في (الاختلاف يُولِّدُ الاختلاف) ذاكرة المكان وديناميّة البناء

صورة الكاتب
بقلم: د. هاني كنهر العتّابيّ
التاريخ: 25 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 3662
في (الاختلاف يُولِّدُ الاختلاف) ذاكرة المكان وديناميّة البناء

يقرّر علماء الأنثروبولوجيا أنّ فهم بناءات أيّ مجتمع يبدأ من الاقتراب من واقعه الحيّ، والنظر في تفاصيل الحياة اليوميّة التي تتشكّل فيها علاقات الأفراد والجماعات، وتتبلور من خلالها القيم والعادات وأنماط التضامن؛ فالمجتمع، في القراءة الأنثروبولوجيّة، يكشف عن بنيته العميقة في ممارساته اليوميّة، وفي الطريقة التي ينظّم بها أفراده علاقاتهم، ويستجيبون بها لحاجاتهم، ويعيدون بها تشكيل مؤسّساتهم وروابطهم.

ومن هذا المنطلق تأتي تجربة الدكتور (عدنان صبيح ثامر) في قراءة الواقع الاجتماعيّ العراقيّ؛ إذ تتّجه عنايته إلى الاقتراب من المجتمع في بيئاته المحلّيّة، وتتبّع البنى والعلاقات التي تمنح الجماعة خصوصيّتها، وتفسير الكيفيّة التي تتشكّل بها أنماط التنظيم والتفاعل والقيادة داخلها، وكتابه (الاختلاف يولِّد الاختلاف: البنى الاجتماعيّة الأوّليّة والموازية في مدينة الصدر)، الصادر عن دار ومكتبة الرواق في مركز رواق بغداد للسياسات العامّة، امتدادٌ طبيعيّ لهذا المشروع الفكريّ، وبحثٌ في واحدة من أكثر البيئات الاجتماعيّة كثافةً في العلاقات والرموز والتفاعلات؛ إذ يختار المؤلّف (مدينة الصدر) ميدانًا لهذه القراءة، وهي مدينة ذات حضور استثنائيّ في المشهد العراقيّ، تشكّلت فيها عبر مسار طويل شبكة واسعة من علاقات القرابة والجيرة والدين والعمل والسياسة، وتداخلت فيها الذاكرة المحلّيّة مع التحوّلات التاريخيّة التي شهدها العراق؛ ولهذا تظهر المدينة في الكتاب مجتمعًا محلّيًّا تتفاعل داخله بنى متعدّدة، وتنتج الجماعة في فضائه وسائلها الخاصّة في التضامن والتنظيم والحماية والقيادة. ومن هنا يتأسّس الإطار النظريّ للكتاب: المكان حاضنة للعلاقات، والأسرة والقرابة والعشيرة والدين والسوق والقيادة المحلّيّة أدواتٌ متداخلة في بناء هذا المجتمع.

وتكتسب القرابة والعشيرة في هذا السياق أهمّيّةً خاصّة؛ لأنّهما تمثّلان أعرق أسس الانتماء وأكثرها التصاقًا بالبنية الاجتماعيّة المحلّيّة، فالقرابة تمنح الفرد شبكة من الروابط والتكافل، والعشيرة توسّع هذه الشبكة في إطار من الأعراف والمكانات والرموز المشتركة، غير أنّ قيمة هذه البنى في قراءة (مدينة الصدر) لا تقتصر على وظيفتها التقليديّة، وإنّما تتّصل أيضًا بقدرتها على التكيّف مع المكان والظروف المتغيّرة، وهنا يقدّم المؤلّف واحدةً من أكثر أفكار الكتاب إثارةً للتأمّل؛ إذ يربط في مقدّمة كتابه بين الأصول الفلّاحيّة وطبيعة البناء الاجتماعيّ، فيقول: “لقد سمحت الأصول الفلّاحيّة لأهالي مدينة الصدر ــــ بما تمتلكه تلك البيئة من قدرة على التكيّف، ومرونة في التكوين والتشكيل ــــ ببروز بناءات جديدة، وهذا هو الفارق الجوهريّ بين أبناء البيئة الفلّاحيّة وأبناء البيئة البدويّة، حيث يُغيّر البدويّ المكان ولا يُغيّر (البناء)؛ لأنّه يمثّل الثيمة الأساسيّة له، بينما يمتلك البناء لدى الفلّاح قابليّة التغيّر والتكيّف؛ لأنّ الثيمة الأساسيّة لديه هي المكان”، وهذه الفكرة التي أعادها بصياغة مختلفة على الغلاف من أكثر ما يستوقف القارئ المتأمّل في الكتاب؛ إذ تنطوي على بُعد تفسيريّ عميق، غير أنّها تستدعي في الوقت نفسه وقفةً نقديّةً تُغني ما ذهب إليه المؤلّف لا تُفنّده؛ فالثنائيّة التي يرسمها بين الفلّاح والبدويّ ثنائيّةٌ مُوحيةٌ بلا شكّ، لكنّها تنزع في بعض جوانبها نحو التنميط؛ إذ تقدّم البدويّ نموذجًا ثابت البناء متغيّر المكان، والفلّاح نموذجًا ثابت المكان مرن البناء، وكأنّ كلًّا منهما يسير وفق منطق واحد لا يتبدّل، بيد أنّ الدراسات الأنثروبولوجيّة يمكن أن تثبت بالمقارنة أنّ المجتمعات البدويّة هي الأخرى التي تشهد تحوّلات بنيويّة عميقة حين تقتضي الظروف ذلك، ولعلّ تجارب التحضّر القسريّ في أكثر من سياق عربيّ تُقدّم شاهدًا على أنّ البدويّ حين استقرّ أبدى من المرونة البنيويّة ما لا يقلّ عمّا أبداه الفلّاح، ومن هنا يبدو أنّ المؤلّف يُوظّف الثنائيّة أداةً تفسيريّةً لمجتمع (مدينة الصدر) تحديدًا، وهو توظيف مشروع، لكنّه سيكسب مزيدًا من الرسوخ لو أقرّ بنسبيّتها، وقيّدها بسياقها بدلًا من رفعها إلى مستوى التعميم الذي يفهم من كلامه.

وعلى الرغم من هذا التحفّظ، فإنّ الفكرة تفتح بابًا عميقًا لفهم المجتمع الذي يدرسه الكتاب؛ فالمكان عند الفلّاح نقطةُ ثبات، بينما تضطلع البنية الاجتماعيّة بمهمّة الاستجابة للمتغيّرات، ولهذا تصبح قابليّة البناء للتشكيل إحدى السمات الجوهريّة لهذا المجتمع؛ فكلّما ظهرت حاجة جديدة، أمكن أن تنشأ إلى جانب البنى المألوفة صيغة أخرى توفّر الحماية أو التعاون أو التنظيم، وهنا تكتسب عبارة (البنى الاجتماعيّة الموازية) معناها الحقيقيّ؛ فهي وليدة مجتمع يُعيد ترتيب أدواته مع بقاء صلته بالمكان ثابتة.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم عنوان الكتاب: (الاختلاف يولِّد الاختلاف)؛ لأنّ اختلاف البيئة يُنتج اختلافًا في طرائق التنظيم، واختلاف الحاجات يدفع إلى ولادة أشكال جديدة من البناء، ومن هذه البنية الاجتماعيّة ينتقل الكتاب إلى البؤرة الثقافيّة الدينيّة؛ إذ يشغل المسجد موقعًا مركزيًّا في حياة المجتمع المحلّيّ، فهو يجمع بين الوظيفة التعبّديّة وشبكة واسعة من العلاقات الإنسانيّة التي تتكوّن حوله. ومع اتّساع النشاط الدينيّ والطقسيّ اتّسعت وظائف خدّام المسجد، فأصبحوا شركاء في تنظيم الطقوس وإدارة شؤونها، وهو ما منحهم مكانةً اجتماعيّةً وحضورًا داخل المجتمع، ويزداد هذا الحضور وضوحًا عند الانتقال إلى الطقوس الحسينيّة، التي تُشكّل في (مدينة الصدر) مساحةً واسعةً للتعبير عن الذاكرة والانتماء والقيم؛ فالطقس يجمع الناس في فضاء مشترك، ويمنحهم فرصةً لإعادة إنتاج روابطهم والتعبير عن هويّتهم الجماعيّة. وقد نظر الكتاب إلى الطقس بوصفه بؤرةً ثقافيّةً تتقاطع فيها الممارسة الدينيّة مع شبكة العلاقات الاجتماعيّة. وتبرز قيمة هذه القراءة في تتبّع الطقس وهو يتفاعل مع الأحداث العامّة؛ فحضور ممارسة (اللطم) في (مدينة الصدر) يومَ سقوط تمثال صدام حسين حمل في ذلك السياق تعبيرًا عن مشاعر جماعيّة مرتبطة بالحدث التاريخيّ، فظهر الطقس بوصفه لغةً اجتماعيّةً قادرةً على وصل الموروث الدينيّ باللحظة التي يعيشها المجتمع.

وبعد البنيتين القرابيّة والدينيّة يفتح الكتاب نافذةً أخرى على المجتمع من خلال السوق؛ إذ تكشف الحياة الاقتصاديّة عن حضور الثقافة في تفاصيلها اليوميّة، فسوق (مدينة الصدر) فضاءٌ تتفاعل فيه الحاجة الاقتصاديّة مع العادات والقيم، وتظهر فيه ترتيبات اجتماعيّة خاصّة، من بينها وجود مساحات مخصّصة للنساء وأخرى للرجال، في استجابة لطبيعة المجتمع المحافظة؛ ولهذا يصبح السوق مرآةً للمجتمع، فعمليّات البيع والشراء والتفاوض تتشكّل في ضوء الثقافة السائدة، وهذا ما يجعل الاقتصاد في الدراسة متّصلًا بالبنية الاجتماعيّة، كاشفًا عن قدرة المجتمع على إنتاج ترتيبات تتلاءم مع حاجاته وتحافظ على منظومته القيميّة.

وتصل الدراسة في ختامها إلى المجال السياسيّ، فتبحث علاقة أبناء (مدينة الصدر) بالنظام السياسيّ من خلال مفهوم الثقافة السياسيّة بجوانبه المعرفيّة والشعوريّة والقيميّة، وتكشف النتائج عن تفاوت في مستويات الوعي السياسيّ، والأهمّ أنّ هذا الجانب لا يُقرأ منفصلًا عمّا سبقه؛ فالحاجات الاجتماعيّة والخدميّة تجد طريقها عبر الزعامات المحلّيّة، والفعاليّات الدينيّة تُنتج شخصيّات تكتسب الثقة وتصل إلى مواقع القيادة، وهكذا تلتقي السياسة بالمجتمع في منطقة تتداخل فيها الزعامة مع الدين والقرابة والمكانة، فتكون العلاقة بالنظام السياسيّ جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات التي يعيشها الفرد في محيطه.

إنّ ما يمنح هذا الكتاب قيمته الحقيقيّة هو أنّه يضع (مدينة الصدر) أمام القارئ في صورة مجتمع متعدّد الطبقات والبناءات؛ إذ تتداخل فيه القرابة والعشيرة والمكان والدين والطقس والسوق والسياسة، وكلٌّ من هذه العناصر يُضيء ما قبله وما بعده؛ فالقرابة والعشيرة تكشفان البنية الأوّليّة للجماعة، والمسجد والطقس يكشفان قدرتها على إنتاج الروابط والرموز، والسوق يكشف حضور الثقافة في النشاط الاقتصاديّ، والعلاقة بالنظام السياسيّ تكشف امتداد هذه البنى إلى المجال العامّ، وقد كان القارئ يتمنّى لو أُضيف إلى هذه المستويات بُعدٌ مقارنٌ يستحضر تجارب أحياء أو مدن عراقيّة ذات طابع مشابه؛ إذ إنّ الخصوصيّة التي يُثبتها الكتاب لمدينة الصدر كانت ستزداد وضوحًا حين تُقاس بحالة مجاورة؛ فيتبيّن ما هو نمط عراقيّ عامّ، وما هو سمة محلّيّة خاصّة.

وهكذا يُقدّم الكتاب (مدينة الصدر) وكأنّها مختبر اجتماعيّ يمكن من خلاله تأمّل طريقة تشكّل المجتمع العراقيّ في بعض بيئاته المحلّيّة؛ مجتمع يحتفظ فيه المكان بمركزيّته، وتبقى البنى الاجتماعيّة في حالة مرنة تسمح لها بالاستجابة للحاجات الجديدة، وهذه هي الفكرة الأجمل التي يقود إليها الكتاب؛ إذ إنّ المجتمع الحيّ هو المجتمع القادر على إعادة تشكيل أبنيته مع احتفاظه بذاكرته ومكانه وانتمائه، وقد وظّف المؤلّف هذه الفكرة في عتبة الإهداء، إذ أهدى كتابه “إلى المدينة التي تكافئ أبناءها بالحماية، وترافق من غادر بالذاكرة”.

عن الکاتب / الکاتبة

د. هاني كنهر العتّابيّ
د. هاني كنهر العتّابيّ
باحث . کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

بلاغة المكر وسيمياء التلوّن في الخطاب

بلاغة المكر وسيمياء التلوّن في الخطاب

تشير أطروحة بيير بورديو (Pierre Bourdieu) في كتابيه (الرمز والسلطة) و(ما معنى أن نتكلم؟) إلى…

صورة الكاتب د. هاني كنهر العتّابيّ
15 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
التّلقّي بالألسنِ وخطابُ التّشهيرِ في ضوء السّيميائيّة القرآنيّة

التّلقّي بالألسنِ وخطابُ التّشهيرِ في ضوء السّيميائيّة القرآنيّة

التّلقّي بالألسنِ وخطابُ التّشهيرِ في ضوء السّيميائيّة القرآنيّة يخضع الكلام في المسار الطبيعيّ لتداول الأنباء…

صورة الكاتب د. هاني كنهر العتّابيّ
4 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


في (الاختلاف يُولِّدُ الاختلاف) ذاكرة المكان وديناميّة البناء

بقلم: د. هاني كنهر العتّابيّ | التاريخ: 25 أغسطس 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

يقرّر علماء الأنثروبولوجيا أنّ فهم بناءات أيّ مجتمع يبدأ من الاقتراب من واقعه الحيّ، والنظر في تفاصيل الحياة اليوميّة التي تتشكّل فيها علاقات الأفراد والجماعات، وتتبلور من خلالها القيم والعادات وأنماط التضامن؛ فالمجتمع، في القراءة الأنثروبولوجيّة، يكشف عن بنيته العميقة في ممارساته اليوميّة، وفي الطريقة التي ينظّم بها أفراده علاقاتهم، ويستجيبون بها لحاجاتهم، ويعيدون بها تشكيل مؤسّساتهم وروابطهم.

ومن هذا المنطلق تأتي تجربة الدكتور (عدنان صبيح ثامر) في قراءة الواقع الاجتماعيّ العراقيّ؛ إذ تتّجه عنايته إلى الاقتراب من المجتمع في بيئاته المحلّيّة، وتتبّع البنى والعلاقات التي تمنح الجماعة خصوصيّتها، وتفسير الكيفيّة التي تتشكّل بها أنماط التنظيم والتفاعل والقيادة داخلها، وكتابه (الاختلاف يولِّد الاختلاف: البنى الاجتماعيّة الأوّليّة والموازية في مدينة الصدر)، الصادر عن دار ومكتبة الرواق في مركز رواق بغداد للسياسات العامّة، امتدادٌ طبيعيّ لهذا المشروع الفكريّ، وبحثٌ في واحدة من أكثر البيئات الاجتماعيّة كثافةً في العلاقات والرموز والتفاعلات؛ إذ يختار المؤلّف (مدينة الصدر) ميدانًا لهذه القراءة، وهي مدينة ذات حضور استثنائيّ في المشهد العراقيّ، تشكّلت فيها عبر مسار طويل شبكة واسعة من علاقات القرابة والجيرة والدين والعمل والسياسة، وتداخلت فيها الذاكرة المحلّيّة مع التحوّلات التاريخيّة التي شهدها العراق؛ ولهذا تظهر المدينة في الكتاب مجتمعًا محلّيًّا تتفاعل داخله بنى متعدّدة، وتنتج الجماعة في فضائه وسائلها الخاصّة في التضامن والتنظيم والحماية والقيادة. ومن هنا يتأسّس الإطار النظريّ للكتاب: المكان حاضنة للعلاقات، والأسرة والقرابة والعشيرة والدين والسوق والقيادة المحلّيّة أدواتٌ متداخلة في بناء هذا المجتمع.

وتكتسب القرابة والعشيرة في هذا السياق أهمّيّةً خاصّة؛ لأنّهما تمثّلان أعرق أسس الانتماء وأكثرها التصاقًا بالبنية الاجتماعيّة المحلّيّة، فالقرابة تمنح الفرد شبكة من الروابط والتكافل، والعشيرة توسّع هذه الشبكة في إطار من الأعراف والمكانات والرموز المشتركة، غير أنّ قيمة هذه البنى في قراءة (مدينة الصدر) لا تقتصر على وظيفتها التقليديّة، وإنّما تتّصل أيضًا بقدرتها على التكيّف مع المكان والظروف المتغيّرة، وهنا يقدّم المؤلّف واحدةً من أكثر أفكار الكتاب إثارةً للتأمّل؛ إذ يربط في مقدّمة كتابه بين الأصول الفلّاحيّة وطبيعة البناء الاجتماعيّ، فيقول: “لقد سمحت الأصول الفلّاحيّة لأهالي مدينة الصدر ــــ بما تمتلكه تلك البيئة من قدرة على التكيّف، ومرونة في التكوين والتشكيل ــــ ببروز بناءات جديدة، وهذا هو الفارق الجوهريّ بين أبناء البيئة الفلّاحيّة وأبناء البيئة البدويّة، حيث يُغيّر البدويّ المكان ولا يُغيّر (البناء)؛ لأنّه يمثّل الثيمة الأساسيّة له، بينما يمتلك البناء لدى الفلّاح قابليّة التغيّر والتكيّف؛ لأنّ الثيمة الأساسيّة لديه هي المكان”، وهذه الفكرة التي أعادها بصياغة مختلفة على الغلاف من أكثر ما يستوقف القارئ المتأمّل في الكتاب؛ إذ تنطوي على بُعد تفسيريّ عميق، غير أنّها تستدعي في الوقت نفسه وقفةً نقديّةً تُغني ما ذهب إليه المؤلّف لا تُفنّده؛ فالثنائيّة التي يرسمها بين الفلّاح والبدويّ ثنائيّةٌ مُوحيةٌ بلا شكّ، لكنّها تنزع في بعض جوانبها نحو التنميط؛ إذ تقدّم البدويّ نموذجًا ثابت البناء متغيّر المكان، والفلّاح نموذجًا ثابت المكان مرن البناء، وكأنّ كلًّا منهما يسير وفق منطق واحد لا يتبدّل، بيد أنّ الدراسات الأنثروبولوجيّة يمكن أن تثبت بالمقارنة أنّ المجتمعات البدويّة هي الأخرى التي تشهد تحوّلات بنيويّة عميقة حين تقتضي الظروف ذلك، ولعلّ تجارب التحضّر القسريّ في أكثر من سياق عربيّ تُقدّم شاهدًا على أنّ البدويّ حين استقرّ أبدى من المرونة البنيويّة ما لا يقلّ عمّا أبداه الفلّاح، ومن هنا يبدو أنّ المؤلّف يُوظّف الثنائيّة أداةً تفسيريّةً لمجتمع (مدينة الصدر) تحديدًا، وهو توظيف مشروع، لكنّه سيكسب مزيدًا من الرسوخ لو أقرّ بنسبيّتها، وقيّدها بسياقها بدلًا من رفعها إلى مستوى التعميم الذي يفهم من كلامه.

وعلى الرغم من هذا التحفّظ، فإنّ الفكرة تفتح بابًا عميقًا لفهم المجتمع الذي يدرسه الكتاب؛ فالمكان عند الفلّاح نقطةُ ثبات، بينما تضطلع البنية الاجتماعيّة بمهمّة الاستجابة للمتغيّرات، ولهذا تصبح قابليّة البناء للتشكيل إحدى السمات الجوهريّة لهذا المجتمع؛ فكلّما ظهرت حاجة جديدة، أمكن أن تنشأ إلى جانب البنى المألوفة صيغة أخرى توفّر الحماية أو التعاون أو التنظيم، وهنا تكتسب عبارة (البنى الاجتماعيّة الموازية) معناها الحقيقيّ؛ فهي وليدة مجتمع يُعيد ترتيب أدواته مع بقاء صلته بالمكان ثابتة.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم عنوان الكتاب: (الاختلاف يولِّد الاختلاف)؛ لأنّ اختلاف البيئة يُنتج اختلافًا في طرائق التنظيم، واختلاف الحاجات يدفع إلى ولادة أشكال جديدة من البناء، ومن هذه البنية الاجتماعيّة ينتقل الكتاب إلى البؤرة الثقافيّة الدينيّة؛ إذ يشغل المسجد موقعًا مركزيًّا في حياة المجتمع المحلّيّ، فهو يجمع بين الوظيفة التعبّديّة وشبكة واسعة من العلاقات الإنسانيّة التي تتكوّن حوله. ومع اتّساع النشاط الدينيّ والطقسيّ اتّسعت وظائف خدّام المسجد، فأصبحوا شركاء في تنظيم الطقوس وإدارة شؤونها، وهو ما منحهم مكانةً اجتماعيّةً وحضورًا داخل المجتمع، ويزداد هذا الحضور وضوحًا عند الانتقال إلى الطقوس الحسينيّة، التي تُشكّل في (مدينة الصدر) مساحةً واسعةً للتعبير عن الذاكرة والانتماء والقيم؛ فالطقس يجمع الناس في فضاء مشترك، ويمنحهم فرصةً لإعادة إنتاج روابطهم والتعبير عن هويّتهم الجماعيّة. وقد نظر الكتاب إلى الطقس بوصفه بؤرةً ثقافيّةً تتقاطع فيها الممارسة الدينيّة مع شبكة العلاقات الاجتماعيّة. وتبرز قيمة هذه القراءة في تتبّع الطقس وهو يتفاعل مع الأحداث العامّة؛ فحضور ممارسة (اللطم) في (مدينة الصدر) يومَ سقوط تمثال صدام حسين حمل في ذلك السياق تعبيرًا عن مشاعر جماعيّة مرتبطة بالحدث التاريخيّ، فظهر الطقس بوصفه لغةً اجتماعيّةً قادرةً على وصل الموروث الدينيّ باللحظة التي يعيشها المجتمع.

وبعد البنيتين القرابيّة والدينيّة يفتح الكتاب نافذةً أخرى على المجتمع من خلال السوق؛ إذ تكشف الحياة الاقتصاديّة عن حضور الثقافة في تفاصيلها اليوميّة، فسوق (مدينة الصدر) فضاءٌ تتفاعل فيه الحاجة الاقتصاديّة مع العادات والقيم، وتظهر فيه ترتيبات اجتماعيّة خاصّة، من بينها وجود مساحات مخصّصة للنساء وأخرى للرجال، في استجابة لطبيعة المجتمع المحافظة؛ ولهذا يصبح السوق مرآةً للمجتمع، فعمليّات البيع والشراء والتفاوض تتشكّل في ضوء الثقافة السائدة، وهذا ما يجعل الاقتصاد في الدراسة متّصلًا بالبنية الاجتماعيّة، كاشفًا عن قدرة المجتمع على إنتاج ترتيبات تتلاءم مع حاجاته وتحافظ على منظومته القيميّة.

وتصل الدراسة في ختامها إلى المجال السياسيّ، فتبحث علاقة أبناء (مدينة الصدر) بالنظام السياسيّ من خلال مفهوم الثقافة السياسيّة بجوانبه المعرفيّة والشعوريّة والقيميّة، وتكشف النتائج عن تفاوت في مستويات الوعي السياسيّ، والأهمّ أنّ هذا الجانب لا يُقرأ منفصلًا عمّا سبقه؛ فالحاجات الاجتماعيّة والخدميّة تجد طريقها عبر الزعامات المحلّيّة، والفعاليّات الدينيّة تُنتج شخصيّات تكتسب الثقة وتصل إلى مواقع القيادة، وهكذا تلتقي السياسة بالمجتمع في منطقة تتداخل فيها الزعامة مع الدين والقرابة والمكانة، فتكون العلاقة بالنظام السياسيّ جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات التي يعيشها الفرد في محيطه.

إنّ ما يمنح هذا الكتاب قيمته الحقيقيّة هو أنّه يضع (مدينة الصدر) أمام القارئ في صورة مجتمع متعدّد الطبقات والبناءات؛ إذ تتداخل فيه القرابة والعشيرة والمكان والدين والطقس والسوق والسياسة، وكلٌّ من هذه العناصر يُضيء ما قبله وما بعده؛ فالقرابة والعشيرة تكشفان البنية الأوّليّة للجماعة، والمسجد والطقس يكشفان قدرتها على إنتاج الروابط والرموز، والسوق يكشف حضور الثقافة في النشاط الاقتصاديّ، والعلاقة بالنظام السياسيّ تكشف امتداد هذه البنى إلى المجال العامّ، وقد كان القارئ يتمنّى لو أُضيف إلى هذه المستويات بُعدٌ مقارنٌ يستحضر تجارب أحياء أو مدن عراقيّة ذات طابع مشابه؛ إذ إنّ الخصوصيّة التي يُثبتها الكتاب لمدينة الصدر كانت ستزداد وضوحًا حين تُقاس بحالة مجاورة؛ فيتبيّن ما هو نمط عراقيّ عامّ، وما هو سمة محلّيّة خاصّة.

وهكذا يُقدّم الكتاب (مدينة الصدر) وكأنّها مختبر اجتماعيّ يمكن من خلاله تأمّل طريقة تشكّل المجتمع العراقيّ في بعض بيئاته المحلّيّة؛ مجتمع يحتفظ فيه المكان بمركزيّته، وتبقى البنى الاجتماعيّة في حالة مرنة تسمح لها بالاستجابة للحاجات الجديدة، وهذه هي الفكرة الأجمل التي يقود إليها الكتاب؛ إذ إنّ المجتمع الحيّ هو المجتمع القادر على إعادة تشكيل أبنيته مع احتفاظه بذاكرته ومكانه وانتمائه، وقد وظّف المؤلّف هذه الفكرة في عتبة الإهداء، إذ أهدى كتابه “إلى المدينة التي تكافئ أبناءها بالحماية، وترافق من غادر بالذاكرة”.