجيا إلى كل شيء، وأصبحت الهواتف ضيفًا دائمًا على المائدة، ثم صارت صاحب البيت.
لم ينتبها إلى الزمن إلا حين غادر الأبناء واحدًا بعد آخر، بعد أن أسس كل منهم حياته. عاد الزوجان وحدهما إلى البيت الكبير الذي كان يفيض بالأصوات، فإذا به يمتلئ بالصمت.
عاد هو إلى مكتبته، يقرأ ويكتب كل يوم، وكأن الكتب تمده بعمر جديد.
أما هي، فلم تعد تقترب من رفوف الروايات. اكتفت بمصحفها، تقرأه كل صباح، ثم تجلس طويلًا تحدق في السماء، كأنها تنصت إلى شيء لا يُسمع.
ذات مساء، أغلق كتابه، وقال مبتسمًا:
– أأعلنتِ الطلاق بينك وبين الكتب؟ كنتِ أكثر الناس عشقًا لها.
ابتسمت وقالت:
– بل تصالحت مع القراءة.
تعجب.
قالت:
– كنت أقرأ لأعرف العالم، فاكتشفت أن العالم يزداد ضجيجًا كلما ازددت معرفةً به. حروب، وكراهية، ونفاق اجتماعي، وأخبار تتدفق بلا رحمة… حتى الكلمات نفسها أصابها التعب.
ثم رفعت المصحف برفق، وقالت:
– عندما ضاق صدري، لم أبحث عن كتاب جديد، بل بحثت عن نفسي. وجدتها هنا. الآن أتعلم لغة الصمت، ومناجاة الله. أدركت أن المعرفة ليست في كثرة ما نقرأ، بل في الأثر الذي يتركه ما نقرأه في أرواحنا.
ظل صامتًا.
لأول مرة شعر أن مكتبته، على اتساعها، لم تعلّمه هذا الدرس.
وفي تلك الليلة، لم يكتب مقالًا، ولم يفتح هاتفه، بل جلس إلى جوارها يقرأ بصمت.
وحين انتهى، قال بهدوء:
– كنت أظن أن التكنولوجيا هي التي سرقت الناس من الكتب… لكنني اكتشفت أن الذي يسرق الإنسان حقًا هو الضجيج، وأن القراءة الحقيقية ليست عدد الكتب التي ننهيها، بل مقدار السكينة التي نكسبها منها.
أغلقت المصحف، ونظرت إليه بعينين امتلأتا امتنانًا، وقالت:
– وما دام الحب يجعلنا نتعلم من بعضنا، فنحن ما زلنا في الصفحة الأولى…
وخارج نافذة البيت، كانت المدينة تزداد صخبًا، بينما كان في الداخل كتاب، ومصحف، وقلبان اكتشفا، بعد عمر طويل، أن أجمل القراءات هي تلك التي تقود الإنسان إلى الله، وتجعل المعرفة أكثر رحمة، والمحبة أكثر صدقًا.

عن الکاتب / الکاتبة

د.عزيز جبرالساعدي
د.عزيز جبرالساعدي
ناقد وکاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

المنبر الحسيني والفنون المسرحية: تقاطعات التأثير والاستفادة

المنبر الحسيني والفنون المسرحية: تقاطعات التأثير والاستفادة

المنبر الحسيني والفنون المسرحية: تقاطعات التأثير والاستفادة يُعدّ المنبر الحسيني واحداً من أهم الظواهر الثقافية…

صورة الكاتب د.عزيز جبرالساعدي
1 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
جنون الحمائم عرض مسرحي ملغوم بانفجار المشاعر

جنون الحمائم عرض مسرحي ملغوم بانفجار المشاعر

في الإعادة إفادة… جنون الحمائم عرض مسرحي ملغوم بانفجار المشاعر العرض الاول اليوم الثلاثاء 18/…

صورة الكاتب د.عزيز جبرالساعدي
21 يوليو 2026
اقرأ المزيد
مسرحیة “شرقي… عذابات” بين ثقل الذاكرة وجماليات الصورة المسرحية

مسرحیة “شرقي… عذابات” بين ثقل الذاكرة وجماليات الصورة المسرحية

شرقي… عذابات بين ثقل الذاكرة وجماليات الصورة المسرحية وجهة نظر منذ اللحظة الأولى لعرض مسرحية…

صورة الكاتب د.عزيز جبرالساعدي
5 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


لغة الصمت

بقلم: د.عزيز جبرالساعدي | التاريخ: 19 أغسطس 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

كانا يبدآن نهارهما بكتاب، وينهيانه بحوار.
في زمن لم تكن الشاشات قد استوطنت البيوت، كان الحب بينهما يولد في المكتبات، ويكبر في معارض الكتب، ويزدهر على طاولة صغيرة في مقهى، حيث كانت الروايات تثير خلافاتهما الجميلة، وتجمعهما القصائد أكثر مما تفرقهما الآراء.
تزوجا، وأنجبا أبناءً ملأوا البيت ضجيجًا وحياة. ومع السنين دخلت التكنولوجيا إلى كل شيء، وأصبحت الهواتف ضيفًا دائمًا على المائدة، ثم صارت صاحب البيت.
لم ينتبها إلى الزمن إلا حين غادر الأبناء واحدًا بعد آخر، بعد أن أسس كل منهم حياته. عاد الزوجان وحدهما إلى البيت الكبير الذي كان يفيض بالأصوات، فإذا به يمتلئ بالصمت.
عاد هو إلى مكتبته، يقرأ ويكتب كل يوم، وكأن الكتب تمده بعمر جديد.
أما هي، فلم تعد تقترب من رفوف الروايات. اكتفت بمصحفها، تقرأه كل صباح، ثم تجلس طويلًا تحدق في السماء، كأنها تنصت إلى شيء لا يُسمع.
ذات مساء، أغلق كتابه، وقال مبتسمًا:
– أأعلنتِ الطلاق بينك وبين الكتب؟ كنتِ أكثر الناس عشقًا لها.
ابتسمت وقالت:
– بل تصالحت مع القراءة.
تعجب.
قالت:
– كنت أقرأ لأعرف العالم، فاكتشفت أن العالم يزداد ضجيجًا كلما ازددت معرفةً به. حروب، وكراهية، ونفاق اجتماعي، وأخبار تتدفق بلا رحمة… حتى الكلمات نفسها أصابها التعب.
ثم رفعت المصحف برفق، وقالت:
– عندما ضاق صدري، لم أبحث عن كتاب جديد، بل بحثت عن نفسي. وجدتها هنا. الآن أتعلم لغة الصمت، ومناجاة الله. أدركت أن المعرفة ليست في كثرة ما نقرأ، بل في الأثر الذي يتركه ما نقرأه في أرواحنا.
ظل صامتًا.
لأول مرة شعر أن مكتبته، على اتساعها، لم تعلّمه هذا الدرس.
وفي تلك الليلة، لم يكتب مقالًا، ولم يفتح هاتفه، بل جلس إلى جوارها يقرأ بصمت.
وحين انتهى، قال بهدوء:
– كنت أظن أن التكنولوجيا هي التي سرقت الناس من الكتب… لكنني اكتشفت أن الذي يسرق الإنسان حقًا هو الضجيج، وأن القراءة الحقيقية ليست عدد الكتب التي ننهيها، بل مقدار السكينة التي نكسبها منها.
أغلقت المصحف، ونظرت إليه بعينين امتلأتا امتنانًا، وقالت:
– وما دام الحب يجعلنا نتعلم من بعضنا، فنحن ما زلنا في الصفحة الأولى…
وخارج نافذة البيت، كانت المدينة تزداد صخبًا، بينما كان في الداخل كتاب، ومصحف، وقلبان اكتشفا، بعد عمر طويل، أن أجمل القراءات هي تلك التي تقود الإنسان إلى الله، وتجعل المعرفة أكثر رحمة، والمحبة أكثر صدقًا.